تنامي ظاهرة أطفال الشوارع بين لغة الإكراهات وحنين المعاناة

د. محمد الصفى بن عبدالقادر

1874 مشاهدة
بسم الله الرحمن الرحيم

◄ تنامي ظاهرة أطفال الشوارع بين لغة الإكراهات وحنين المعاناة.
هم أطفال بلادي، يجوبون الْمَقَاهِي والشوارع الرئيسية داخل المدن بحثا عن لقمة عيش مؤدين فاتورة الفقر والتهميش والتفكك الأسري.
براعم بنظرات بريئة، ملابس متسخة، بطون فارغة وعقول مقرقبة ومصير مجهول، هم أطفال الشوارع مجردين من طفولتهم معرضين أكثر من غيرهم للتعسفات الجنسية والاستغلال بأبشع طرقه، أطفال مشردون تنكروا للمجتمع الذي أفسدهم، ونفض يده منهم، شهادات بريئة لأطفال أبرياء، حالات صادفتهـا وأخرى سمعت عنها، من هنا وهناك، عبر ربوع هذا الوطن. الحالة واحدة والأسماء متعددة، قد تتشابه أحيانا وقد تتباين لتبقى الحالة واحدة، الساحة وطن والوضعية مشردين بدون هوية ولا عنوان والخسارة فادحة في مجال القيم الروحية والإنسانية، خسارة وطن في شعبه.
لعل من السمات التي أضحت تؤثث شوارع مدينة آزمور وأزقتها بشكل ملفت للنظر خلال السنوات الأخيرة، ظاهرة الأطفال المشردين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 10 و 17 سنة يجوبون الشوارع ليل نهار في طوابير تجمع بين الجنسين محملين بألوان المعاناة واللامبالاة البادية على ملامحهم وأسمالهم وهم يتنعمون بشمات مادة اللصاق "السيلسيون"، أطفال انقطعت صلاتهم بذويهم وأقاربهم نتيجة ظروف معيشية أو عائلية اضطرتهم للمبيت خارج البيت متخذين من السوق الأسبوعي وسوق لغزل وبعض المطاعم والمقاهي و "السناكات" مصدرا للقمة عيشهم من فضلاتها ومن حدائق المدينة وجنباتها مرتعا لهم بالنهار، أما بالليل فتكون بعض الخرب وجنبات العمارات وأسطح بعض المؤسسات مركز مبيت لهم، وأحيانا تجدهم ملقون تحت قنطرة نهر أم الربيع بأفواههم المشرعة بعد جولاتهم بالليل عبر شوارع المدينة مستغلين خلوة المكان وسكون الليل لينطلقوا في فيالق تزعج الناس وهم نيام.
وترتبط ظاهرة أطفال الشوارع هذه بجوانب اقتصادية واجتماعية تساهم فيها عوامل متعددة تتمثل في نزوح ساكنة القرى الفقيرة للاستقرار بتخوم المدينة في أحياء عشوائية غير مهيكلة كدوار دراعو ودوار سواني الموس والمصلى وغيرها وهناك حالات خرجت للشارع عن طواعية إثر انفصال الأبوين أو نتيجة تفكك أسري قائم على الفراغ أدى إلى خلق آثار مؤذية للطفل تجعله يعاني عادة من التحصيل الدراسي ويقوده إلى التأخر ثم الاستسلام ثم المغادرة المدرسية في سن مبكرة، كما عبر عن ذلك طفل لم يتجاوز بعد العاشرة من عمره وهو يجوب أرجاء السوق بأكياس بلاستيكية "خرجت للشارع بسبب والدي الذي لا يفارق الخمرة، كان كلما دخل البيت إلا وانهال على أمي بالضرب وعلى إخوتي مطالبا إياهم بالخروج للبحث عما يأكلونه، لقد حول بيتنا لمرتع للسكارى والمنحرفين لدرجة أنهم بدؤوا يتحرشون بأمي وإخوتي على مرأى من أبي الشيء الذي دفع بأمي للهروب رفقة أختي الصغيرة بينما أنا غادرت الدراسة وهربت بدوري تاركا له المكان بحثت عن أمي لكن لم أعرف مكانها وهي لم تسأل عني، كانت وجهتي الدار البيضاء لكنني لم أتحمل كبرها وخطر مشرديها فجئت إلى هنا وربما غدا قد أتحول لوجهة أخرى إلى أن يفعل الله ما يريد".
وتستفحل الظاهرة لدى معاشرة ومخالطة رفاق أشبه بوضعه يعيشون نفس المعاناة فتبدأ الممارسات الشاذة والسلوكات المنافية لكل الأعراف والقوانين كنوع من التذمر والعصيان الرافض للعيش داخل المجتمع كسلوك انتقامي بدءا من تناول المخدرات بكل أشكالها الشيء الذي يزيد من حدة التصرف الفردي للمتشرد خصوصا في جانبه النفساني، فيما جاء تصريح طفل آخر في ربيعه الثاني عشر حيث عبر لنا أن غياب الحنان وافتقاره لأجواء البيت الهادئ كانا هما السبب لانخراطه في قوقعة التشرد حيث أنه كان يعيش وباقي إخوته وسط جو عائلي يفتقد لكل أواصر المحبة والحنان، سيما بعد وفاة والدته ومجيء زوجة الأب "ماما الغول" التي أصبحت تقاسمهم البيت ولأنها لم تكن تنجب فما كان منها إلا أن صبت عليهم غضبها حيث كانت تكيل لهم السب والشتم والضرب بدون سبب وحرمانهم من التغذية واللباس أمام صمت الأب الذب أصبح مغلوبا على أمره أمامها، مما اضطره إلى مغادرة البيت ومعانقة الشارع الذي وجد فيه ضالته وحريته التي طالما بحث عنها وبات من المدمنين على "السيلسيون" رافضا كل من يتوسط له بالعودة للبيت الذي أصبح بالنسبة له قاعة احتضار بطيء.
لتبقى حالة الفتاة ذات السابعة عشرة كحالة فريدة لكونها أول فتاة بآزمور تعانق الشارع من بابه الواسع وأول فتاة ترتبط بالسيلسيون لمدة تزيد عن الست سنوات حيث تبدأ يومها بجولة عبر المقاهي استجماع قسط من النقود قصد شراء عدتها اليومية "أنابيب سيلسيون" ثم تبدأ بعدها في ملاطفة هذا وذاك، فهناك من يتقبل مزاحها هذا ومنهم من ينهرها وقد يتجرأ على ضربها أحيانا أخرى، وحسب ما عبرت عنه في غفلة أنها تتعرض يوميا لتحرشات جنسية من أناس لهم مكانتهم في المجتمع. فيما حالة الهارب رقم أربعة في جولتنا هذه والذي كان منزويا على سور المدينة العتيقة يداعب "ميكته" فقد كان بالفعل هاربا من منزلهم فحالته لها من الدلالات ما يجعل هذا الظاهرة في تصاعد يومي ولها من المسببات ما يكفي في خضم مجتمع تلاشت فيه أواصر العائلة، كونه حسب ما أخبرنا به أن والده يرغمه على الاشتغال بدل الذهاب للمدرسة وضرورة تحصيل عشرة دراهم في اليوم على الأقل وفي حالة عدم الإتيان بها يكون جزاؤه الضرب والحرمان من الأكل ومكان للنوم مما حدا به للهروب ذات ليلة ومعانقة الشارع بكل متطلباته جاعلا بيع السجائر وسيلة للاقتيات والتلذذ بكل ما يخدر الدماغ لا يهمه من هذه الحياة إلا الشعور بطعم الاستنشاق ومعانقة الأقران.

ظاهرة شدت انتباه كل الساكنة و طرحت العديد من الأسئلة حول دور السلطات المحلية ومجلس المدينة وجمعيات المجتمع المدني للتصدي لها بخلق فضاءات خاصة لهذه الشريحة كمحاولة لإدماجهم في مدينة تفتقد لمثل هذه المؤسسات الإيوائية الخاصة بالأطفال المشردين والأطفال المتخلى عنهم.
■ فإلى متى سيبقى سؤال بهذا الحجم في سلة الانتظارات التي لا تنتهي.
image ثقافة العنف لدى الأطفال بين الموروث الأسري والتربية الحديثة.

أزرار التواصل الاجتماعي

۞ جديد المقالات :

في التوقيعات الأدبية : من ذاكرتي «29». ■ تقديرك لوجهة نظر الآخر .. علامة...

علم النفس المهني : التوجيه المهني ــ الاختيار المهني. علم النفس المهني فرع...

المجلس السعودي للجودة .. مسيرة عطاء. 25 عاماً من العطاءِ للمجلس السعودي للجودة...

كلمات مستخدمة في اللهجة المحلية ليست من اللغة العربية. • باغة : تركية ومعناها...

خوف السابقين. يصف الله ــ سبحانه وتعالى ــ عباده المؤمنين بصفات عظيمة، فمن ذلك...

مبادئ ومرجعيات تخطيط الدرس. ■ عند التخطيط للدرس ينبغي أن وضع النقاط التالية...

لاءات السعادة الزوجية. • لا تجرح زوجك بكلمات أو أفعال فتفقد الحب. • لا تخن...

حين تصير الأوجاع حروفا. وحين تتحول الحروف إلى أوجاع .. حين يحضر الصمت إلى...

التدين الشكلي : مفهومه ومظاهره وأضراره. التدين : مأخوذ من الدين، والدين: هو...

الكفاية : المعارف المفاهيمية والإجرائية. لا يمكن الإحاطة بمدلول الكفاية إلا من...

المسؤولية الفردية في القرآن الكريم. ■ قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه...

إنا كل شيء خلقناه بقدر : اﻟﺤﻨﺠﺮﺓ ــ اﻟﺮﺅﻳﺔ ــ اﻟﺴّﻤﻊ ــ اﻟﻠّﻤﺲ. ﻳﻘﻮﻝ اﻷﻃﺒّﺎء :...

الفنان التشكيلي رضوان جوهري : عندما تسمو اللوحة بالإنسان إلى آفاق الحياة...

المبادرة الفردية : نبضات إرشادية على الوسائل التواصلية. تقوم المبادرة الفردية...

شكر وتقدير للمنهل : قصيدة. ■ مكتبة منهل الثقافة التربوية : (الثقافة...

مهارات القائد التحويلي. القائد التحويلي يتمتع بقدرة على تحفيز العاملين كي...

دراسة مقارنة بين قصيدتين : التجاني يوسف بشير "في محراب النيل" وإدريس جماع "رحلة...

مليكة جفتاني : فنانة تشكيلية استهواها الرسم فخلقت جسرا خاصا بها نحو عالم...

أمي يا أجمل حكاية. ليس شرطا أن يكون كل الأبطال رجال ,, فكم من امرأة كانت بطلا...

قائد المدرسة المتفاني .. ماذا قدمنا له في تعليمنا ؟ ■ قائد المدرسة المتفاني هو...

العلوم التربوية : مفهوم ومستندات الكفاءة. ■ مفهوم الكفاءة : ● هي مفهومُ عامُ...

تكأكأت اللغات بلا نزال : بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية ــ قصيدة. ■ مكتبة...

قصة لغة : اللغة العربية. نهضت مبكرة قبل أخواتها، رغم أنها كبراهنّ، لكنها...

قراءة في ديوان "همسات ليل قصير" للشاعرة خديجة بلوش ــ أبجديات حين تولد لذة...

لائحة الوظائف التعليمية وسلم رواتب وعلاوات الوظائف التعليمية ــ 1440هـ. إنّ...

المملكة العربية السعودية : وزارة التعليم ــ نظام الجامعات (ملامح /...

الفساد الإداري : عقوبة جرائم سوء الاستعمال الإداري. أوضحت النيابة العامة أن...

محاور إعداد المعلم مدى الحياة ــ ورقة عمل. ■ التعلم مدى الحياة : أطر مرجعية...

بايعتُ سلمان المحبة شامخاً : قصيدة. ■ مكتبة منهل الثقافة التربوية :...

في ثقافة الرسائل : من قلبي لقلوبكم ! حديثُ القُلوبِ هو الحديث الذي لا يمكن أن...

هل يمكن أن نختلف دون أن نؤذي ؟ قد تمر علينا مواقف نختلف فيها مع احدهم فلا نجد...

تراكمت الجراح : قصيدة. ■ مكتبة منهل الثقافة التربوية : (الثقافة الصحية :...