• ×

01:07 صباحًا , الثلاثاء 13 ذو القعدة 1440 / 16 يوليو 2019


عودة ميكافيلي للقاص ‘‘الصادق أورهان‘‘ والوعي الإشكالي.
■ بقلم : د. أحمد بوغربي ــ باحث من المغرب.
‘‘إن الموضوع الذي يضيع منا هو بالضرورة مختلف كليا عن الموضوع الذي يلاحقنا‘‘ ــ رولان بارت.
يصيغ القاص الصادق أورهان في مجموعته القصصية سردا يعكس نسيج الحياة بكل تعقيداتها النفسية، والاجتماعية، والسياسية، والجمالية، وقد جاءت قصص المجموعة، مهووسة بمساءلة المجتمع، وملاحقة تناقضاته وصراعاته، وكشف المخبوء والمستتر عليه، مستثمرة في ذلك معظم إفرازاته (الواقع).

● قراءة في العنوان :
تفصح المجموعة عن رؤية انتقاديه للواقع بدء من العنوان : ‘‘عودة ميكافيلي‘‘، فإذا كانت العودة تعني الرجوع والإياب، فإن ‘‘ميكافيلي‘‘ هو ذاك الفيلسوف الذي اقترن اسمه بالاستبداد، والذي حرض في كتابه ‘‘الأمير‘‘ المستبدين، ومدهم بصنوف الغدر، والمكر لقهر شعوبهم وإذلالها. من هذا المنطلق، فعودة ‘‘ميكافيلي‘‘، هي عودة ما يحيل عليه زمن ميكافيلي من قهر، وتسلط، وتردي، وخيبة، وما تخيل السارد لشخصية ميكافيلي بالمقهى، ومحاورته وهو مصحوبا بكتابه ‘‘الأمير‘‘ إلا إشارة، وتأكيدا لتماهي واقع السارد في قساوته بما نظر له ميكافيلي في كتابه المذكور، بل إن ميكافيلي نفسه رقت مشاعره لما عاينه من تردي في واقع السارد فقال: ‘‘أتحسر لما يقع لكم في هذا الزمان؟‘‘ (نفس القصة ص: 34). الزمن الذي كان قد وصفه السارد في قوله : ‘‘تهت بين ملامح المدينة وأنا أجر معي خيبة هذا الزمن الرديء‘‘ (ص: 34).
وقد تجلت العلاقة بين الواقع والمجموعة القصصية في كثير من الحقائق والمشاهد والشواهد التي تقدمها لنا "القصة" وتحيل إلى ما يجري في واقع المتلقي، وهي ترصد مأساة شخوص في زمن / واقع المحنة، والقسوة، الزمن الذي كلما سمعوا حكايته ‘‘جحظت عيونهم وأخذت ملامحهم تميل إلى الشحوب‘‘ (ص: 57)، وهذه بعض تجلياته :
فهو زمن / واقع المحنة، والقسوة، وغياب العدالة، والحق الإنساني في الحياة الكريمة، واندحار الآمال، وخيبة التطلعات كما يوحي السارد إلى ذلك في قوله: ‘‘إن الحياة التي عشتها، مفعمة بالأمل كانت، وكثيرا من الحلم..‘‘ (قصة ‘‘كبياض الثلج‘‘ ص: 26). زمن أصبح فيه ‘‘اشعيبة‘ : ‘‘مجبرا على أن يسافر، أن يقطع الأرض طولا وعرضا بحثا عن عمل يقيه شر بطالة نخرت كيانه وقضت على ما تبقى من أحلامه‘‘ (قصة شعبية ص: 51).
وهو زمن وواقع الجهل، والخرافة، والشعوذة كما تصور ذلك قصة ‘‘الولي‘‘ : ‘‘تقاطرت النسوة متشحات بالسواد، حملن أشياء تبركن بها عند قدمه، وضعت إحداهن سكرا وأخرى قطعا نقدية، تدحرجت فتاة بحثا عن زوج يقيها شر عنوسة نخرت شبابها..‘‘ (قصة الولي ص: 61) . ‘‘كنت أول من دخل خلوة الشيخ ذات صباح، لم أجد أي شيء، لا سكر ولا قطع نقدية. جرت نسوة كعادتهن، سمعتهن يقلن بأن الولي الصالح أخذ كل شيء في ليل بهيم. انتشر الخبر في الدوار، بينما شككت في عابر السبيل الذي نام ليلة أمس‘‘ (نفس القصة ص: 62).
وهو زمن سخرت فيه كل الإمكانات لرعاية أشكال التفاهة، والخواء، واللا معنى كما تؤكده المقاطع السردية التالية :
• ‘‘تصفح الجريدة أمام طاولته، مسحها بنظرات عجلى، استقر نظره على ثمنها ثم تساءل في سره: هل تستحق هذه الأوراق كل هذا الثمن والجهد؟ وهذا الرماد الأسود على راحة يدي من سيتحمل عبء إزالته؟ (تيه ص: 21).
• ‘‘رأى برنامجا يح عن اللاشيء، وعن جدوى التفكير، قناة أخرى تعرض منشطا فيه مواصفات اللامعنى، عرفت ذلك من رنة صوته الذي ينبعث من الميكروفون متحشرجا .. أطفأ ت الجهاز وانتهى الأمر..‘‘ ص: 21).
• ‘‘بعد ليلة طويلة قضيتها أصول وأجول ببن منصات مهرجان من مهرجانات وطننا الحبيب. كنت أتابع بحرقة مدى حاجتنا إلى الدندنة والغناء (قصة عودة ميكافيلي ص: 34 )‘‘.
فكان الحاصل تقزيم الإنسان، وتجريده من آدميته، عبر تحوير اهتماماته وتحويله إلى مجرد كائن تحذوه غرائزه، وينساق لكل مبتذل، تافه، يقول السارد في قصة: عودة ميكافيلي‘‘ : ‘‘لم يفتني أن أحضر كل العروض في ليلة واحدة وفي توقيت واحد. في كل مرة أجدني واقفا عند مؤخرة كل منصة، أنصت لنبض هؤلاء المسا كين الذين تركوا جدران منازلهم تستمتع بهدوئها، بعضهم ركز نظره في تبان إحدى المغنيات، وكأن تبانا بذاك الشكل لم يعتد رؤيته في الجو العام‘‘ (قصة عودة ميكافيلي ص: 34).
‘‘سألت رجلا كان يعب نفسا عميقا من سيجارته :
- شكون لاعب؟ واش الرجا .. ؟
قهقه قهقهة مدوية انتبه لها كل من كان حاضرا، ثم قال بنبرة استهزاء :
- الكلاسيكو آ بنادم.. (قصة الكلاسيكو ص: 78).
لعل هذا الحوار وهو يشير إلى ما أصبحت تحتله الوقائع التافهة من اهتمام الإنسان يلفت انتباهنا أيضا إلى إحدى النتائج الفادحة وهي: ‘‘تبدل القيم‘‘، وتحولها، وما خروج نداء المحاور عن مقتضى الظاهر وهو ينادي محاوره القريب بأداة لنداء البعيد ‘‘آبنا دم‘‘ إلا للإشارة أن من لا يلم بهذا المبتذل يعتبر غافلا وجب تنبيهه، بل إنه (خروج النداء عن مقتضى الظاهر)، لم يدل على معنى تنبيه الغافل فقط، بل دل أيضا على معنى السخرية والتحقير.
وتعميقا من السارد لهذا الفهم (تبدل القيم) أشار إلى أن هذه الأمور على ابتذالها وتفاهتها أصبحت مدعاة للفرح، والحزن، والغضب، والتوتر يتابع السارد : ‘‘تركت اللقاء الذي وصل دقائقه الحاسمة، وانشغلت بمتابعة اللقاء بين المتفرجين، عند كل محاولة يهتز نصف من كان في المقهى ويصمت النصف الآخر. كنت وحيدا لم أعرف ماذا أفعل، أأفرح لفرح هذا أم أغضب لغضب ذاك..؟ الرجل الذي أجلس بجانبه يسب ويلعن، غير مبال بمن حوله. دخنت معه عشر ات السجائر دون أن ألمس واحدة منها.‘‘ (قصة الكلاسيكوص: 79).
ويتستمر السارد في تصوير هذا البؤس الاجتماعي ليصل ذروته وهو يصور الأوجاع المكبوتة، وقد تحولت إلى طاقة عنف تتحين لحظة انفجارها : ‘‘كنت أرى شررا ينقدح من أعينهم، ودوا حينها لو تحولت المقهى إلى ساحة للعراك، لو أفرغوا كل تلك الأوجاع التي أحسوها فيما يبنهم..‘‘ (قصة الكلاسيكو ص: 80).
وهو أيضا واقع قمع وإخراس لصوت الحق، والمرجع : قصة ‘‘الكتاب‘‘ التي تحكي عن أستاذ أصبح مدانا بإفساد عقول طلابه، لمجرد أنه جاب عن أسئلتهم عن الواجبات والحقوق :
‘‘وجد نفسه أمام رجلين بأكتاف عريضة وقسمات حادة. وضعوا ملفات وأوراق على الطاولة. قال أحدهم بعد أن مسح أرنبة أنفه :
- أتعلم سبب اجتماعنا يا أستاذ ..
أجابه إجابة الواثق من نفسه :
- لا أعلم بالتحديد .. ما أعرفه أنكم تبحثون عن شيء ما ..
قال الآخر في انتظام تام :
- أنت متهم بإفساد عقول طلابك ..‘‘ (الكتاب ص: 17).
وقد لخص السارد موقفه من كل أوجه هذا الواقع قي كلمة واجدة هي: ‘‘لا شيء يعجبني‘‘ / (لا شيء يعجبني ص: 9).
أمام واقع بهذه القسوة، والجبروت لم يعد هناك من سبيل لتغييره إلا بالتخيل، تخيل واقع بديل، وهو ما استجاب له السارد في قصة ‘‘كبياض الثلج‘‘ تخيلتني أعيش في عالم جديد كل الجدة، كما لم أعشه من قبل، عالم أبيض كالثلج، وسط أناس جدد لا يخطئون، شعارهم الاحترام في المقاهي، والأمكنة العامة، والشوارع التي يملأها البياض.. ركبت صهوة خيالي الجامح وسط تفاصيله، قادني نحو أمكنة عديدة. مررنا بمقهى الحي، يبدو خاليا تماما إلا منا، لا سيجارة ولا أصوات مزعجة. .جلسنا، فأتانا النادل بالجريدة اليومية، كان اسمها بياض الثلج، لم تترك رمادها الأسود على راحة يدي، في صفحتها الأولى، ترى أخبارا سارة، لا حوادث سير، سقوط أمطار لا غلاء أسعار. قادتنا خطواتنا نحو شارع البرلمان، تهنا وسط بياض أخاذ، أثار انتباهي هدوءه المعتاد، تساءلت في رقرارة نفي: كيف لهذا المكان الذي لا يهدأ من صخب وضوضاء المعطلن، أن يتحول إلى مكان وديع وردي كجنة من الجنان لم نصادف فقيرا معدما، ولا ماسح أحذية، ولا مخبر شرطة.. (كبياض الثلج 26_27)، أو باللجوء إلى الذاكرة، وفعل التذكر، تذكر زمن ولى : ‘‘تذكرت زمنا أصبح في خبر كان، زمنا كان فيه الصغير ينصت للكبير‘‘ قصة زمن الحكاية ص: 56.

● تركيب :
هكذا إذن، عمد القاص إلى صياغة رؤية انتقادية للسائد،. وقد نجحت مجموعته في رسم سمات الإعاقة، وعوامل الانكسار والنكوص لصورة واقع يبدوا من المستحيل إعادة تأهيله. وإن يكن الهم السياسي أبرز همومها، فالجديد لديها، هو أنه ليس الهم السياسي العام الذي يحيل الموضوع إلى مجرد ترف فكري لعموميته وتجريديته، وإنما ذاك الهم الذي يصبح جزءا من نسيج الحياة الخاصة للشخصية، ويتغلغل في أدق تفاصيل حياتها، وهو يكشف عن متشارك الحياة الإنساني.
image مقالات أخرى للكاتب.
image ثقافة العنف لدى الأطفال بين الموروث الأسري والتربية الحديثة.
image تنامي ظاهرة أطفال الشوارع بين لغة الإكراهات وحنين المعاناة.
image في علم الدلالة : تناص.
image في الثقافة الأدبية : دعيني أغازل المرايا.
image في انتظارك : وحدي أترقب قدومك.
image إشكالية العلاقة بين الأنا والآخر في رواية ذاكرة الجسد.
image "أبجديات الذات الحالمة والروح الإنسانية" من خلال ديوان "سيمفونيات".
image فعل المسخ : التجلي والدلالة في المجموعة القصصية "عزلة الكاتبّ" للقاص : محمد عبدالفتاح.
image عودة ميكافيلي للقاص ‘‘الصادق أورهان‘‘ والوعي الإشكالي.
image ديوان "ضفاف الأمل" للشاعرة سعاد الزاكي (قراءة فنية).
image المدينة التي .. : رواية للكاتب هشام ناجح ــ (قراءة فنية) / عندما تتصالح الرواية العربية مع الجسد.
image رعشات من رصيف الانتظار : ديوان (قراءة تحليلية).
image "ستة وستين كشيفة" للكاتب المصطفى كليتي : (قراءة تحليلية).
image إحياء ذكرى : قصيدة.
image رؤى : قصيدة.
image قصة : التدحرج الثالث.
image قصة : عبدالله زير النساء.
image المغرب : محمد العروصي ـ فنان تشكيلي.
image شوارع المدينة.
image على مشارف سنة جديدة : أنتِ لا أنتِ.
image قراءة في لوحة الشيخ والطفل للفنان التشكيلي المغربي محمد العروصي.
image أنواع التأديب وآثاره في الممارسة التربوية.
image التأديب داخل الفضاء المدرسي.
image إشكالية ممارسة السلطة التربوية بين المنظور التقليدي والمنظور الحديث.
image في الثقافة المهنية : الخدمة المنزلية وظيفة من لا وظيفة لها.
image في ثقافة الإبداعات : الحذاء والقدم.
image في ثقافة الأحلام : السهم.
image في ثقافة الهمسات : الفؤاد الضائع.
image ما هذا بزرمق إن هو إلا ثعلب أولاد عيسى.
image سأظل أنتظر هاهنا.
image لك ساكنتي.
image لك يا مريم أن تفتخري.
image كوني بدرا ينير دربي.
image مناجاة : إلى روح الطفلة إخلاص.
image تقريظ : الدكتور أحمد بوغربي (شاعر).
 0  0  1550

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:07 صباحًا الثلاثاء 13 ذو القعدة 1440 / 16 يوليو 2019.
الروابط السريعة.