أنواع التأديب وآثاره في الممارسة التربوية

د. محمد الصفى بن عبدالقادر

2093 مشاهدة
بسم الله الرحمن الرحيم

◄ أنواع التأديب وآثاره في الممارسة التربوية.
مظاهر التأديب المدرسي متعددة بتعدد السلوكات المشينة المرتكبة، منها إجبار التلميذ على الوقوف خلف الطاولات "Le piquet" في وضعية صعبة كرفع الرجل الواحدة أو اليدين، أو الحرمان من الاستفادة من أحب فترة للتلميذ وهي فترة الاستراحة أو التربية البدنية أو أي نشاط مواز من قبيل الخرجات أو الزيارات أو التمتع بعروض لفرق بهلوانية أو ترفيهية، وقد تكون العقوبة محددة في الكتابة لمرات متكررة لفقرة أو جملة، ومن الأساتذة من يلجأ على تقزبم النقط المحصل عليها في بعض الفروض أو الاختبارات إلى جانب كل هذا فهنا اللسان السليط المعتمد على الكلمات النابية من قبيل الإهانة أو الاستهزاء بالتلميذ أمام زملائه أو كتابة كلمات قاسية وجارحة على لوح أو ورق وتثبيتها خلف ظهره والطواف به عبر أقسام المدرسة "حمار - كسول - بغل - ـ ـ" لتبقى عقوبة الضرب بأنواعها طريقة ينهجها الكثير رغم تأكيد المذكرات الوزارية على منعها والتي تكون إما بالضرب على الأرجل "فلاقة"، أو على الأيدي أو الأصابع وأحياناً عشوائية على جسم التلميذ بكامله وهي الأخطر "تكوين بواسطة العصا كان يأتي على الأخضر واليابس، فهذه الآلة الشبيهة بطاحونة عمياء لا يهمها إلا الحطب الذي يشغل محركها والضحية التي ستقدم العبرةـ العنف كان يمارس في كل مكان من الجسد، الرأس واليدين ورؤوس الأصابع والركب، وكانت الممارسة مدعمة بفكرة ترى أن الطفل سينسى والحقيقة أن الأطفال لا ينسون" (1). ليبقى اللون الأحمر للصفر على الورقة نوعا آخر "شفنجة - زيرو" كرمز قاس للعنف الرمزي الملتصق ب "المكلخ - الضبع - الحمار - السطل - ـ ـ" علامة مميزة قد لا تفارق التلميذ داخل القسم أو خارجه من طرف زملائه وقد تحوله إلى تلميذ عنيف كوسيلة للدفاع عن نفسه وكنوع من التهديد لمن يلاحقونه بهذه العبارات، ما عدا بعض الأساتذة الذين يلجؤون إلى تهديد التلاميذ بالمدير أو أستاذ آخر فاقت شهرته الآفاق في طرق الضرب.
وأمام السلوكات الأكثر عنفا من قبيل استعمال العنف بوسائل وآلات حادة أو سلاح أبيض سواء ضد تلميذ أو أحد الأطر التعليمية نتجت عنه أضرار جسيمة يمكن أن تشكل رغبا داخل المؤسسة، تلجأ الإدارة بعد اجتماع مجلس الأساتذة لاتخاذ قرارا تراه مناسبا للجرم المقترف إما بالطرد أو تغيير المؤسسة حفاظا على السير العادي للمؤسسة بناء على الفقرة الأولى من الفصل 11 من المرسوم رقم 113 . 72 . 2 بتاريخ 11 فبراير 1972 بمثابة النظام الأساسي المعدل في 2001 "يتحمل المدير المسؤولية التربوية والإدارية والمالية للمؤسسة ويسهر على سير الدراسة ويحافظ على النظام والتأديب".
لم يكن التأديب بواسطة الإكراه والعنف وسيلة تربوية ناجعة ولا هدفا لخدمة التربية لأنها حسب "جون لوك" ترمي إلى خلق داءين متناقضين، العنف مقابل المخالفة حيث أنها لا تزيد الطفل إلا تمسكا بما هو أقبح، فقد نحصل من خلال التأديب بالإكراه والعنف على الهدوء والصمت داخل القسم والاحترام المؤقت الذي يخفي وراءه العاصفة بكل ما تحمله من مكبوتات تظهر كسلوكات مشينة خارج القسم (شغب ـ عدوانية ـ تخريب ـ خربشة على الجدران والطاولات ـ سب وشتم ـ ـ ـ) كما أن مردودية عطاءه المدرسي تقل ويصبح مجرد ذات على مقعد.
وحتى نلامس أكثر آثار التأديب بالعنف على التلاميذ والتي تؤثر سلبا على أدائه الاجتماعي والسلوكي والتعليمي حيث يتحول إلى كائن لا يتفاهم، عشوائي في اتخاذ القرارات، عديم الثقة في نفسه وبالتالي انهيار الشخصية لديه.

وحسب الأخصائية النفسانية "ليلى قاسمي" (2) أن العنف ضد الأطفال قد يتجاوز الآلام والجروح إلى حد إلحاق الأضرار الجسيمة على مستوى النفسية سواء كان العنف لفظيا أو جسديا كما أنه يتسبب في انخفاض على المستوى العلمي له واضطرابات سلوكية كعدم امتثاله للأنظمة أو الأساتذة ، والجدول التالي (3) يوضح لنا هذه الآثار بطريقة أكثر تفصيلاً.
■ المجال السلوكي :
عدم المبالاة - عصبية زائدة - مخاوف غير مبررة - مشاكل الانضباط - عدم القدرة على التمييز - تشتت الانتباه - الكذب - تحطيم الأثاث والممتلكات في المدرسة - عنف كلامي مبالغ فيه.

■ المجال التعليمي :
هبوط في التحصيل الدراسي - تأخر عن المدرسة وغيابات متكررة - عدم المشاركة في الأنشطة المدرسية - التسرب من المدرسة بشكل دائم أو متقطع.

■ المجال الاجتماعي :
انعزالية عن الناس - قطع العلاقات مع الآخرين - العدوانية اتجاه الآخرين - الخجل.

■ المجال الانفعالي :
انخفاض الثقة في النفس - الاكتئاب - ردود فعل سريعة - الهجومية والدفاعية في مواقفه - توثر دائم – مازوجية اتجاه الذات - شعور بالخوف وعدم الأمان - عدم الهدوء والاستقرار النفسي.

لذا نجد "لوك" الذي يعتبر من المعارضين الأقوياء للعقاب الجسدي يقول "بعيدا عن النصح بمعاملة الأطفال بقسوة، أعتقد أن جعل التربية عملية عقاب قاس لا يمكنها أن تحقق إلا القليل من النتائج المرضية، وعلى العكس من ذلك فإنها تحدث الكثير من الضرر، فالطفل يراجع درسه ضد إرادته لأنه مرتاح من عدم ضربه، ويحرم نفسه من فاكهة يحبها جيدا لتلافي الضرب، لكن توجيه أفعاله وتصرفاته بمثل هذه الدوافع، لا يمكن أن يكرس فيه شيئا سوى مبدأ الانحلال الذي يجب علينا محاولة اقتلاعه والقضاء عليه بكل الوسائل الممكنة، إن هذا النوع من التصرف الحقير يجعل المزاج كذلك حقيرا" (4).

فالتأديب بمفهومه أداة تقويمية ينبغي التعامل معها بحرص شديد نتوخى من خلاله خلق جو الاحترام بين الأستاذ والتلميذ، حتى وإن صدر من هذا الأخير جرم أو خطأ يستحق معه نوعا تأديبيا يكون مقتنعا به في حدود عدم الإهانة أو التحقير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع :
1) محمد مكسي - "من جيل الفلقة إلى جيل الحوار" جريدة الاتحاد الاشتراكي (ملحق التربية) عدد 10 يونيو 1999.
2) ليلى قاسمي - أخصائية نفسانية جزائرية.
3) جواد دويك - "العنف المدرسي" مداخلة أكاديمية - شبكة المعارف / مارس 2000.
4) ج .ليف و ج . روستان - "فلسفة التربية" ص : 152 / 153.

image ثقافة العنف لدى الأطفال بين الموروث الأسري والتربية الحديثة.
image العلوم التربوية : تحسين التدريس.

أزرار التواصل الاجتماعي

۞ جديد المقالات :

في التوقيعات الأدبية : من ذاكرتي «29». ■ تقديرك لوجهة نظر الآخر .. علامة...

علم النفس المهني : التوجيه المهني ــ الاختيار المهني. علم النفس المهني فرع...

المجلس السعودي للجودة .. مسيرة عطاء. 25 عاماً من العطاءِ للمجلس السعودي للجودة...

كلمات مستخدمة في اللهجة المحلية ليست من اللغة العربية. • باغة : تركية ومعناها...

خوف السابقين. يصف الله ــ سبحانه وتعالى ــ عباده المؤمنين بصفات عظيمة، فمن ذلك...

مبادئ ومرجعيات تخطيط الدرس. ■ عند التخطيط للدرس ينبغي أن وضع النقاط التالية...

لاءات السعادة الزوجية. • لا تجرح زوجك بكلمات أو أفعال فتفقد الحب. • لا تخن...

حين تصير الأوجاع حروفا. وحين تتحول الحروف إلى أوجاع .. حين يحضر الصمت إلى...

التدين الشكلي : مفهومه ومظاهره وأضراره. التدين : مأخوذ من الدين، والدين: هو...

الكفاية : المعارف المفاهيمية والإجرائية. لا يمكن الإحاطة بمدلول الكفاية إلا من...

المسؤولية الفردية في القرآن الكريم. ■ قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه...

إنا كل شيء خلقناه بقدر : اﻟﺤﻨﺠﺮﺓ ــ اﻟﺮﺅﻳﺔ ــ اﻟﺴّﻤﻊ ــ اﻟﻠّﻤﺲ. ﻳﻘﻮﻝ اﻷﻃﺒّﺎء :...

الفنان التشكيلي رضوان جوهري : عندما تسمو اللوحة بالإنسان إلى آفاق الحياة...

المبادرة الفردية : نبضات إرشادية على الوسائل التواصلية. تقوم المبادرة الفردية...

شكر وتقدير للمنهل : قصيدة. ■ مكتبة منهل الثقافة التربوية : (الثقافة...

مهارات القائد التحويلي. القائد التحويلي يتمتع بقدرة على تحفيز العاملين كي...

دراسة مقارنة بين قصيدتين : التجاني يوسف بشير "في محراب النيل" وإدريس جماع "رحلة...

مليكة جفتاني : فنانة تشكيلية استهواها الرسم فخلقت جسرا خاصا بها نحو عالم...

أمي يا أجمل حكاية. ليس شرطا أن يكون كل الأبطال رجال ,, فكم من امرأة كانت بطلا...

قائد المدرسة المتفاني .. ماذا قدمنا له في تعليمنا ؟ ■ قائد المدرسة المتفاني هو...

العلوم التربوية : مفهوم ومستندات الكفاءة. ■ مفهوم الكفاءة : ● هي مفهومُ عامُ...

تكأكأت اللغات بلا نزال : بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية ــ قصيدة. ■ مكتبة...

قصة لغة : اللغة العربية. نهضت مبكرة قبل أخواتها، رغم أنها كبراهنّ، لكنها...

قراءة في ديوان "همسات ليل قصير" للشاعرة خديجة بلوش ــ أبجديات حين تولد لذة...

لائحة الوظائف التعليمية وسلم رواتب وعلاوات الوظائف التعليمية ــ 1440هـ. إنّ...

المملكة العربية السعودية : وزارة التعليم ــ نظام الجامعات (ملامح /...

الفساد الإداري : عقوبة جرائم سوء الاستعمال الإداري. أوضحت النيابة العامة أن...

محاور إعداد المعلم مدى الحياة ــ ورقة عمل. ■ التعلم مدى الحياة : أطر مرجعية...

بايعتُ سلمان المحبة شامخاً : قصيدة. ■ مكتبة منهل الثقافة التربوية :...

في ثقافة الرسائل : من قلبي لقلوبكم ! حديثُ القُلوبِ هو الحديث الذي لا يمكن أن...

هل يمكن أن نختلف دون أن نؤذي ؟ قد تمر علينا مواقف نختلف فيها مع احدهم فلا نجد...

تراكمت الجراح : قصيدة. ■ مكتبة منهل الثقافة التربوية : (الثقافة الصحية :...