• ×

12:24 مساءً , الثلاثاء 16 رمضان 1440 / 21 مايو 2019



ما الفرق بين : (البحث العلمي ـ الرؤية العلمية) ؟
إن مصطلح البحث العلمي يعني : «الدراسة العلمية المنظمة للمواد والمصادر من أجل الوصول إلى حقائق واستنتاجات جديدة». والبحث العلمي له إستراتيجيات وأهداف وعوائد اقتصادية كما أن للبحث العلمي علاقة مباشرة بالسياسات الاجتماعية. وإن واقع البحث العلمي في الوطن العربي يعاني من أزمة، وهو (أي : البحث العلمي) بحاجة إلى سبيل لتطويره وتطويعه لخدمة التنمية والتعليم العالي وصناعة القرار.

ولا يخفى أن صناعة القرار بحاجة ماسة إلى الرؤية العلمية. تلك الرؤية أو النظرة، التي نحن بأمس الحاجة إليها. فما هي الرؤية العلمية ؟
إن مفهوم الرؤية العلمية للوهلة الأولى يختلف عن مفهوم المعرفة والعلم أو الطريقة العلمية. وعلى كل فإن المعرفة العلمية والرؤية العلمية مرتبطتان أو متلازمتان إلى حد ما. فمن كانت له رؤية علمية لابد أن يعرف شيئا من العلوم، ولكنه ليس مخزنا للمعلومات فقط لا غير.

ومن طرف آخر، من قضى عمره في طلب العلوم والمعارف الحديثة فإن رؤيته ونظرته إلى العالم والحياة تختلف عن فاقد المعرفة العلمية، ومن كانت لديه نظرة علمية لابد أن يحل المشكلات التي تطرأ عليه بالطريقة العلمية (أسئلة ــ جمع المعلومات ــ المشاهدة الدقيقة ــ التجربة ــ المنطقية في الاستنتاج). ولكن النظرة العلمية تختلف عن الطريقة العلمية.

النظرة العلمية ذات ارتباط وثيق بالتفكير، وعمل وخلق الإنسان. وتبقى الرؤية العلمية ذات خصوصيات تجعلها من الخصال الفاضلة والضرورية لتطوير العلم.

■ فما هي تلك الخصوصيات (للرؤية العلمية) ؟
يتميز الفرد ذو الرؤية العلمية بالآتي : سعة الأفق والنظر وإرادة التغيير بعد قرائن الإقناع المباشر واحترام آراء الآخرين ونظرياتهم. قبل الاستنتاج القاطع ينظر إلى الأمور من جوانبها المختلفة، ولا يحكم على الأشياء على أساس المشاهدة التي تميل إليها خواطره وأهواؤه. في حصوله على المعرفة يلجأ إلى منابعها المعتبرة ويلجأ إلى مصادر مختلفة للمعرفة حتى يطمئن إليها. ليس بإنسان ذي أفكار خرافية بل هو واقعي يرجع الأشياء إلى عللها الحقيقية، هو فرد لحوح كثير السؤال شغوف بالمعرفة وحب الاستطلاع، وبعبارة صريحة فإن الإنسان ذا الأفق الضيق والآراء الشخصية الساذجة الذي لا يحترم آراء الطرف الآخر، الشخص الذي يحكم على الأشياء على أساس أصوله الخاصة، الشخص الذي لا يحقق في المصادر التي يستقي منها المعرفة، الشخص الذي يلجأ إلى الخرافة في تفسير الأشياء وليست له حاسة السؤال واكتساب العلوم الجديدة فيما يتعلق بالكون والحياة، يعتبر فاقدا للرؤية العلمية.

يعتقد مستشارا تطوير البرامج التعليمية في أميركا في السبعينات وهما Klein Block وJoliose Shewan بكون الرؤية العلمية إحدى أوليات تدريس العلوم في المدارس. ويجب أن تعرف أن ترويج خصوصيات الرؤية العلمية في المتعلمين لا يعد دخيلا عليهم إن لم يكن جزءا من خصائص الأطفال. الأطفال الذين ما زالوا على فطرتهم ولم ينخرطوا في مجتمع الكبار لديهم خصوصيات الرؤية العلمية في حياتهم اليومية. الأطفال لديهم حب شديد للاستطلاع وشوق السؤال واكتشاف محيطهم وبيئتهم. إذا عرضت لهم مشكلة يشبعونها بأسئلتهم وإذا فهموا أن أحدا كذب عليهم يفقدون الثقة فيه حتى يتبين لهم غير ذلك.

والرؤية العلمية ليست بالشيء الذي نسعى إلى إقحامه في شخصية أي إنسان ولكنه متجذر في فطرته الإنسانية. ومما لا شك فيه فإنه لا يمكن لأحد أن يدعي أن كل خصوصيات الرؤية العلمية توجد في حياة العلماء. العلماء أيضا من جنس البشر خطاؤون ومحكومون بحياة الاجتماع. الرؤية العلمية ميراث للحياة العلمية وكنز لعالم العلم. إن التوفيق في حياة العلماء ومسيرها توضح بلا أدنى شك تعطشهم للمعرفة والتحقيق المنطقي في مسائل العلم ومدى تسامحهم وسعة صدورهم.

ويعد أبوريحان البيروني أحد من آمنوا بالبحث العلمي ومن ذوي الرؤية العلمية، مؤلف كتب (تحديد نهايات الأماكن) و (الآثار الباقية) وكتاب (تحقيق للهند) الذي يصور أن عالما مسلما يكتب كتابا عن الهند وهو مرجع معتبر إلى يومنا هذا لعلماء الهند. لماذا؟ لأنه كتب تحقيقاته بأمانة ومن دون إهانة في ذلك الزمان؟ الرؤية العلمية ليست فقط خاصية للباحث بل هي معيار للرقي الاجتماعي أيضا في حدود القرن الرابع والخامس الهجري مع سماح القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لعلماء الإسلام بحرية الفكر والبحث وتكوين الرؤية العلمية حتى وصلت المجتمعات الإسلامية إلى أعلى مراتب الرقي الاجتماعي والفكري، وكانت أوروبا تعج في العصور المظلمة بسبب انطفاء جذوة العلم والتحقيق والرؤية العلمية.

كانت الكنيسة تحرق جور دانو وبرونو أحياء وتحاكم جاليلو بسبب اعتقادهم أن الأرض تدور حول الشمس. وتلك العلاقة الوطيدة بين وجود الرؤية العلمية وعدمها وذهاب وإتيان العصور المظلمة أمر محسوس في المجتمعات. وليست الثورة الأوروبية الصناعية في القرن الخامس الميلادي والسادس عشر الميلادي والذي يعتبر بداية تطور العالم الغربي لم يكن إلا بسبب ترويج الرؤية العلمية والرغبة في تعلم آثار اليونان والمسلمين من ابتكارات وفنون وعلوم وتحرر من سلطة الكنيسة الكاثوليكية.
وفي العصر الحاضر فإن قطبي الاقتصاد والصناعة العالمية أميركا واليابان قد اكتسبا رقيهما من هذا المنطلق، نشر المعرفة وتوسعة الرؤية العلمية في المجتمع. ولقد أشار توماس جفرسون وهو من مؤسسي الحزب الجمهوري الأميركي قبل 200 سنة إلى أن الهدف الأصلي لجميع العلوم الحرية وسعادة البشر، وأشار يوكيجي فوكوزاوا وهو واحد من المفكرين اليابانيين ذوي النفوذ في رسالة تحت عنوان «التشويق لاكتساب المعرفة» إلى أن الذين يسعون إلى طلب العلم ولهم الأهلية يستحيلون إلى المراتب العالية والثراء، وأما الذين يفقدون العلم سيصيرون إلى الدونية والفقر.

■ وينتهي بنا المطاف إلى السؤال المعروف : أيهما أفضل طلب العلم أم طلب المال؟
يمكن أن توجد طائفة من الناس يعتقدون أن المال والثراء كل شيء ولكن للدولة وللمجتمع وللوطن فإن العلم هو الأفضل. كم من أمة لديها ثروات عظمية ولكن من أجل الوصول إلى تلك الثروات والموارد فإنهم بأمس الحاجة إلى علم وتقنية وتكنولوجيا الآخرين. وكم من أمة ليست لديها أية ثروة طبيعية يعتمد عليها ولكنها تتسلح بالعلم والتكنولوجيا الحديثة من أجل حياة منعمة ومرفهة.

وعليه فإن اصطلاح الرؤية العلمية بحاجة إلى كثير من التأمل لغناه؛ فالرؤية العلمية تعني الصفات المطلوبة في المفكرين، والهدف من تعليم وتربية الأطفال، ووسيلة السعادة للإنسان، ورمز رقي المجتمعات على طول التاريخ. وهو ما نحتاج إليه فعلا كعلة وجودية فاعلة في البحث العلمي وصناعة القرار.
■ محمد جهرمي ــ صحيفة الوسط.
image في المواد العلمية : الاستفسارات العلمية.
 0  0  368

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:24 مساءً الثلاثاء 16 رمضان 1440 / 21 مايو 2019.
الروابط السريعة.