• ×

11:01 صباحًا , الإثنين 22 صفر 1441 / 21 أكتوبر 2019



قصة : أيوب الطفل البشوش
على مشارف بوابة محطة سيارات الأجرة الكبيرة، بالجهة المعاكسة لأشعة شمس ذاك الصباح الربيعي، حيث كنت مقبلا على الذهاب لزيارة أحد الأقارب، التقيته وقد افترش ورقا كارتونيا، اقتربت منه، أشاح بيديه عن وجه الشاحب، تملل ذات اليسار وذات اليمين، اعتلته ابتسامة محمومة وقال "آه أستاذ، توحشتك، هانا رجعت، .." كلمات تراقصت في مسامعي دون روح، سالته "متى عدت؟ ولماذا؟ هل أنت بخير؟" لم يجب، ظل مسمرا عينه صوبي، طأطأ رأـسه متنهدا: "إش من خير باقي في هذه البلاد، كلشي بحال بحال، كيت اللي جات فيه..".
إنه أيوب الطفل البشوش، الذي كان كل سكان الزقاق يحبونه، رغم معرفتهم أنه كان نتيجة حمل غير شرعي، من أم وهبت مفاتنها للدعارة، والليالي الماجنة في الحانات وبيوت القوادة المقننة وغير المقننة، من أجل حياة كريمة لابنها أيوب، منحته الدفء والحنان ولو لسويعات حتى لا يشعر بانعدام الأبوة، لم تبخل عنه بأي شيء.
بلغ أيوب سن التمدرس، فكان له مقعد بإحدى المدارس التي تبعد عن الزقاق بالشيء القليل، أحس بطفولته رفقة أقرانه، يلعب، يجري، يتعارك، يتصالح، يسرد لأمه أوقات تواجدها معه بعض ما حكى لهم المعلم، في الدين و الأخلاق، ..
أيام يتذكرها أيوب بسعادة، كما يتذكر أسوأها بكل مرارة وحرقة، لما شكلته له من عقد نفسية، كانت من أسباب ما هو عليه اليوم، "تربص به لما يزيد عن السنة، كان خلالها يقدم له حلويات وألعاب، وأحيانا قصصا ومجلات، إلى أن أتيحت له الفرصة المواتية في ذلك اليوم، حين لعبت الأقدار لعبتها، يوم لم يحضر فيه أستاذه، التقاه وهو يغادر باب المدرسة، فريسة سهلة المنال، أسالت لعابه، وجعلته يزيد من حصة الأقراص التي يتناولها محولة إياه لذئب بشري، اقترب من أيوب وهمس في مسامعه أنه محظوظ بلقائه كون أمه تنتظره في منزلهم وأنه على عجل من أمره كي يوصله إليها، مانحا إياه خمسة دراهم، أيوب لم يتردد واستسلم لابن حيهم، "سيمو" كيف وهو يمتلك الآن خمسة دراهم، قلما تمنحها له والدته، غرق تفكيره وهو يسارع خطى "سيمو" فيما قد يشتريه بالخمسة دراهم، ما هي إلا دقائق حتى وجد نفسه داخل غرفة تم إيصاد بابها، غرفة ذات رائحة نتنة من كثرة الزبالة والفوضى التي تعتريها، لم تعد عينا أيوب تدرك بداخلها سوى خطوط نورانية دقيقة عابرة لشقوق النافذة الموصودة، أحس بذعر شديد وهو يرى الوحش الآدمي يزيل سرواله، ويطالبه بالقيام بنفس العملية، وعيناه جحيم سعرت، رمى الخمسة دراهم، طلب الإغاثة، ولا من مجيب، كمم أنفه بثوب مبتل، غاب أيوب عن الوعي وفقد الإحساس، استرخى فاسحا المجال أن يعبث "سيمو" في جسده الطاهر والبريء كما يحلو له بلا رحمة ولا شفقة، عبث بذاته كيفما شاء مخلفا في مؤخرته خدوشا وآلاما لم يقو بعدها أيوب على السير، آلاما لن تندمل من ذاكرته مهما حاول، فتح الباب وأطلق سبيله مهددا إياه في حالة البوح بما وقع بإعادة الكرة له وقتله.
انقلبت حياة أيوب رأسا عن عقب، أصبح يخشى السير بين العامة، وبين الدروب الضيقة، حتى المؤدية منها إلى المدرسة، أصيب بحالة التوجس من كل شخص يقترب منه، لحد أنه بين الفينة والأخرى يشرع في تحسس جميع أعضائه السفلية، وبالبيت غابت ابتسامته وشقاوة طفولته التي كانت أمه تشتكي منها لصديقاتها في المهنة.
تضاعفت الحالة النفسية لأيوب لدى معرفته بالمهنة التي تحترفها أمه، وأنه كان نتيجة علاقة غير شرعية، تدهورت صحته، تحول من ذلك الطفل الوديع لطفل عاق، عنيف، غير مبال بواجباته، حاولت الأم معرفة الأسباب، وأمام عجزها استسلمت بعد أن غادرت المدينة لوجهة جديدة، لعلها تقلل القيل والقال فيها، انغمست في لياليها الحمراء، متنقلة من سرير لسرير ومن حضن لحضن، تاركة أمر ابنها لإحدى الجارات، مقابل أجرة للعناية به، قلما تراه أو تتحدث إليه أو تضفي عليه مما تبقى لديها من حنان بعد الذي وزعته على فرسان لياليها، وبدون سابق إشعار وأمام الفراغ الذي أحس به مع هذه الجارة التي لا يهمها إلا ما تتقاضاه من أمه، طلق المدرسة وكل ما يصله بها، متخذا من المحطة الطرقية ملجأ له، وأحيانا تجده تحت ظل تلك الشجرة الوارفة بالقرب من المحجز البلدي مناجيا إياها.
لم تمض سنة على هذا النحو حتى اختفى أيوب عن الأنظار، طالقا العنان لإحدى المدن المجاورة رفقة مجموعة تعرف عليها، أغلبها هرب من عنف الأهل أو المدرسة أو الإهمال، شدوا الرحال مشيا على الأقدام حتى بلغوا المدينة الغول، مدينة تكبرهم بكل ما تحتويه، مدينة احتشدت فيها كل الأصناف البشرية، أصناف قادمة من كل صوب وحدب، لكل حياته، مدينة المشردين والمتسكعين بامتياز. اتخذ أيوب ابن العاشرة مكانا بأحد مخابئ الميناء مع مجموعة يحكمها قانون الغاب، والمكر والدهاء، تذكر أيوب "سيمو" وهو يتعرض للمرة الثانية للاغتصاب وهي المرة من قبل زعيم المشردين بالميناء "باكو"، على مرأى ومسمع المجموعة، تألم أيوب، لم يستسغ حياته الجديدة وسط هذا العالم الذي فقدت الإنسانية آدميتها وتحولت لحيوانات، قرر الانزواء والبحث عن الانفرادية في العيش والحياة، انتقل لمحطة العربات المجرورة، يبيت تحت سقف متهاو على أربع عجلات بعد قضاء يومه متسكعا بين الدروب والأزقة، منقبا في حاويات القمامة تارة، مستجديا ببعض المارة أخرى. مرت خمس سنوات على هذا الحال، بعيدا عن عالمه الأول، همه سد رمقه، وإمتاع دماغه.
أيوب الذي كان ذات يوم تلميذا، له حلم كباقي أقرانه، ليس هو أيوب اليوم، تجاهل ماضيه كما تجاهل أمه والجارة، فما دام لقيطا، كما أسر لي في آخر لقاء لي به وأنا أغادر هذه المدينة الحبلى بمئات الأيوبات الذين اختلفوا في الأسماء والتقوا في الحالة، أنه نتيجة عقوبة الشارع من أم عاقبتها الحياة، فهو الأجدى باحتضانه.
image ثقافة العنف لدى الأطفال بين الموروث الأسري والتربية الحديثة.
 0  0  611

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.