التفكك الخلاق في الصورة الشعرية

جمال سعد محمد.
4254 مشاهدة
التفكك الخلاق في الصورة الشعرية «قراءة في الغزالة تشرب صورتها».
■ إذا جاز هذا التعميم - فإن التجربة الرئيسة في شعر علي الحازمي (1) في ديوانه الغزالة تشرب صورتها (2) هي محاولته الدائبة أن يتخطى الجزئي إلى الكلى والخاص إلى العام وأن ينفذ من الواقع الحسي إلى ما وراءه ويرى علي الحازمي الوحدة من خلال الأعراض ومن هنا كانت وسائله الفنية نتيجة معاناة وجودية سابقة ولم تكن في حد ذاتها هدفاً.
(تجلس الذكرى أمام النبع تروى للغزالة
قصة العطش المقيم على الضفاف
وكيف لاح الغيم في خجل على الماضي
ليزهر غصن قامتك النحيل) (3).

فالشاعر وصل إلى درجة التصفية التي تخلص عندها الرؤيا وتنتفى كثافة الحس وفى تلك الآونة تتحول الحبيبة المنشودة إلى رمز فيه شفافية التجريد ومثاليته أو قل تتحول إلى فكرة تقف على الحافة بين الحقيقة والوهم خارج نطاق الماضي والحاضر.

أما على المستوى الفني للجمال فأن النظرة المتأنية لا تخطيء اثر هذه النزعة الشكلية في مفهوم الجمال عند علي الحازمي حتى وضع الكلمات وعلامات الترقيم تخضع جميعاً في ديوان الحازمي لهندسة دقيقة تكاد توحى إلى حاسة البصر بقدر ما توحى الأصوات إلى حاسة السمع.
ولئن كان الشعر جهداً ومعاودة فليس ثمة مجال - في ظننا - لذلك الشيء المبهم الذي يسمونه الإلهام إذ لا وجود لأية شرارة جمال إلا وراءها عمر من التحضير ومن هنا نجد أن الشاعر علي الحازمي حريصاً على تنقية أسلوبه ومراوغة الحرف واللفظة وتصفية الجملة نسرة نسرة حتى يعثر على الصوت الدال واللفظة المشعة والجملة المصقولة :
(كبرنا على الحب يا عائشة
وكدنا نضيع قبلتنا
في الدروب المريضة بالوقت
والتعب القروي
لم نكن واضحين كما ينبغي
للفراش بان يتهافت في ظلنا
كان صوتك اقرب
للعشب من نفسه
حين ينداح بين صفوف النخيل
وينأ بعلى ضحكة فاتنة) (4).

وقليلاً ما نعثر عند علي الحازمي على الروابط المنطقية بين جزئيات التشكيل اللغوي كأدوات التشبيه والتعليل والتعقيب والشرط حتى خرج شعره وفق ما كان يبتغى تمثالا من المرمر فيه جهد النحت والإزميل وفيه حيوية وحياة بشكل خاص ومميز ولعل ابرز ما يتميز به الأداء الشعرى عند علي الحازمي اعتماده بصفة أساسية على الصورة التجريدية وهى صورة يتبادل فيها الحس الفكري والمادي والمعنوي وتنهار فيها الحواجز بين الواقع وما وراء الواقع فلا يعود ثمة وجود الا لبصيرة الشاعر التي تستوعب الأشياء والمعاني لتشكلها ذاتياً مثالياً.

■ ومن اهم الوسائل التي يعتمد عليها الشاعر في تجريد صوره :
• أولاً : إيحاءات الألوان، وعلي الحازمي في هذا يستفيد من نظرية العلاقات الرمزية فالألوان عنده ليست مدركات بصرية متميزة بل هي شتيت من الإيحاءات والمعاني ومن ثم كان يصعب عليه أحياناً أن يحدد نوعية اللون الذي يتحدث عنه إذ كيف يمكن تحديد المجردات :
(فكي بصبحك
من وثاق قصائدي السوداء طيرا
كم يسافر نحوك) (5).
(لان الحياة مجاهل مأهولة بالضنى
تغزلين بصوف الحنين المجعد في الشرفات
شرائط خضراء, حمراء, صفراء قابلة
للتأرجح في سقف روحك) (6).
ونضيف إن هذه الإيحاءات اللونية إنما هي - فيما نحسب - محض انطباعات ذاتية غير ملزمة وربما يرى شاعر آخر غير ما رأه علي الحازمي ولعل ثالثاً يرى غير ما رأياه وهكذا.
ولهذه النظرة ما يدعمها من الناحية النفسية فقد عرض سيريل بيرت في كتابه كيف يعمل العقل لصنف من الناس يمكن أن نسميه بالصنف الربطي وهو الذي ينظر إلى الأشياء لا من حيث هي ولكن من حيث ما تثيره في نفسه من ذكريات.
وكما علق بوذانكويت على هذا الصنف بقوله "رغم انه قد يبدو من الصحيح أن نربط شعورنا باللون الأحمر بصور الدم والنار أو شعورنا باللون الأزرق بصورة السماء قان لدى شكوكا قوية فيما إذا كان ينبغي أن يدرس ارتباطهما حقا بوصفه ارتباطا أساسيا" (7) وهذا حق لان مثل تلك الارتباطات اللونية فردية محضة ترتبط بذكريات وأحداث ومواقف خاصة ولا تمثل قاعدة موضوعية صالحة للتطبيق في كل الحالات.

• ثانياً : التشكيل الذاتي للصورة الشعرية.
أما ثانية الوسيلتين اللتين يعتمد عليهما الشاعر في تجريد صوره فهي ذاتية العلاقات التي يقيمها بين عناصر هذه الصور فالصورة الشعرية لدى الحازمي ليست احتذاء للواقع وعلاقاته الطبيعية ولكنها بالأحرى تشكيل جديد لهذا الواقع وصياغة ذاتية لعناصره الحسية والمعنوية بحيث تغدو مفردات الطبيعة رمزية نفسية لا وجود لها إلا في المخيلة وبحيث تلتئم جميعا لتخلق الإحساس الذي يعيشه الشاعر :
(معا باليدين
سنقطع درب السؤال الأخير
إلى حلمنا
سنمضى إلى قبلة الأغنيات الشريدة
سنمضى
وان يسقط العمر من روحنا قطعة
لن نعود إليها
سنتركها فوق كف من الرمل
كيما تؤلب فجر الهديل البعيد
ستزهر
باسمي واسمك من برعم
غائر في النشيد
سنولد ثانية لا تخافي
سنولد
لو بعد ألف سنة) (8).

على أن الشاعر لا يكتفى في تشكيل صوره بتراسل معطيات الحواس لان هذه الوسيلة - مهما كانت قيمتها التجريدية - لا تزال في نطاق المحسوسات ومن ثم نراه كثيرا ما يلجأ إلى تبادل مجالات الإدراك ذاتها ما بين معنويات ووجدانيات ومحسوسات. والرمز عند علي الحازمي يتجلى في وضعين رئيسين.
فهو تارة صورة شعرية مركبة وتارة أخرى إطار كلى للقصيدة تتآزر في بنائه وسائل الأداء المختلفة من ألفاظ وصور وإيقاعات ومن ثم يمكن أن نطلق علي الرمز في الحالة الأولى الرمز الجزئي، وفى الثانية الرمز الكلى.
وهنا نلمح اثر الفلسفة في تفكير الحازمي وامتزاجها بالمثالية الرمزية وهما تفسير ما يبدو في نتاجه من نزعة إلى تظليل المادة بالفكر ورد الواقع المتكثر إلى الجوهر الواحد على نحو ما رد أفلاطون صور الوجود الحسي إلى عالم المثل الكامل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
(1) علي الحازمي - شاعر من السعودية. صدر له :
• بوابة الجسد - دار المدينة - جدة 1993.
• خسران - شعر - دار شرقيات - القاهرة - 2000.
• الغزالة تشرب صورتها - الدار البيضاء - المغرب - 2004.
(2) الغزالة تشرب صورتها - الدار البيضاء - المغرب - 2004.
(3) السابق ص 21 قصيدة يحيك خيبته مناديلا.
(4) السابق ص 31 - 32 قصيدة عائشة.
(5) السابق ص 79 للوصول إلينا.
(6)السابق ص 49 وانت القريبة من ربك.
(7) انظر : د. عز الدين إسماعيل - الأسس الجمالية في النقد العربي - ط 1 - دار الفكر العربي - 1955 - القاهرة ص 107.
(8) الغزالة تشرب صورتها ص 37 - 38 قصيدة عائشة.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :