البناء التربوي للطفل : وسائل التربية الإسلامية

د. أحمد محمد أبو عوض

1014 قراءة 1443/02/06 (06:01 صباحاً)

د. أحمد محمد أبو عوض.
۞ عدد المشاركات : «638».
البناء التربوي للطفل : وسائل التربية الإسلامية.
◗وسائل التربية الإسلامية.
تقوم التربية الإسلامية للنشء على دعامتين في وقت واحد :
الإكرام مع التأديب. وذلك لقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "اكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم".
والقصد بالتأديب هو التوجيه والتنبيه على الأخطاء، والتعليم مع احترام شخصية الطفل ومنحه الحب والحنان والعطف، وبهذا الأسلوب السليم في التربية، لا ينشأ الطفل محروماً أو مهاناً فيحقد، ولا يصبح مدللاً منعماً فيفسد.

■ إكرام الطفل :
1- أوّل مبادئ الإكرام عدم سب الطفل لأي سبب. فلا يقال له يا شقي أو يا غبي أو يا كسول. أو يقال الله يلعنك، هذه الأمور لا تجوز في الإسلام. وفي هذا يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): "سباب المسلم فسوق"، وإذا كان الإسلام قد نهى عن سب البهائم ولعنها. فما بالك بسب الإنسان. سمع رسول الله رجلاً يسب ناقته فعاقبه رسول الله وقال له: "يا عبدالله لا تصاحبنا اليوم على ناقة ملعونة، فحط عنها رحالها وأطلقها".

2- ويكره في الإسلام ضرب الطفل المسلم إلا لذنب كبير، وينهى نهياً قاطعاً عن ضربه على الوجه. لأنّ الوجه هو خلقة الله التي كرمها. فالشرع لا يقر معاقبة الطفل. بشدة ولا يسوغ ضرب الوجه.
ويكره ضرب البهائم على وجوهها لأنّها تسبح الله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء/ 44). وإذا كان ضرب البهائم على وجوهها غير جائز. فكيف بضرب الأطفال الصغار؟

3- الإسلام يدعو الأبوين أن يكونا قدوة لأبنائهما. فإذا كانا متحابين ودودين عطوفين. انتقلت هذه الصفات إلى أبنائهما. وإذا كان الأب باراً بوالديه. فإنّ أبناءه يبرونه أيضاً والعكس بالعكس. يحذر الإسلام الأبوين من الكذب على طفلهما ألاي سبب سواء كان هذا للتخلص من بكائه أو طلباته أو لأي سبب آخر.
رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين) امرأة تنادي طفلها وتقول له: تعال أعطيك. قال لها: ماذا أردت أن تعطيه؟ قالت أعطيه تمرة. فقال لها الرسول: إما انّك لو لم تفعل شيئاً كتبت عليك كذبة.

4- ينصح الرسول (صلى الله عليه وسلم) الأُمّهات بتولي تربية أبنائهنّ بأنفسهنّ وعدم الاعتماد على الخدم والخادمات في تربية الطفل. وفي ذلك يقول أحد الفقهاء: (أدب ولدك يكن لك بدل الخادم خادمان). التربية الصحيحة تجعل الطفل مطيعاً لأبيه محباً لأسرته واثقاً بنفسه تربية الخدم تجعل من الأطفال أطفالاً غير مهذبين. لاختلاف العادات والتقاليد والقيم الخلقية بين الأهل وبين الخدم.

5- ومن روائع الإسلام في مجال التربية انّه يحترم مشاعر الطفل ويأمر الرسول المسلمين بالتلطف واللعب مع الأطفال. لأنّ هذا الأمر يخلق روح المودة والترابط في الأسرة، يقول (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين): "من كان له صبي فيتصاب له" وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين) مثالاً للمودة والعطف والحنان مع أولاده وذريته، ومع أطفال المسلمين. فكان الصحابة إذا زاروه في بيته خرج إليهم وهو يحمل حفيده الحسن على كتفه، وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين) يداعب ولديه الحسن والحسين. ويلاعبهما، وكان إذا سجد يركبان فوق ظهره. ويقلبهما كثيراً ويحنو عليهما.

6- كان الرسول (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين) يعلّم الإنسان كيف يعامل طفله؟ كيف يكون ودوداً مع أطفاله ليزرع الثقة في نفوسهم ويزرع الحب والحنان والعطف في قلوب الأطفال، ليسهل على الأبناء تقبل توجيهات آبائهم وتعليماتهم لما يلقون من بذور المحبة ومن المعاملة الحسنة. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين): "رحم الله والدين أعانا أبنهما على برهما".
جاءه رجل فقال يا رسول الله إني أجد قساوة في قلبي وجموداً في عيني. فماذا عساني أفعل؟
قال له رسول الرحمة: أبحث عن طفل يتيم وأمسح على رأسه وأعطف عليه وأدخل السرور في قلبه ترى من أنك شفيت من قساوة القلب وجمود العين.
الرسول يدعو إلى الرحمة بالأطفال والإحسان إليهم، وترك القسوة والشدة والعقاب في التربية والتعليم كما ينهى عن ترك الحبل على الغارب وإهمال الطفل وعدم العناية بتربيته.

ومن آداب الإسلام مساعدة الأطفال. فإذا رأى المسلم صبياً يسير على قدميه في الشمس أو الحر أو رآه ينتظر من يوصله أن يتوقف له بسيارته وأن يوصله إلى بيته كما يوصل ابنه تماماً، علماً بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين): "من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له".
أي من كان له مكان زائد على ناقته فيقدمه إلى من لا ناقة له. وقد كان رسول الله إذا رأى صبياً في الطريق وهو على ناقته يتوقف له وينيخ راحلته، وينادي على الصبي ويمسح رأسه في عطف وحنان ومحبة. ثمّ يحمله خلفه على ناقته حتى يوصله إلى بيته.

ويوصي الإسلام بعدم التفرقة بين الأبناء في المعاملة وخاصة في الأمور المالية والميراث، وقد جاء إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين) رجل فقال للرسول: "أشهدك يا رسول الله أني قد أوصيت لولدي هذا من بعدي بكذا وكذا... فقال له الرسول: وهل فعلت ذلك لكل أولادك؟ أم هذا وحده؟.
فقال الرجل: هذا وحده.
فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين : اذهب فلا وصاية لك عندي ولا تشهدين على جور. هذا في الأمور المادية والوراثية.

أما في الأمور العاطفية، فإنّ الإسلام يأمر بالعدل والمساواة في إظهار الحب والمودة فلا يفضل أحد للأطفال على غيره بالحنان والعطف. فلذلك يثير الحسد ويخلق العداوة ويثير الحقد بين الأخوة والأخوات.
والإسلام يأمر بعدم التمييز بين الولد والبنت في المعاملة إلا في حدود ما أمر الله من ناحية الميراث حيث يكون للذكر مثل حظ الانثيين.
وحكمة ذلك أنّ الذكر يكون مسؤولاً عن الإنفاق في أسرته وزوجته.. إما للأنثى فليست ملزمة بالإنفاق على زوجها وأسرتها من مالها ولكن على زوجها أن ينفق عليها.

وليس للأبوين أن يفرقا في المعاملة وفي العطف والمودة بين الولد والبنت. بل لقد كان رسول الله أكثر عطفاً على البنات وأكثر وصاية بهنّ حتى يزيل من نفوس العرب عادة الجاهلية البغيضة. وفي هذا الصدد يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين): "من كان له أنثى فلم يهنها ولم يؤثر ولده عليها وأحسن تعليمها كانت له سترا من النار". وكثيراً ما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين) يحمل إمامة بنت أبي العاص وهي ابنة ابنته زينب ويدللها ويضعها تحت عباءته ليدفئها في البرد ويحن عليها ويداعبها في طفولتها.

وللإسلام نظرة عميقة في أمره المسلم بالتعاطف مع الطفل والحنان عليه واحترامه. فهو لا يهدف إلى مصلحة الطفل وحده. ولكن إلى غرس روح المحبة والتعاون في نفوس الكبار.. وإلى تهذيب مشاعرهم. ولا يكتفي الإسلام بأمر الناس بحسن رعاية أولادهم بل إنّ المسلمين جميعاً ملتزمون بالتضامن مع الدولة في رعاية الأطفال الأيتام أو الذين لا عائل لهم، فنشأة الطفل اليتيم في أسرة مسلمة صالحة خير له من نشأته في ملجأ حكومي. ولذلك فقد جعل الإسلام تربية اليتامى أحد واجبات الأسرة المسلمة حسب استطاعتها.
وفي ذلك يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين): "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه".
وقال رسول الرحمة (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين): "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" وأشار بإصبعيه معاً.
وقد نشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين يتيماً فرعاه جده عبدالمطلب. ثمّ رعاه ودافع عن رسالته عمه أبو طالب. فلما شب الرسول واستطاع أن يكسب عيشه بدأ هو أيضاً برعاية اليتامى والفقراء في بيته.

وأوّل طفل تولى الرسول رعايته رغم أنّ والديه كانا أحياء هو ابن عمه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. فعاش مع رسول الله منذ صغره غذاه رسول الله بالعلم وكساه حلل الإيمان زينه بالأدب. كما كان رسول الله يرعى في بيته زيد بن حارثة. وكان زيد طفلاً اختطفه الأعراب من قبيلته فلم يعرف له أهلاً فاشترته خديجة وأهدته إلى الرسول فتبناه الرسول وأعتقه. ولما جاء أهله وعشيرته إلى الرسول ليأخذوه منه. خيره رسول الله بين الإقامة عنده وبين الذهاب مع أهله، فاختار الإقامة عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين) لما لقيه من الحب والحنان والعطف مما لا يجده الطفل عند والديه وأقرب الناس إليه.

يقول الإمام الغزالي: "الصُبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة وهو قابل لكل نقش وقول الغزالي هذا يتفق مع أحدث النظريات في علم التربية. ذلك أنّ الطفل البشري يولد وهو في حالة من العجز الشديد بحيث إذا ترك وشأنه هلك. ومن أجل ذلك كانت رحمة الله بالأطفال ماثلة في عاطفه الأمومة وعاطفة الأبوة. حيث يتولى الأبوان رعاية أطفالهما إلى حد تفضيلهما على نفسيهما.

ودور الأب يتفوق على دور الأُم في تربية الأبناء بعد السنوات الثلاث الأولى من عمر كل منهم، وفي هذا يقول النبي (صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين): "ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن".

إنّ الأبناء بنين وبنات هم ثمرات القلوب وأفلاذ الأكباد، وهم أمانة جليلة في أعناق الآباء. وأداء الأمانة يتمثل في حسن الرعاية ودقة التربية واستقامة التنشئة الاجتماعية.
ومن الواجب على الوالد أن يحرص أوّلاً قبل كل شيء على غرس بذور الأخلاق الفاضلة في نفس الولد أو البنت، وتعويدهما العادات الكريمة والخصال الحميدة والآداب الرفيعة وتجنيبهما الترف الزائد والبذخ، وإبعادهما عن قرناء السوء. وفي هذا يقول الغزالي عن تربية الوالد لولده وصيانته، بانّ يؤدبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من قرناء السوء ولا يعوده التنعم والترف، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيخسر عمره، بل ينبغي أن يراقبه من أول عمره.

والتربية الصحيحة تبدأ من أوّل فترة الرضاع حيث يطالب الإسلام الأبوين باختيار المرضعة الصالحة والمربية الفاضلة ويشترط في المرضعة أن تكون متدينة ذات خلق وعفة وتأكل من حلال حتى تؤثر في الوليد تأثيراً صالحاً.
كان المسلمون الأوائل يهتمون كثيرًا بمسألة التربية وعرفت الأمثال التي تشير إلى هذا المعنى مثل قولهم: "من أدب ولده صغيراً سر به كبيراً" وقولهم أيضا : العِلمُ في الصغر كالنقش على الحجر. وكذلك قولهم: "اطبع الطين ما كان رطباً واعصر العود ما كان لدنا".

ويقول علماء التربية المعاصرين : بادروا بتعليم الأطفال قبل تراكم الأشغال. وانّه وإن كان الكبير أوقد عقلاً، فإنّه اشغل قلباً ويقول الشاعر :
إذا المرء أعتيه المروءة ناشيئا ● ● ● فمطلبها كهلاً عليه شديد

وينبغي تعليم الطفل المهمة التي يحبها ويعشقها ويبذل جهده في تعلمها والاستفادة منها كما يرى العلامة ابن سينا إذ يقول: "إنّه ليست كل صناعة (مهمة) يرومها الصبي ممكنة له مواتية، ولكن ينبغي له أن يزاول ما شاكل طبعه وناسبه. ولقد روي أن يونس بن حبيب كان يتردد على الخليل بن أحمد الفراهيدي ليتعلم منه العروض والشعر. فصعب ذلك عليه، فقال له الخليل يوماً: من أي بحر قول الشاعر :
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ● ● ● وجاوزه إلى ما تستطيع
ففطن يونس بن حبيب لقصد الخليل بن أحمد وتوجه إلى أغراض أخرى في العلم غير العروض ونظم القوافي.
image التربية الأسرية الإسلامية : مَكَانَةٌ البناء التربوي للطفل.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :