• ×

07:24 صباحًا , السبت 9 ربيع الأول 1440 / 17 نوفمبر 2018



◄ الركن الثاني من أركان الإسلام : الصلاة ــ صلاة الجماعة.
الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار مكور الليل على النهار تذكرة لأولي الأبصار وتبصرة لأولي الألباب والاعتبار الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه فزهدهم في هذه الدار وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار ووفقهم للدأب في طاعته والتأهب لدار القرار والحذر مما يسخطه ويوجب دار البوار، احمده ابلغ حمد وأزكاه واشمله وأنماه. واشهد أن لا اله إلا الله البر الكريم الرؤوف الرحيم واشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله الهادي إلى صراط مستقيم والداعي إلى دين قويم صلوات الله وسلامه عليه وعلى اله وصحبه وسائر الصالحين.

● معلق القلب في الصلاة جماعة سيكون في ظل الله تعالى يوم القيامة.
مما يدل على فضل الصلاة في جماعة أن من كان شديد الحب لأداء الصلاة مع الجماعة فيها فإن الله تبارك وتعالى سيظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ..) وذكر منهم ورجل قلبه معلق في المساجد.
يقول الإمام النووي في شرح قوله (ورجل قلبه معلق في المساجد) معناه : شديد المحبة لها والملازمة للجماعة فيها وليس معناه القعود في المسجد.

● فضل المشي إلى المسجد لأداء الصلاة مع الجماعة.
بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الخطوات التي يخطوها المرء المسلم إلى المسجد أنها تكتب له فقد روى الإمام مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال : أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد قال : والبقاع خالية. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (يابني سلمة دياركم تكتب آثاركم) حديث صحيح.
فقالوا : ما كان يسرنا أن كنا تحولنا.
يقول الإمام النووي رحمه الله في شرح قوله عليه الصلاة والسلام أي الزموا دياركم فإنكم إذا لزمتموها كتبت آثاركم وخطاكم الكثيرة إلى المسجد.
ومما يدل على فضل المشي إلى المسجد لأداء الصلاة فيه مع الجماعة أن الله تعالى قد رفع منزلة آثار قاصد المسجد حتى أن الملائكة المقربين يختصمون في إثباتها والصعود بها إلى السماء ودليل ذلك عندما سال الله تبارك وتعالى محمد صلى الله عليه وسلم في نهاية الحديث بقوله : يا محمد هل تدري فيم يختصم الملا الأعلى ؟
قلت أي الرسول صلى الله عليه وسلم (نعم في الكفارات والكفارات : المكث في المساجد بعد الصلاة والمشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء على المكاره ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه) حديث صحيح. ولو لم يكن المشي على الأقدام إلى الجماعات من الأعمال الجليلة ما كانت الملائكة المقربين يتخاصموا في إثباتها والصعود بها إلى السماء.
كما أن المشي إلى الجماعات من أسباب ضمان العيش بخير والموت بخير فقد جاء في الحديث السابق أنه من فعل ذلك أي الأعمال الثلاث المذكورة في الحديث ومنها : المشي على الأقدام إلى الجماعات فقد عاش بخير ومات بخير، فما أعظم هذا الضمان ! العيش بخير والموت بخير ومن تعاهد بذلك ؟ هو الله الواحد الذي لا أحد أوفى بعهده منه.
وليس هذا فحسب بل جعل الله المشي إلى الجماعات أيضاً من أسباب تطهير العبد من الذنوب فقد روى الإمام مسلم عن أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ..) وذكر منها (وكثرة الخطى إلى المساجد) حديث صحيح.
يقول الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله : (كل خطوة واحدة يرفع الله بها درجة وتحط عنه خطيئة وتكتب له حسنه) وهذه الزيادة الأخيرة (حسنه) في صحيح مسلم.
كما أن أجر الخارج إلى الصلاة المكتوبة من بيته لا داءها مع الجماعة متطهراً كأجر الحاج المحرم فقد روى الإمام احمد والإمام أبو داوود عن أبي إمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم) حديث حسن.
الله أكبر ! ما أعظم اجر الخارج إلى المسجد وإذا كان أجر العظيم على الخروج لأداء الصلاة مع الجماعة فكيف يكون الأجر عند أداءها مع الجماعة ؟
ومما يدل على فضل الذهاب إلى المسجد ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم من أن الخارج إلى الصلاة ضامن على الله تعالى فقد روى الإمام أبو داوود عن أبي إمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ثلاثة كلهم ضامن على الله عز وجل) وذكر منهم (ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة) حديث صحيح. ما أوثق هذا الضمان وأعظمه ! وأي ضمان يمكن أن يكون أوثق أو مثل ضمان الخالق القادر سبحانه وتعالى.
وروى الإمام ابن ماجه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليبشر المشاءون في الظلم إلى المساجد بنور تام يوم القيامة) حديث صحيح.
وقال الطيبي في شرح الحديث في وصف النور التام وتقييده بيوم القيامة تلميح إلى وجه المؤمنين يوم القيامة في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التحريم : 8).
وأختم في هذه النقطة بحديث في فضل المشي إلى المسجد لأداء الصلاة مع الجماعة ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح) حديث صحيح.

● آت المسجد زائر الله تعالى.
ومما يدل على فضل صلاة الجماعة في المسجد ما قاله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله وحق على المزور أن يكرم الزائر).

● فرح الله تعالى بقدوم العبد إلى المسجد لأداء الصلاة فيه.
ومما يدل على فضل الصلاة مع الجماعة في المسجد ما قاله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ (لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته) والبش كما يقول الإمام ابن الأثير هو فرح الصديق بالصديق.

● فضل انتظار الصلاة.
ومما يدل على فضل الصلاة مع الجماعة بأن من جلس في انتظارها فهو في الصلاة وان الملائكة تستغفر له وتدعو له بالرحمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة وتقول الملائمة : اللهم اغفر له اللهم ارحمه حتى ينصرف أو يحدث) حديث صحيح.
ويقول سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله : (والملائكة تصلي عليه في مصلاه قبل الصلاة في المسجد وبعدها مادام في مصلاه ما لم يؤذ بغيبه أو نميمة أو كلام باطل وما لم يحدث).

● فضل الصفوف الأولى وميامن الصفوف.
إن لصلاة الجماعة في الصفوف الأولى ولاسيما في الصف الأول فضلاً عظيماً، وقد بين ذلك الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عدة أحاديث هذا الفضل ومنها : قوله (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) حديث صحيح.
وروى الإمام أبو داود عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه).
يقول الشيخ احمد البنا في شرح قوله : (على مثل صف الملائكة) أي : في القرب من الله عز وجل ونزول الرحمة وإتمامه واعتداله.
كما أن الله تعالى وملائكته يصلون على الصفوف الأولى وميامن الصفوف فقد قال النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأولى) كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف).

● عجب الله تعالى من الصلاة في الجماعة.
ومما يدل على فضل صلاة الجماعة ما قاله الرسول الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (إن الله ليعجب من الصلاة في الجماعة).

● مغفرة الذنوب لمن صلى مع الجماعة بعد إسباغ الوضوء.
روى الإمام مسلم عن عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد غفر الله له ذنوبه) حديث صحيح.

● فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد.
روى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) حديث صحيح.
وفي الحديث الآخر الذي رواه البخاري عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) وقد جمع بين هذه الروايات بأن حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في جماعة والفضل خمس وعشرون وحديث السبع والعشرين ذكر فيه صلاته منفرداً وصلاته في الجماعة والفضل بينهما فصار المجموع سبع وعشرين وقال الإمام النووي رحمه الله : (والجمع بينها من ثلاثة أوجه) :
♦ أحدهما : أنه لا منافاة بينها فذكر القليل لا ينفي الكثير.
♦ والثاني : أن يكون قد اخبر أولاً بالقليل ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فاخبر بها.
♦ والثالث : أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة فيكون لبعضهم خمس وعشرون ولبعضهم سبع وعشرون بحسب كمال الصلاة، وقال الشيخ الإمام / عبدالعزيز ابن باز رحمه الله : (وأما التفاوت فهذا والله اعلم كان لعدم نزول فضل الزائد إلا بعد الناقص فاخبر بخمس وعشرين ثم اخبر بسبع وعشرين والله اعلم).
وقد استدل القائلون بأن صلاة الجماعة غير واجبة بهذه الأحاديث وأن صيغة أفضل تدل على الاشتراك في أصل الفضل ورد الشيخ عبدالعزيز بن باز ـ رحمه الله ـ على هؤلاء بقوله : (هذه الأحاديث تدل على فضل الجماعة وهذا التفضيل لا يلزم منه عدم الوجوب فصلاة الجماعة واجبة ومفضلة فلا منافاة بين التفضيل والوجوب ومن لم يصلها مع جماعة فصلاته صحيحة على الراجح مع الإثم).

● الصلاة في الجماعة تعصم العبد من الشيطان.
فقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (إن الشيطان ذئب للإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية وإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة). ومعنى ذئب الغنم أن الشيطان مفسد للإنسان بإغوائه كإفساد الذئب إذا أطلق في قطيع من الغنم.

● زيادة فضل الجماعة بزيادة عدد المصلين.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله عز وجل).

● براءتان لمن صلى أربعين يوماً يدرك التكبيرة الأولى.
قال معلم البشرية صلى الله عليه وسلم : (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان : براءة من النار وبراءة من النفاق) فما أعظم هذه البشارة !

● فضل صلاة العشاء والفجر والعصر في جماعة.
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله) والمراد بقوله : أي ومن صلى الصبح في جماعة بعدما صلى العشاء في جماعة فكأنما صلى الليل كله.
وقال عليه الصلاة والسلام : (من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله فمن اخفر ذمة الله كبه الله في النار لوجهه).
كما قال عليه الصلاة والسلام : (من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة) حديث حسن.
وكذلك إن أداءها في وقتها مع الجماعة من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار فقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (من صلى البردين دخل الجنة) وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) يعني الفجر والعصر.

● فضل صلاة الجماعة : الفضائل العامة.
من الفوائد والفضائل العامة :
♦ أنها رمز لوحدة المسلمين وجمع قلوبهم واتحاد صفوفهم فالرب واحد والنبي واحد والقبلة واحدة والهدف واحد وهو طلب رضا الله وجنته والسلامة من عذابه وسخطه.
♦ كما يحصل التوادد والتعارف وذلك لان الناس إذا صلى بعضه مع بعض حصل التعارف ومنها التوادد بينهم والتحاب.
♦ كما انه فيها إظهار لشعيرة من أعظم شعائر الإسلام لان الناس لو صلوا كلهم في بيوتهم ما عرف أن هنالك صلاة.
♦ كما أن فيها استشعار المسلم وقوفه في صف الجهاد كما قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) (الصف : 4) فهؤلاء الذين صاروا صفاً في الجهاد لا شك أنهم إذا تعودوا ذلك في الصلوات الخمس سيكون ذلك وسيلة إلى انتمائهم بقائدهم في صف الجهاد فلا يتقدمون ولا يتأخرون عن أوامره.
هذا ما تيسر جمعه من فضائل الصلاة مع الجماعة ولعل ما ذكر فيه الكفاية والدلالة على الفضائل الكثيرة العظيمة للصلاة مع الجماعة والله اعلم.

● اهتمام سلف الأمة بصلاة الجماعة.
لسلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم رضي الله عنهم مواقف تدل على إدراك عظيم لفضل صلاة الجماعة وسعيهم لنيله وحرصهم على دعوة الآخرين لأدائها بالجماعة.

● صلاة الجماعة : المقاربة في الخطى عند المشي إلى المسجد.
مما يدل على إدراك سلف هذه الأمة عظيم ثواب صلاة الجماعة وحرصهم على نيله أن بعضهم كان يقارب خطاه عند ذهابه إلى المسجد كي يكثر خطاه فيكثر ثوابه، فقد روى الإمام البخاري عن ثابت أنه كان مع أنس ـ رضي الله عنه ـ بالزاوية فوق غرفة له فسمع الآذان فنزل ونزلت، فقارب في الخطى فقال : كنت مع زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ فمشى بي هذه المشية وقال : أتدري لم فعلت بك ذلك ؟ فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشى بي تلك المشية وقال : أتدري لم مشيت بك ؟
قلت : الله ورسوله أعلم.
قال : ليكثر عدد خطانا في طلب الصلاة.

● المداومة على حضور صلاة الجماعة.
لقد ثبت عن بعض سلف هذه الأمة الاهتمام المستمر بصلاة الجماعة والمواظبة على حضورها لسنوات طويلة. فقد ذكر (الإمام ابن المبارك) عن (عدي بن حاتم) ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : (ما دخل وقت صلاة قط حتى أشتاق إليها) حيث لم يكن ـ رضي الله عنه ـ يشتاق إلى الصلاة فحسب بل كان يستعد لها قبل إقامتها فقد ذكر الحافظ الذهبي عنه أنه قال : (ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء).
وكان سعيد بن المسيب يحضر المسجد قبل الأذان واستمر على ذلك مدة لا تقل عن ثلاثين سنة فقد روى الأمام أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال : (ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد) ولم تفت صلاة الجماعة سعيد بن المسيب أربعين سنة فقد روى الإمام ابن سعد (ما فاتت ابن المسيب صلاة الجماعة منذ أربعين سنة).

● ترك العلاج حرصاً على جماعة العشاء والفجر.
مما يدل على ذلك ما رواه الإمام ابن سعد عن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه اشتكى عينه فقالوا : (لو خرجت يا أبا محمد إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة لوجدت لذلك خفة) والعقيق كما قال القاضي عياض هو واد عليه أموال أهل المدينة.
فقال ابن المسيب : (فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح) الله أكبر ! يتحمل سعيد بن المسيب مرضاً في العين لكنه لا يتحمل تفويت صلاتي الفجر والعشاء في جماعة فأين نحن من هؤلاء ؟

● حضور المرضى صلاة الجماعة.
مما يدل على ذلك الصحابي الجليل أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ حيث كان يسال الله الحمى كي تكفر سيئاته لكنه يسأل مع هذا أن لا يمنعه مرضه من أمور وذكر منها : حضور المسجد لأداء الصلاة المكتوبة مع الجماعة.
فقد روى الإمام احمد والإمام أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رجل لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا مالنا بها ؟
قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : كفارات.
قال أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ : وان قلت (بتشديد اللام وكسرها).
قال عليه ـ الصلاة والسلام ـ : (وان شوكة فما فوقها).
قال : فدعا أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ على نفسه أن لا يفارقه الوعك أي الحمى حتى يموت في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة، فما مسه إنسان إلا وجد حرها حتى مات.
ما أحرصه ـ رضي الله عنه ـ على تكفير سيئاته حيث دعا أن يصيبه الوعك لكنه مع ذلك رغب في أن لا يحرم من أربعة أمور ومنها حضور صلاة الجماعة.

● الذهاب إلى المسجد في الظروف الصعبة.
مما يدل على حرص سلف الأمة على نيل ثواب صلاة الجماعة سعيهم إليها في الظروف الصعبة ومن ذلك ما روي أنه قيل لسعيد بن المسيب (أن طارقاً يريد قتلك فتغيب).
فقال : (أبحيث لا يقدر الله علي) ؟
فقيل له : اجلس في بيتك.
فقال : اسمع حي على الفلاح فلا أجيب !

● اهتمام ولي الأمر بصلاة الجماعة.
مما يؤكد اهتمام سلف الأمة بصلاة الجماعة ما نجد من عناية ولاة أمور المسلمين الأوائل بها، فعلى سبيل المثال نجد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حينما بعث غلاماً إلى من كان قد ذهب بصره كي يقوده إلى المسجد فقد روى ابن سعد عن عبدالرحمن بن المسور بن مخرمة قال : جاء عمر رضي الله عنه سعيد بن يربوع إلى منزله فعزاه في ذهاب بصره وقال : (لا تدع الجمعة ولا الصلاة في مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ).
قال : ليس لي قائد.
فقال الفاروق : فنحن نبعث إليك بقائد.
فبعث إليه بغلام من السبى. ونجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ يمر في الطريق منادياً (الصلاة الصلاة) كان يوقظ بذلك الناس لصلاة الفجر وكان ـ رضي الله عنه ـ يفعل ذلك كل يوم.

● حادثة عجيبة تدل على حرص أحد المعاصرين على صلاة الجماعة.
كان سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله شديد المحافظة على صلاة الجماعة واليك هذه الحادثة التي تؤكد ذلك :
في يوم من الأيام كان سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز على موعد بعد صلاة الفجر فلم يصل في المسجد وذهب إليه مدير مكتبه ومعه أشخاص وانتظروه وقلقوا عليه وبعد ذلك خرج عليهم وسأل عن الوقت فأخبروه بأن الجماعة قد صلوا.
وكان ـ رحمه الله ـ متعباً في الليل ولم ينم إلا ساعة متأخرة وبعد أن قام للتهجد اضطجع فأخذه النوم ولم يكن حوله احد يوقظه أو يضبط الساعة المنبهة. وبعد أن علم أن الناس قد صلوا صلى ثم قال لمن كان معه : هذه أول مرة تفوتني صلاة الفجر.
وهذه الحادثة تفيدنا أن سماحة الشيخ / عبدالعزيز بن باز رحمه الله كان شديد المحافظة على صلاة الجماعة إذ كيف لا تفوته صلاة الفجر مع الجماعة طيلة عمره المديد إلا مرة واحدة ؟!
والأمثلة في هذا الباب كثيرة ولعل ما ذكر فيه الكفاية إن شاء الله تعالى للتعرف على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة بصلاة الجماعة.

● ختاماً :
اسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل مقبولاً مباركاً خالصاً لوجهه الكريم وان ينفعني به في حياتي وبعد مماتي وينفع به كل من انتهى إليه فانه سبحانه خير مسئول وأكرم مأمول وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين 1 - 1.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ المراجع التي استفدت بها في البحث :
1- صلاة الجماعة في ضوء الكتاب والسنة لفضيلة الشيخ الدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني.
2- أهمية صلاة الجماعة في ضوء النصوص وسير الصالحين للدكتور فضل الاهي.
3- كتاب رياض الصالحين للإمام النووي.
4- صحيح مسلم.
5- صحيح الترغيب والترهيب للألباني ـ رحمه الله ـ.
6- جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز ابن باز رحمه الله للشيخ محمد الموسى.
7- أربح البضاعة في فوائد صلاة الجماعة لفضيلة الشيخ عبدالله آل جار الله.

image
image الركن الثاني من أركان الإسلام : الصلاة ــ صلاة الجماعة.
صلاة الجماعة : توطئة
صلاة الجماعة : فضل صلاة الجماعة
الكاتب : شموخ الفهد
 0  0  1813
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:24 صباحًا السبت 9 ربيع الأول 1440 / 17 نوفمبر 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.