• ×

10:50 صباحًا , الإثنين 13 رمضان 1439 / 28 مايو 2018

◄ إنصاف مستشرقين لرسالة المسجد.
بدأ النبي صلى الله عليه وسلم حياة الإسلام في المدينة بإقامة المسجد، وفعل هذا سنة للمسلمين من بعده، وهذا له دلالة بالغة الأهمية لمن يريد أن يتفهم روح الإسلام ويتعرف على أساس حضارته ولمن يريد أن يدرك مكان المسجد في مجتمع الإسلام.
إنه يعنى – في مهمتنا – التزام المسلمين بتوجيه حضارتهم – كليا وجزئيا إلى غايات ووسائل لتكون في خدمة دينهم وغاية دينهم في النهاية ـ إنما تتمثل ـ في إعلاء كلمة الله في الأرض، والمسجد هو هذا التوجيه.
نستطيع أن نقول مطمئنين إن المسجد هو المؤسسة الحضارية الأولى في مجتمع الإسلام، ومعنى هذا أن للمسجد وعليه معا أن يقوم بدور يتكافأ مع مكانه من هذه الحضارة، وهو يقوم به تجاه سائر ما يقيمه المجتمع من مؤسسات، ولا يفهم هذا الدور الأعلى أنه إعلام شامل بهذا الدين.
لقد كان المسجد في عهد النبوة – واستمر في عصور الإسلام الأولى – هو مرمز التوجيه، والإشعاع الفكري، والأخلاقي، والتربوي، والأدبي، والاجتماعي.
وقد استطاع المسجد في تلك العصور أن يكون مجالا تحيا فيه القيم الإسلامية، وتمارس فيه أنماط السلوك العملي التي تجسد هذه القيم، وأتاج للمسلمين حرية فكرية منقطعة النظير، ومن حول سواري المسجد قامت مذاهب، ونشأت تيارات في الفقه والفلسفة والتوحيد والنحو والأدب، والنقد، وقامت المحاورات، والمناظرات، وكان المسجد بماله من قدسية ضمانا لهذه الحرية الفكرية التي يفخر بها تاريخ المسلمين (1).

على الرغم من وجود عداءات استشراقية حاقدة على الفنون والعمارة الإسلامية وعلى المقدسات الإسلامية، إنكارا لفضل العرب ولعطاء الحضارة الإسلامية وإبداعاتها وسعيا منهم للتشكيك في الرسالة الإسلامية تشكيكا يضعفها ويسعى لفتح الأبواب للنيل منها إلا أننا نجد كثيرا من الدراسات الاستشراقية التي تكلمت وأنصفت فنون الحضارة الإسلامية ومنجزاتها الحضارية.
تحررت بعض ـ أقوال المستشرقين من الروح العدائية ـ للإسلام والمسلمين، تلك الروح التي سيطرت على كثير من الممارسات العلمية والثقافية الاستشراقية، فرأينا كثيرا من الإيجابيات الاستشراقية التي تعمقت في الجماليات الإسلامية فقدمت إنصافات متأثرة بروعة المؤسسات الإسلامية ومنها رسالة المسجد في الإسلام.

يقول السير (س. ى. راى) الانجليزي : (الإسلام أكثر الأديان ديمقراطية، فإنه المساوي للإنسانية، وإنك لو كنت وضيعا واعتنقت الإسلام لارتفعت حالا إلى مستوى أي مسلم آخر، وفى المسجد يصلى السلطان والأمير والشحاذ والسقاء والعامل جنبا إلى جنب، كما أن الإسلام لا يعرف معنى التمييز باللون‘ وإن الإسلام بطريقته المثلى استطاع التقدم من حدود المحيط الباسيفكى إلى حدود الأطلنتيكى، وبعد هذا سار الإسلام بخطوة واسعة في شبه جزيرة ملايا، وليس بسبب وجود السيف ولكن بسبب سياسته الطيبة الحرة) (2).

لقد خرج بعض المستشرقين عن المسار العدائي الحاقد الذى كان يسعى لتدمير جسم الإسلام بالكامل وتحطيم عقيدته، ومحو تأثيراته الروحية والفكرية والاجتماعية، فاعتبر هؤلاء المنصفون المسجد قاعدة الحضارة الإسلامية، وليس مكانا لأداء الصلوات والخطابات الوعظية فقط ولم يقتصر الأمر على الإنصاف من هؤلاء المستشرقين بل أدى الأمر بهم إلى الإسلام.

يقول جاك ريسلر : (في المسجد ينبض قلب الإسلام، وفى أرجائه يحس المرء إحساسا حيا أنه بحضرة الله، الحق أنه لا شيء في المسجد إلا البساطة والجمال والتجانس).

كما يقول روم لاندو (3) : (المكعب والقبة معا يمثلان رمزا كاملا لماهية الإسلام : وحدة العالمين المنظور وغير المنظور، عالمي الأرض والسماء).

هذه بعض إنصافات المستشرقين التي قدمت خدمة جليلة للتراث الإسلامي وللمؤسسات الإسلامية والتي استطاعت أن تقلب الدائرة على المستشرقين الحاقدين، وهذه الشهادات لها قيمتها في مجال معطيات الإيجابيات الاستشراقية حيث يؤكد هؤلاء المستشرقون على أن رسالة المسجد كانت منبعا رائدا من منابع تفوق الحضارة الإسلامية وتميزها وأن رسالة المسجد كانت تغذى هذا التفوق عمليا وبجدارة.
ولعل هذه الشهادات الإيجابية تدعونا لإعادة الدور الذى يؤديه المسجد فى مجتمعاتنا فنبدأ بانطلاقة حضارية جديدة تعيد للمسجد مكانته التربوية والأخلاقية والتوجيهية، ليساهم في نهضة مجتمعاتنا، ويبنى الشخصية المسلمة، ويضع أمتنا في وزنها الحضاري اللائق بين المجتمعات المعاصرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ الهوامش :
1- د. محمد حسين الذهبي - رسالة المسجد في العالم عبر التاريخ - مجلة البحوث الإسلامية، ص541 : 539.
2- مبشر الطرازي - الدين الفطري الأبدي ص244.
3- هو السيد روم لاندو ولد في 17 / اكتوبر / 1899 وكان نحاتاً ومؤلفاً ومربى في جامعة (الباسيفيك، ستوكتون، كاليفورنيا) ومحاضراً في العديد من جامعات الولايات المتحدة الأمريكية وكان متخصصاً في الثقافة العربية الإسلامية.
 0  0  2273
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:50 صباحًا الإثنين 13 رمضان 1439 / 28 مايو 2018.