• ×

02:20 مساءً , الأربعاء 28 محرم 1439 / 18 أكتوبر 2017

◄ الطلاق والتجديد الفقهي (3).
■ اختلف الفقهاء في صحة طلاق : المخطئ، والمكره، والغضبان، والسّفيه، والمريض، على التّفصيل التّالي :
● المخطئ (الغافل والساهي) هنا : من لم يقصد التّلفّظ بالطّلاق أصلاً، وإنّما قصد لفظاً آخر، فسبق لسانه إلى الطّلاق من غير قصد، كأن يريد أن يقول لزوجته : يا جميلة، فإذا به يقول لها خطأً : يا طالق، وهو غير الهازل، لأنّ الهازل قاصد للفظ الطّلاق، إلاّ أنّه غير قاصد للفرقة به. وقد اختلف الفقهاء في حكم طلاق المخطئ :
فذهب الجمهور إلى عدم وقوع طلاقه قضاءً وديانةً، هذا إذا ثبت خطؤه بقرائن الأحوال، فإذا لم يثبت خطؤه وقع الطّلاق قضاءً، ولم يقع ديانةً، وذلك لحديث النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- : "إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه".

● الإكراه هنا معناه : حمل الزّوج على الطّلاق بأداة مرهبة.
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وقوع طلاق المكره، إذا كان الإكراه شديداً، كالقتل، والقطع، والضّرب المبرّح، وما إلى ذلك، وذلك لحديث النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- : "لا طلاق، ولا عتاق في إغلاق".
وللحديث المتقدّم : "إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه".
ولأنّه منعدم الإرادة والقصد، فكان كالمجنون والنّائم، فإذا كان الإكراه ضعيفاً، أو ثبت عدم تأثّر المكره به، وقع طلاقه لوجود الاختيار.

● قلت : ويقاس على الإكراه، وهو حالة غضب الغير، حالة غضب النفس، من باب أولى، حيث يذهب التفكير السليم وتحمر العين وتنتفخ الأوداج ويعلو الصوت، والنبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- أوصى بالوضوء وبتغير الوضع من قيام لجلوس أو من جلوس لاضطجاع، حتى أوصى رجلا ثلاث مرات قائلا : لا تغضب، وهي حالة يجري فيها الشيطان، من الإنسان مجرى الدم من العروق، وفي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- قال "عن رجل غضب : إني أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فيكف نكون عونا للشيطان على الغاضب فنوقع طلاقه ؟ !
إن الغضب بالنسبة للتلفظ، لا يفترق عن حالة الإكراه.
وغالبا ما يقول الغاضب : "أنا لم أشعر بنفسي أو محستش بنفسي".
وتلك حالة انعدام الإرادة، وقد يصل الغضب بالرجل أن يضرب، بل ويقتل تحت تأثير الغضب، وليس يطلق فحسب، ولما كان الغضب متكررا، وحالة تطرأ على الجميع، كان وضع مصير الأسرة تحت سيف فلتاته، وضعا لها في مهب الريح ومجرى السيل وطلقات المدفع.
والغاضب قد يقتل تحت تأثير غضبه ثم يقول : "لم أقصد" كنت أقصد ضربه فحسب والغاضب عندما يتلفظ بلفظ الطلاق، يقصد به إغضاب الغير أو الانتقام منه فلا يعتد بطلاقه.

● قلت : ومثله الهازل يريد المزاح أو السخرية فلا يعتد بهزله ؛ لأن في مغالبة الحرام للحلال تقليل من شأن الحلال.
ويؤخذ القاتل رغم غضبه، لأن الفعل الذي يفعله مخوف العاقبة بشكل مهول لا يتصور معه عدم وجود جزء واعي من القلب بخطورة ما يفعل.
بخلاف الطلاق، فلن يترتب عليه احتمال أن يقتص منه، فيقبل عليه غير متبصر بالعواقب وغير عابيء بها.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى عدم وقوع طلاق الهازل.
منهم : الباقر، والصادق، والناصر.
وهو قول في مذهب أحمد ومالك، إذ أن هؤلاء يشترطون لوقوع الطلاق الرضا بالنطق اللساني والعلم بمعناه وإرادة مقتضاه، فإذا انتفت النية والقصد، اعتبر اليمين لغوا، لقول الله تعالى : (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) -البقرة 227-.
وإنما العزم ما عزم العازم على فعله، ويقتضي ذلك إرادة جازمة بفعل المعزوم عليه أو تركه ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- : "إنما الأعمال بالنيات".
والطلاق عمل مفتقر إلى النية، والهازل لا عزم له ولا نية.
وروى البخاري عن ابن عباس : "إنما الطلاق عن وطر" أنه لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته إلا عند الإتيان بفاحشة مبينة، كما قال الله -عز وجل- : (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلى أن يأتين بفاحشة مبينة) -سورة الطلاق 1-.
وقال ابن القيم : أي عن غرض من المطلق في وقوعه.
قلت : وإنما من أدوات الحصر.
وبهذا يتبين عن يقين، خطأ وجهل من نقل أو حكى الإجماع، على وقوع طلاق الهازل.
وطلاق الغاضب لا يقع، سواء كان شديدا أو في مبادئه أو لم يذهب عقله بالكلية ؛ لأن وجود مؤثر ربما رجح ما ليس مرادا على ما هو مراد، ويستبعد أن يقرر رجل أن يهدم أسرته ويفارق زوجه ويشرد ولده، إن كان له ولد، ويرجح كل هذا على الاستقرار وإيواء زوجه وولده وإسعادهم والعيش بينهم إلا فيما قل وندر.

● وطلاق السكران، وشارب المخدر، لا يقع، وهو لغو لا عبرة به، لأنه هو والمجنون سواء، إذ أن كلا منهما فاقد للعقل الذي هو مناط التكليف، ولأن الله -سبحانه- يقول : (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) -النساء 43-.
قال ابن تيمية، كما في زاد المعاد عن شرح حديث "لا طلاق في إغلاق" - وهو حديث ضعيف سندا صحيح معنى - : حقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه، فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به، كأنه انغلق عليه قصده، وإرادته.
قال : ويدخل في ذلك طلاق المكره، والمجنون، ومن زال عقله بسكر أو غضب فجعل سبحانه قول السكران غير معتد به لأنه لا يعلم ما يقول.
وثبت عن عثمان -رضي الله عنه- أنه كان لا يرى طلاق السكران.

● ولا يقع طلاق المعتوه، والمغمى عليه، ومن اختل عقله لكبر أو مرض، أو مصيبة فاجأته والمدهوش الذي لا يدري ما يقول بسبب صدمة أصابته فأذهبت عقله وأطاحت بتفكيره، لا يقع طلاقه.

● ولا يقع الطلاق بالإيلاء.

● ولا يقع طلاق من لم يتزوج بعد :
فلو قال لامرأة لم يسبق له الزواج بها : "أنت طالق، يكون كلامه لغوا لا أثر له، وكذلك الحكم فيمن طلقت، وانتهت عدتها، لأنها بانتهاء العدة تصبح أجنبية عنه.
وكذلك لو قال : إن تزوجت أي امرأة فهي طالق، أو يقول : إن تزوجت فلانة - وذكر امرأة بعينها - فهي طالق، لا يقع.

● ولا يقع الطلاق على المطلقة قبل الدخول وقبل الخلوة بها خلوة صحيحة، لأن العلاقة الزوجية بينهما قد انتهت وأصبحت أجنبية بمجرد صدور الطلاق، فلا تكون محلا للطلاق بعد ذلك. لأنها ليست زوجته، ولا معتدته.
فلو قال لزوجته غير المدخول بها حقيقة أو حكما : أنت طالق .. أنت طالق .. أنت طالق، وقعت بالأولى فقط طلقة بائنة، لأن الزوجية قائمة.
أما الثانية، والثالثة، فهما لغو لا يقع بهما شيء، لأنهما صادفتاها وهي ليست زوجته ولا معتدته، حيث لا عدة لغير المدخول بها.
ومثل ذلك المعتدة من طلاق ثلاث، لأنها بعد الطلاق الثلاث، تكون قد بانت منه بينونة كبرى، فلا يكون للطلاق معنى.

● ولا يقع طلاق للذي يحلف بأيمان المسلمين، فمن حلف بأيمان المسلمين، ثم حنث، فإنه يلزمه كفارة يمين عند الشافعية.
ولم يرد عن مالك فيه شيء، وإنما الخلاف فيه للمتأخرين من المالكية.
فقيل : يلزمه الاستغفار فقط، والمشهور المفتى به عندهم : أنه يلزمه كل ما اعتيد الحلف به من المسلمين.
وقال الأبهري : يلزمه الاستغفار فقط.
وقيل : يلزمه كفارة يمين كما يرى الشافعية.
قلت : الأرجح يلزمه الاستغفار ؛ لأن الاعتداد بالحلف بالطلاق وجعله يمينا يكفر عن الحنث به نوع من التعظيم للحلف بغير الله ؛ لأنه إنما شرعت الكفارة للحنث في الحلف بالله تعظيما لله، حيث لم يبر في قسمه به، وليس كذلك الأمر فيما يتعلق بالطلاق.
 0  0  2131
۞ إيضاح تقني : في خانة (أضف تعليق) الأحرف المتاحة أكثر من (1000) حرف // أما في خانة (الرد على زائر) في حدود (100) حرف فقط.
التعليقات ( 0 )