• ×

05:24 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ (المطاوعة الذين عارضوا تعليم البنات هم أول من أدخل بناتهم إلى مدارس النبات) هذه العبارة النمطية صحيحة إلى حد كبير، فالدعاة هم من أوائل من أدخل بناتهم إلى المدارس بعد أن كانوا - في البداية - معارضين لها، ولكن ما هي القصة الكاملة ؟ كيف بدأت ؟ وكيف انتهت ؟، وما هو التلبيس الذي استمر إلى اليوم؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كان المجتمع العربي في منتصف القرن الماضي يمر بمتغيرات سياسية واجتماعية في الكثير من الأقطار العربية، وكان الناس في المملكة العربية السعودية على اتصال مباشر بتلك المتغيرات، فها هي ذي القومية العربية تضرب بأطنابها في الأقطار العربية، وها هو ذا الكثير من الشباب العربي قد تأثر بأفكارها، وأصبح يطالب المجتمع بمنهجها، وكذلك الماركسية تسللت إلى قلوب بعض المثقفين فعبروا عنها في أقوالهم وكتاباتهم.
في تلك الأثناء برزت قضية تعليم البنات في المملكة العربية السعودية، وصار الناس بين مؤيد ومعارض، وكثر القيل والقال، وانتهى الأمر إلى إنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات، ولكن قبل ذلك مرت القضية بثلاث مراحل [1] :
1. الكتاتيب : كانت الكتاتيب منتشرة في مناطق المملكة سواءً كانوا ذكوراً أو إناثاً، وقد قامت تلك الكتاتيب بتعليم الناس أمور دينهم على الوجه المناسب (ومن أولويات التعليم في الكتاتيب النسائية تعليم المرأة الكبيرة مبادئ القرآن الكريم، وحفظ بعض سوره القصيرة وعدد من الأحاديث النبوية الشريفة إضافة إلى تدريس ما يتعلق في الأمور الدينية. وأما البنات الصغيرات فإن أولويات تعليمهن مبادئ القراءة والكتابة في نفس الوسائل التعليمية التي يستخدمها الذكور، من ألواح خشب وأقلام غصون الشجر) [2].
وكانت الكتاتيب تغطي معظم مناطق البلاد، يقول السلمان [3] :
في مكة المكرمة : وجدت كتاتيب للبنات مثل : كُتاب السيدة آشيه، كُتاب الشامية وكُتاب المدرسة الصولتية وكُتاب الفقيهة فاطمة البغدادية وعائشة معجونية وآمنة الجاوية وفاطمة المنديلية، وكُتاب موضي الدامغ وهي من عنيزة في القصيم، وكُتاب خيرية خوجة وفاطمة التركية.
وفي المدينة المنورة : وجدت فيها عدة كتاتيب للبنات منها : كُتاب فاطمة هانم وكُتاب فخرية هانم.
وفي الرياض : وجدت بجانب كتاتيب البنين كتاتيب للبنات وإن كانت المصادر لا تمدنا بأسماء من تولى التدريس فيها من النساء.
وفي جدة : وجدت فيها عدة كتاتيب للبنات منها : كُتاب الفقيه وكُتاب خديجة الشامية وكُتاب العمياء وغيرها.
وفي الزلفي : وجدت كتاتيب للبنات، ومن معلماتهن : أم الغديان حصة السعد وحصة العبيد وسارة المبروك، وسلمى السعيدان ولولوة الدرويش ومنيرة الحنيني.
وفي بريدة : قامت فيها كتاتيب للبنات منها : كُتاب هيلة السيف وكُتاب أم الهزاع، وكُتاب بنت سطام، وكُتاب أم الدخيلي، وكُتاب أم الفوزان.
وفي عنيزة : تعددت فيها كتاتيب على غرار كتاتيب البنين مثل : كُتاب عائشة السويل، وكُتاب فاطمة البلال (بلاله)، وكُتاب نورة الحميدا، وكُتاب حصة الجبر (جبرة)، وكُتاب منيرة العلي القاعان (أم الحمادي)، وكُتاب نورة القعيس (قعيسة)، وكُتاب نورة الرهيط (رهيطة).
وفي حائل : فقد كان للبنات فيها بعض الكتاتيب منها : كُتاب هيلة، وكُتاب بنت هيلة واسمها نورة، وكُتاب هيا الصالح، وكُتاب فاطمة الغازي، ا.هـ.
وفي ظل هذه الكتاتيب لم يحصل أي تصادم بين أفراد المجتمع، كما لم يحصل أي تحريض من المندسين بين الصفوف.

2. المدارس المنزلية أو شبه النظامية : تبدأ هذه المرحلة من تاريخ (1360هـ) الموافق (1941م)، واستمرت إلى تاريخ إنشاء المدارس النظامية لتعليم البنات في عام (1379هـ) الموافق (1959م) وتشير بعض الإحصائيات أن هناك ما يقارب خمسة عشر مدرسة شبة نظامية، ومن أشهرها مدرسة كريمات الملك سعود في الرياض (1370هـ)، أنشأها الملك سعود - رحمه الله - داخل القصر، ومدرسة دار الحنان في جدة (1375هـ) التي أنشأها الملك فيصل - رحمه الله - لرعاية اليتيمات وأسند مهامها إلى حرمه الأميرة عفت، ومبرة الكريمات التي بدأت لإيواء الفتيات اليتيمات في الرياض في عام (1376)، ثم صارت أول مدرسة للبنات في الرياض، ومبرة الملك عبدالعزيز في قصر الملك عبدالعزيز بحي المربع بالرياض في عام (1378هـ) وتولى الأمير طلال بن عبدالعزيز مسؤولية إنشائها [1].
وكان نظام التعليم القائم في تلك المدارس شبة النظامية مثل تعليم البنين، ولكن يضاف إليها بعض العلوم الأخرى مثل الخياطة والتفصيل والتطريز، وفي بعض تلك المدارس الخمس عشرة يتم تعليم الموسيقى والرياضة البدنية كالسباحة وغيرها، أما المعلمات فغالباً ما يكون من بعض الأقطار العربية المجاورة مثل مصر ولبنان وفلسطين [1].

■ موقف المطالبين :
وفي هذه المرحلة جرت مطالبات متكررة لبعض الأعيان بضرورة إنشاء المدارس نظامية للبنات، ومن أعظم تلك المطالبات ما ذكر الأمير مساعد بن عبدالرحمن أخو الملك عبدالعزيز - رحمهم الله - في كتابه بعنوان (نصيحتي إلى أخواني في الدين والنسب) وما جاء فيه من ضرورة إنشاء مدارس للبنات، وكذلك ما قام به الشاعر عبدالله بن خميس في قصيدته التي ألقاها بين يدي وزير المعارف آنذاك الأمير فهد بن عبدالعزيز - رحمه الله -، وما جاء فيها :
كيف يرضى عـــالم جاهلة =تقلب البيت جحيماً مُلهباً
يخرج الأطفال منها صورة =إن ينالوا العلم ضلوا الأدبا
أنا لا أدعــــو لأن نُخرجها =لتُحاذي بالرجال المنكبا
أو تنادي بعقــوق أو تُرى =هتكت بين الرجال الحجبا
إنما الإفراط في خطـــــل =وكذا التفريط في ما وجبا
سُنة الإسلام فيها وسـط =شاء من يبغي التعدي أم أبى

■ موقف المعارضين :
هناك ثلاثة أسباب رئيسة للمعارضين لتعليم البنات - في بداية الأمر - ويمكن إيجازها في ثلاث نقاط :
1. ما سمعوا عن أخبار المدارس المنزلية أو شبه النظامية من تعليم الموسيقى والرياضة البدنية كالسباحة وغيرها.
2. ما سمعوا من أحوال المرأة في الأقطار العربية المجاورة كمصر وسوريا، وما وصل إليه الأمر من كشف الحجاب بعد محاولات مضحكة ومبكية بدأت بمقاومة العدو ثم انتهت بكشف حجاب المرأة !
3. القيام بالتدريس والإشراف من قِبل المعلمات اللاتي جئن من الأقطار العربية المجاورة، وما يحملن من عادات وثقافات مخالفة للمجتمع السعودي.
يقول السدحان : (إن التعليم كان مرتكزاً أساساً ومبدأ مهماً في المطالبة بما يرمون إليه من مناداة لتغريب المرأة، وأخذها بمنهج المرأة الأوروبية في ذلك الزمن، فالمطالبة إذن بفتح التعليم للبنات بشكل موسع ليكون هو المدخل الأساس والمنطلق الأولي للمرأة نفسها كي تطالب بحقوقها المسلوبة عل حسب زعمهم، ولكي يتسنى لها الوصول إلى ما وصلت إليه المرأة الأوربية من مستوى في المجال العلمي، ومن ثم المساراة مع الرجل في جميع أشكال الحياة. إن التحفظ الذي كان سائداً في المجتمع السعودي إنما مرده إلى التخوف من تمردها على بعض أحكام الشرع والدعوة إلى مساوة بالرجل، ولم يكن التحفظ للتعليم بذاته، بل كان في نوعيته وطريقته، ومن يقوم به وإلى أي مدى سيصل بالفتاة في المجتمع السعودي ؟) ا.هـ.

3. المدارس النظامية : في هذه المرحلة تم إنشاء مدارس البنات النظامية في يوم الجمعة 21 ربيع الثاني من عام (1379هـ)، ونُشر الخبر التالي في جريدة أم القرى : (نطق ملكي كريم : الحمد لله وحده وبعد : فلقد صحت عزيمتنا على تنفيذ رغبة علماء الدين الحنيف في المملكة العربية السعودية في فتح مدارس لتعليم البنات العلوم الدينية، من قرآن وعقائد وفقه، وغير ذلك من العلوم التي تتمشى مع عقائدنا الدينية، كإدارة المنزل، وتربية الأولاد وتأديبهم، مما لا يخشى منه عاجلاً أو آجلاً أي تغيير على معتقداتنا، لتكون هذه المدارس في منأى عن كل شبهة من المؤثرات التي تؤثر على النشء في أخلاقهم، وصحة عقيدتهم وتقاليدهم، وقد أمرنا بتشكيل هيئة من كبار العلماء الذين يتحلون بالغيرة على الدين، لتشرف على نشء المسلمين في تنظيم هذه المدارس، ووضع برامجها، بمراقبة حسن سيرها فيما أنشئت له، وتكون هذه الهيئة مرتبطة بوالدهم حضرة صاحب السماحة المفتى الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، على أن تختار المدرسات من أهل المملكة العربية والسعودية أو غيرهم اللواتي يتحقق فيهن حسن العقيدة والإيمان، ويدخل إلى هذه المدارس ما قد سبق فتحه من مدارس البنات في عموم المملكة العربية السعودية، وتكون جميعاً مرتبطة في التوجيه والتنظيم بهذه اللجنة تحف إشراف سماحته، مع العلم أن هذا التشكيل يتقدم الوقت الكافي بتهيئة وسائل التأسيس، ونأمل أن يكون ذلك في وقت قريب، والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا بالله) ا. هـ.

■ الموقف العربي والأجنبي من تعليم البنات :
لم تكن الملابسات التي حدثت في قضية تعليم البنات محصورة على المملكة العربية السعودية فحسب، بل إن مثل ذلك حدث في بلدان عربية، وأخرى أجنبية، فقد كان هناك مؤيدون ومعارضون في تلك القضية، ومن بين تلك البلدان [4]:
1. العراق ـ يقول حافظ وهبه : (لقد قامت قيامة أهل الزبير وبعض البصريين حينما اعتزمت حكومة العراق فتح مدارس للبنات في البصرة، فعدوا ذلك من أعظم المنكرات).
2. مصر ـ يقول عبدالقادر القط : (لقد صاحب افتتاح مدرسة البنات في القاهرة ضجة كبيرة).
3. السودان ـ تقول نفيسة كامل : (كان المجتمع السوداني يستنكر تعليم البنات ضمن قيم الأسرة).
4. الكويت ـ يقول صالح جاسم شهاب : (وتم اعتبار فكرة تطوير تعاليم البنات فكرة جريئة لمخالفتها للتقاليد والعادات).
5. البحرين ـ تقول مريم السليطي عن قيام أحد خطباء المساجد : (لكي يخطبوا في الناس من المساجد، يوضحوا لهم مساوئ تعليم البنات).
6. ليبيا ـ يقول : أحمد القماطي : (لم يكن بإمكان المرأة أن تتعلم).
7. المغرب ـ تقول فاطمة أزرويل : (المعرفة بشتى فروعها امتيازاً مقصوراً على الذكور دون الإناث).
8. البرتغال ـ يقول بياتريس دوبون : (ولم تتضمن وثيقة التعليم في البرتغال حتى عام 1971م أية إشارة إلى تعليم المرأة، ولم يتم تقرير التعليم الإلزامي فيها إلا بعد سنوات).
9. بوركينافاسو ـ (تشير الدراسات إلى وجود عنف يمارس ضد الراغبات في الالتحاق بتعليم المرأة).
10. وفي دراسة إيزابيل ديبلي الدولية حول تعليم البنات : (وقد يبلغ الأمر حد الشعور بأن إرسال البنت إلى المدرسة ضرب من العار).

■ وأخيراً :
رحم الله الملك سعود، والملك فيصل، والشيخ محمد بن إبراهيم، وجميع المطالبين والمعارضين في جهودهم التي أثمرت تأسيس مدارس البنات عندنا بتلك الصورة المثالية؛ حيث الجمع بين الأصالة الإسلامية والمعاصرة الواقعية، وكلاً سيحاسبه الله يوم القيامة على ما قدم. ولكن الشيء الوحيد الذي لا يمكن السكوت عنه، ولا يمكن تمرره؛ هو الخطاب التعبوي التحريضي النمطي عبر السنين الذي يمارسه بعض كتاب الصحافة، والذي بدأت به المقال : (المطاوعة الذين عارضوا تعليم البنات هم أول من أدخل بناتهم إلى مدارس النبات) والله أعلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. فهد بن ناصر الجديد ـ باحث في المنهجية الدعوية للمملكة العربية السعودية.
المراجع :
[1] عبدالله بن ناصر السدحان، بداية تعليم البنات في عهد الملك / سعود ـ بحوث الندوة العلمية لتاريخ الملك / سعود بن عبدالعزيز آل سعود التي عقدتها دارة الملك / عبدالعزيز في الفترة 5-7 ذي القعدة 1427هـ، المجلد 1.
[2] أحمد بن حسن المنصور، بريدة داخل الأسوار وخارجها، ص 202.
[3] محمد بن عبدالله السلمان، التعليم في عهد الملك / عبدالعزيز، ص 50-52.
[4] عبدالله الوشمي، فتنة القول بتعليم البنات في المملكة العربية السعودية، ص 36-38 باختصار.

 0  1  3153
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:24 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.