• ×

06:14 صباحًا , الإثنين 13 رمضان 1439 / 28 مايو 2018

◄ في الثقافة اللغوية : اللغة العربية بين التكريم والتهوين.
لغتنا العربية وكذبة العشق العربي لها، ننظم قصائد نتغنى بجمالها، وروعة ألفاظها، وبحر عطائها، وواقع أمرها الإهمال والتهوين واللاحترام.
والحقيقة التي يجب أن نكون عليها أن نجلَّها ونقدمها على بقية لغات العالم، فحالنا مع لغتنا : نقول ما لا نفعل، فالغربي يعتز بلغته ويصر على التحدث بها، ويجبر من يعيش بينهم أن يتعلم ولو لغة مكسرة منبعجة من لغته، فلماذا على الرغم من علمه باللغة العربية أو بعض منها؛ يرفض التحدث بها أو نطق ألفاظ منها ؟ هنا يظهر التقدير الحقيقي والفخر الذي يعلو القمم بلغة هي دون المقارنة بلغة القرآن، فهو يسعى ليحقق لها الانتشار لا الاندثار، الحياة لا الوأد والزوال.
لغتنا العربية لغة قوية من أي زاوية أتيت إليها وجدتها كاملة متماسكة لا عيب فيها ولا خلل ولا سقوط ولا مأخذ، والدليل بين أيدينا قرآن كريم جعلها عالمية (اللفظ ـ المعنى).
فنعمة العربي نعمتان : الإسلام واللغة العربية، فكان أن يسر لنا أن نتعبد بالقرآن، فلا يصح أن يقرأَ المسلم القرآنَ إلا بالعربية، وقراءة القرآن ركنٌ من أركانِ الصلاة، التي هي ركن من أركانِ الإسلام.
قال تعالى : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) (النحل : 103)، وقال تعالى : (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف : 2).
فيكفي تميزاً لها عن سائرِ لغات البشر بأنها اللغةُ التي اختارها الله - سبحانه وتعالى - لوحْيه؛ لما تمتازُ به من مميزات.
وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية : (إنَّ الله لما أنزل كتابَه باللسان العربي، وجعل رسولَه مبلغًا عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السَّابقين إلى هذا الدين متكلِّمين به، ولم يكن سبيل إلى ضبط الدِّينِ ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، صارت معرفته من الدِّين، وأقرب إلى إقامةِ شعائر الدين).
إذن بين اللغة العربية والعقيدة الإسلامية ارتباط وثيق، لأنَّ اللغة العربية هي لغةُ الإسلام، ولغة كتابه العزيز، ولغة رسوله محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ولذا فإن الاهتمامَ والعناية بها إنما هو اهتمام بالقرآن واعتزاز بالإسلام.
وانطلاقًا من هذا المفهوم، فلا يكفي أن نجعل اللغة العربية مادة للتدريس ويوم يُحتفل بها، واختيار حر للمعلم أن يشرح باللغة العربية أو العامية، قال ابن تيمية رحمه الله : (معلومٌ أن تعلُّمَ العربية وتعليم العربية فرضٌ على الكفاية) وقال أيضاً : (فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون) وقال : (إن اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجبٌ. فإنّ فهم الكتاب والسنة فرضٌ، ولا يُفهمُ إلا باللغة العربية، وما لا يتمُّ الواجب إلا به، فهو واجب).
والدعوة إلى تعلم العربية ليس بأمر جديد بل منذ حياة الرسول عندما لحن أعربي بحضرته فقال عليه الصلاة والسلام : (أرشدوا أخاكم فقد ضل) رواه الحاكم عن أبي الدرداء، وقال : صحيح الإسناد.
دعوة إلى تقويم اللسان نبعت من مدرسة رسول الله، فوعاها صحابته، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : (تعلَّموا العربيةَ؛ فإنَّها من دينِكم).
ونحن في نعمة أننا لم نجد مشقة في تعلم هذه اللغة العظيمة، ولم نقطع المسافات لدراستها كما يفعل مسلمو الصين وجميع الأعاجم الذين ينتظمون في المعاهد والجامعات الإسلامية في المملكة العربية السعودية أو أي جامعة عربية في دولة إسلامية.
هذه النعمة التي وهبنا الله إياها لم نصنها، ولم نعتز بها، ولم ندافع عنها، ولم نفكر في القضاء على فيروسات العامية والألفاظ الأجنبية أو نشجع طلابنا وطالباتنا على أن يكون لهم دور في توعية المجتمع بأهمية الكتابة العربية السليمة سواء في الإجابات أو في شبكات التواصل الاجتماعي، وتبني قضية اللغة العربية ومحاربة الفساد اللغوي الذي بدأ يستشرى بين جميع الفئات.
ولكن لم نجد من يغضب لخطأ في النطق وعبث في الكتابة وضياع للهوية.
فأين العقل بعدما أصبح المثقف يتباهى بإدخال كلمات أعجمية في وسط لآلئ عربية ؟
فكانت صورته كمن وضع معدنا في عقد من أحجار كريمة، ورقعة في ثوب متناسق الألوان.
اللغة العربية لغة كاملة نزل بها القرآن وتحدى بها فصحاء العرب ولغة رسولنا الكريم وصحابته الغر الميامين، ونحن بعدم التحدث بها ومعرفة وجوه استعمالاتها أنقصناها، وبإدخال الفاظ أعجمية فيها شوهناها، وقصورنا في البحث عن مفرداتها وجديد اشتقاقها جمدناها.
ومؤسف جداً أن يعرف كمال اللغة من غير أهلها قال المستشرق الفرنسي رينان : (من أغرب المُدْهِشَات أن تنبت تلك اللغة القومية وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى عند أمة من الرُّحل تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها، وحسب نظام مبانيها، ولم يُعْرَف لها في كل أطوار حياتها طفولة ولا شيخوخة ولا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تُبَارى، ولا نعرف شبيهاً بهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة).

■ أليس القرآن الكريم دليل على كمالها ومعجزتها ؟
قال الفرنسي وليم مرسيه : (العبارة العربية كالعود، إذا نقرت على أحد أوتاره رنت لديك جميع الأوتار وخفقت، ثم تُحَرَّك اللغة في أعماق النفس من وراء حدود المعنى المباشر مَوْكباً من العواطف والصور).
وفي اللغة العربية جماليات لا تجدها في غيرها من اللغات الحية ومن ذلك ما يعرف في البلاغة بـ (حسن التعليل) وذلك أنك تعلل الشيء بعلة طريفة غير حقيقية لكنها تكون أفضل وأحسن من العلة الحقيقية.
ومن ذلك أن رجلاً كان عنده صديقه في بيته فقدم له مشروباً فوقع المشروب على الأرض فعلل الضيف لوقوع الكوب والمشروب على الأرض فقال : شربنا شراباً طيباً عند طيب كذاك شراب الطيبين يطيب، شربنا وأهرقنا على الأرض بعضه وللأرض من كأس الطيبين نصيب.
فهذا أيضاً تعليل غير حقيقي لكنه أفضل من العلة الحقيقية وهذا خاص باللغة العربية لا تجده في غيرها من اللغات الحية وإذا استعملت هذا الأسلوب في أي لغة غير العربية فإنك تتهم بالكذب.
أي جمال فيك يا لغتي وعظمتها، يا ليت قومى يعلمون.
التربية بناء يقوم على قواعد ولا يُشاد بناء على كومة من الرمال وثوابت الطفل أن يكون على دين وقيم ولغة يفهم من خلالها دينه ويسطر في المستقبل إنجازاته وعلمه.
فغرس جمال وحب اللغة العربية هو أحد أعمدة البناء، فاستعمال اللغة الاستعمال الصحيح ويسر التحدث بها بطلاقة، هو فهم للقرآن، وارتباط بالقيم الإسلامية، وحسن التواصل مع الآخرين، وسلامة الحوار الجيد.
فالذكاء اللغوي يُستهان به في التربية ويُنادى بوجوب تدريب الطالب على التحدث ومواجهة الجمهور وهو لم يُدرب لهذا الموقف ويُنشأ عليه من الصغر، ولم يُغذَ عقله بحصيلة ثقافية يكتسب منها المفردات العربية الصحيحة، ففقر اللغة كالمرض الذي أُهمل وبعد سنوات طويلة يصبح علاجه كمن يُطلب منه تسلق الجبل بلا قدمين ولا يدين.
ولكن ما نراه من عناية شديدة بالعلوم والرياضيات منهجاً وتدريساً وتفصيلاً وتقديماً وإخراجاً أدخل على ثوابت الناشئة الضيم والاستهانة بكل ما يتصل بلغتهم العربية كتابة وتحدثا ومكانة، حتى بات الطالب في المرحلة الثانوية يستنكر لفظة قرآنية، ويحتقر بقيمة الروابط العربية ويجد في التعبير العامي المنحدر فصاحة وواقعية وبيان.
يقول مصطفى صادق الرافعي : (إن اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة. كيفما قلّبت أمر اللغة - من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها - وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها).
ثم جاء يوم تكريم اللغة العربية كوضع الدواء على جرح دون تنظيف، وتعزية للناعين وإسكات للباحثين عن حال اللغة العربية اليوم في شبكات تواصلنا وفي مناهجنا التي ظلمت لغتنا ظلماً صارخاً سافراً.

■ فهل يعي من صمم مناهج اللغة العربية الجديدة هذا الكلام ؟
لغتي تاريخي وعزتي شعارات نرددها وكثير منا لا يفهمها، ومناهج مدرسية، وجدول مدرسي يحاربها فمَن للمعلم الذي يحاول جاهداً أن يُبقي على تدريس مادة تعين على قراءة القرآن وفهمه ؟
جهد مبذول لرتق الفتق الذي أحدثته مناهج اللغة العربية الجديدة بعد تقطيعها وتمزيق أوصالها. ألم تعد كفايات والعنوان سخط على لغة القرآن.
أقول ألم تعد كفايات لغوية دليلاً قاطعاً وساطعاً على ضياع اللغة العربية ؟ يكفيك يا لغةٌ شرفها القرآن بأن تكوني قطرة من هنا وهناك، ومكانتك في الجدول المدرسي النهايات، وهنا تكتمل المؤامرة على لغة أشاد بها العجم بأنها لغة كاملة ونحن نتآمر عليها ! بأن لا قيمة لها فوجدت الطالبة في المادة زيادة وعبء وعلى المعلمة جهاد ورباط لعلها تنقذها من الهلاك.
فأي تذوق لجمال الكلمة وسحرها بعدما أنهك الطالبة التعب ودروس طوال اليوم لتأتي كفايات في الحصة السابعة أو السادسة هذا هو مكانها في الجدول ! وتجتهد المعلمة لجمع عقد منثور كي تُعيد نظمه لطالبة وجدت في اللغة العربية مادة زائدة وأكد هذا أنها ذيلا في الجدول المدرسي.
أذكر طالبة درستها قبل عدة سنوات هي من تونس الخضراء قالت بألم لم تعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن كما هي من الحب والشموخ والفخر، بل أصبحت جديدة على ألسنة بعض العرب تسمى العربنجليزية، واجتهدت الطالبة في استبدال كثير من الألفاظ العامية بألفاظ عربية فصيحة، وتصويب الأخطاء الإملائية بين زميلاتها وفي الإذاعة المدرسية.
فلو أجتهد كل غيور اجتهاد هذه الطالبة، لكان الخطر المحذق بلغتنا في تضاؤل وزوال، ولا كانت إحدى طالباتي أضحوكة لزميلاتها لأنها تجيب بلغة عربية جيدة داخل وخارج الفصل.
وكان الاحتفال باللغة العربية يوم واحد من واقع 365 يوماً، فلا نعرف أهو تأبين أم تغريب ؟ يكفيك يا لغتي هذا اليوم ويكفيك من فروعك وعلومك كتاب واحد يجمع شتات علم، فلا تفرق الطالبة بين الأدب واللغة والنحو والكتابة والشعر والنثر.
ليتهم قالوا الاحتفاء بلغة القرآن لربما خجلوا من تخصيص يوم واحد، وقصره على معلمات اللغة العربية، وهنا طامة أخرى قصرها على من يدرسها ! غربة وجود، وغربة تأبين.
قال الأستاذ مصطفى صادق الرافعى رحمه الله فى كتاب (وحي القلم) : ما ذَلّت لغةُ شعبٍ إلا ذلّ، ولا انحطَّت إلا كان أمرُهُ فى ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرِضُ الأجنبيُّ المستعمرُ لغتَه فرضاً على الأمةِ المستعمَرَة، ويركبهم بها ويُشعرهم عَظَمَته فيها، ويَستَلحِقُهُم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثةً فى عملٍ واحدٍ : أما الأولُ : فحبْسُ لغتهم في لغتِهِ سِجناً مؤبداً. وأما الثاني : فالحكمُ على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً. وأما الثالثُ : فتقييدُ مستقبلهم في الأغلالِ التي يصنعُها، فأمرهم من بعدِها لأمرِهِ تَبَعٌ. إن اللغة مظهر من مظاهر التاريخ. والتاريخ صفة الأمة، كيفما قلَّب أمر الله، من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها.
ويأتي الاحتفال كل عام بأناشيد وقصائد تتغنى باللغة العربية وفعاليات لا تخرج منها الطالبة بأي شيء.
كل هذا لا يكفي بل لابد من متابعة كل ما يُكتب في شبكات التواصل، ومن ثم تصويبها هذه مهمة كل غيور على لغة القرآن، وتبقى الأمنيات تتنفس الحياة ما دام يتردد الهواء في الصدور بأن تكون مناهجنا أكثر اهتماماً بلغة القرآن.
 0  0  1868
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:14 صباحًا الإثنين 13 رمضان 1439 / 28 مايو 2018.