• ×

10:55 صباحًا , الإثنين 4 شوال 1439 / 18 يونيو 2018

◄ إيجابية المسلم : (العقيدة الصحيحة ـ التفكير السليم "الإيجابي" ـ القرارات السليمة ـ القيم والأخلاق).
■ معنى الإيجابية :
في اللغة الايجاب من "أوجبه إيجاباً أي لزم وألزمه" (لسان العرب)، وفي مختار الصحاح بمعنى : وَجَبَ الشيء يجِب وُجُوبَا لزِم واسْتَوْجَبَهُ استحقه. وفي الحكم الفقهي (الإيجاب والقبول) يترتب عليه عند القبول اللزوم والوجوب, وعند الأصوليين يأتي الواجب في الاحكام الخمسة وَهِيَ : الْوُجُوب وَالنَّدْبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ, ويأتي في أقسام العزيمة ؛ فريضة وواجب وسنة ونفل. وهو في الشرع اسم لما لزمنا بدليل فيه شبه مثل تعيين الفاتحة (أنظر : أصول البزدوي).
والذي يهمنا هو المفهوم المعاصر للإيجابية, والذي يقصد به إلزام المرء على نفسه ما ليس بواجب ابتداءً، بما يحمله من همة وعزيمة عالية اتجاه معالي الأمور ومكارم الأخلاق.
من هذا المنطلق, يتسع استخدم لفظ الايجابية في الوقت الحاضر, وبالأخص في مركز التنمية البشرية والتدريب وغيرها على نمطية من السلوك الانتاجي والناجح, في الغالب بُنيت على استقراء هذه النمطية من تجارب حقيقية, ويقعد لهذا المصطلح وفق هذا المنظور النفعي, والنفعية للأخرين, والتعاون, والمبادرة والانجاز وغيرها من أنماط السلوك الخير الذي يطلق على صاحبة بالإيجابي, وهذا من الأمور التي لا يختلف عليها أحد, ولكن غالبا وفق هذا الاتجاه تستثنى المسائل الاعتقادية, من قضية الإيجابية, بحيث يكون المعيار الوحيد هو النفع, وتقديم الأفضل للذات والغير, هكذا يتبادر للذهن, ونحن هنا في هذا الصدد نحب أن نربط الايجابية, وخاصة ايجابية الفرد المسلم, من خلال المفهوم المتوافق مع متطلبات المنظور الاسلامي الذي يشمل أمور غير الأمور التي ذكرت, تدخل فيها مسائل الاعتقاد, والفكر, وبما أوجبه الشرع على المسلم واما ندبه إليه, وما حرمه عليه, وما كرهه الشرع, بحيث تقترب الايجابية في مفهومها من الصلاح والاصلاح والفلاح والاحسان, وبهذا يمكن أن نعرف الايجابية بـمعنى : الايجابية حالة يتصف بها الفرد المسلم في جميع أحواله الاعتقادية, والتعبدية, والفكرية, والاخلاقية والسلوكية تتفق مع المبادئ العليا للإسلام. والتوافق مع المبادي العليا نعني بها السعي نحو الكمال, ودرجة الاحسان, والتي هي مطلب وغاية كل مسلم, وجاءت النصوص تحث على ذلك مثل : قوله تعالى: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفضْلُ الْكَبِيرُ) (فاطر ـ 32). وقول النبي عليه الصلاة والسلام : "إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها "(البخاري) وحديث : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (الترمذي). وحديث ابن مسعود الذي خرجاه في "الصحيحين" من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر". وإحسان الإسلام يفسر : هو بلوغ الكمال, باجتناب المحرمات والمكروهات وفعل الواجبات والمستحبات.

من خلال هذا المنظور نسعى إلى ربط هذا المفهوم العصري الذي يرتبط في غالب بالسلوك فقط, بكل مكونات الفرد المسلم من اعتقاد وسلوك وفكر, حتى لا يحدث الخصام النكد عند تنزيل هذا الوصف على الواقع الميداني, على الفرد المسلم بتركيز على السلوك فقط وتجاهل مسائل مهمة في الفكر والاعتقاد.

وبعد تجليت هذا الاشكال من ناحية التنظير نوضح هنا وفق هذا المنظور إلى الأسس التي يمكن نرد إليها الإيجابية بمفهومها الصحيح وهي :
■ ايجابية العقيدة الصحيحة الصافية الخالية من الشوائب والاعتقادات الفاسدة :
تركز على العمل والانتاج, وعلى التواكل على الله وحده. العقيدة الصافية جعلت الأوائل يخضون البحار والأمواج بخيولهم ليحققوا أهدافهم, العقيدة الصحيحة الصافية جعلت الأوائل يواجهون, أعتى الجيوش عددًا وعتادًا, ولم يلتفتوا إلى قبر أو ضريح, أو رمز, لينصرهم أو ليكون سببًا لنصرهم, بل تعلقت قلوبهم بربهم, وتوكلوا عليه, ثم على سلاحهم وتكتيكهم ودهائهم الحربي.
العقيدة الصافية, أخرجت أمة لعالم الوجود فريدة من نوعها لم يحاكيها أنموذج سابق في غاياتها وأهدافها وعملها وتضحياتها, أمة تعلقت ببارئها ولم تتعلق بالأشخاص والرموز, تعلقت بأهدافها وغاياتها, التي خطها لها نبيها, وبعد موته عليه الصلاة والسلام, لم يثبت أنهم ذهبوا إلى قبره عليه الصلاة والسلام يلتمسون منه القوة والاستعانة, ولم يثب أن أحد منهم حاول رسم صورة لهذا النبي العظيم الذي كان سبب خروجهم من الظلمات إلى النور, وقيادة البشرية, لأن قلوبهم معلقة برب الرموز وليس بالرموز.
العقيدة الصافية أخرجت أمة فريدة, وأفراد فريدون, القلوب والمهج متعلقة به سبحانه, حتى تناست الذات والذوات, عقيدة جعلت عبدالله بن عتيك يصرخ : "قتل الله أبا رافع". ولم يقل قتلت أبا رافع, وهو الذي نفذ العملية, هكذا تُنسى الذات في جنب الذات العليا, والغاية الكبرى, فرتفع قدرها وشأنها.
عقيدة صافية شهد بها الأعداء الذين درسوا أسباب انتشار الإسلام في أصقاع الأرض بهذه السرعة, وما أحدثه الاسلام من فتوحات وتغيير في العالم, كان السبب الرئيس هو عقيدة الفرد المسلم بكل مكوناتها, في الايمان بالله والتوكل عليه وحده, وفي القضاء والقدر, وما حصل للمسلمين من انتكاسة كان سببه الفهم الخاطئ والمغلوط لعقيدة القضاء والقدر التي أصبحت بالنسبة للبعض مُتَّكَأً لتبرري سلبيتهم وتقاعسهم في عالم الأفكار والأشياء, وبسببهم خف وهج ايجابية الاسلام. انها العقيدة يا سادة ! فلما ضربت العقيدة في مقتل, ضربت ايجابية هذه الأمة في عالم التأثير.
هناك أخطاء ومفاهيم كثيرة مغلوطة في هذا الجانب منها : أخطاء تتعلق بمفهوم ((لا إله إلا الله)). أخطاء تتعلق بمفهوم العبادة. أخطاء تتعلق بمفهوم والاء والبراء. أخطاء تتعلق بمفهوم التوسط في الدين, حتى أصبح التفريط اعتدالا والالتزام تشددًا, والتشبه بالكفار _ دون ضابط _ عصرية ومدنية, وأصبح السحر والشعوذة والكهنة طبًا تهفو إليه قلوب كثير من المسلمين. والاستعانة بغير الله توحيدا, وغيرها كثير من الأمر التي تضرب إيجابيه العقيدة في قلب المسلم, الذي أصبح عاجزا, لا يستطيع حل مشاكل عصره, صار أكثر وهنًا وخوفًا وتشتتًا, أصبح ينتظر الخوارق التي ستأتي لتحل مشاكلة, هذا العجز والوهن ما تغلغل إلى قلب المسلم إلا عندما ضربت العقيدة الفعالة في قلبه ووهنت.

■ ايجابية التفكير الايجابي :
الذي يركز على الطموحات لا على النزوات, فإن الطموحات لا تبنى إلا على أفكار ايجابية وعظيمة, فإن الطائرات العظيمة الضخمة لا تقلع الامن مدارج عظيمة وضخمة وطويلة, فكلما أرتقت الأفكار على الشهوات والنزوات وسيطرت عليها, كان الشخص يسير في طريق النجاح والسؤدد, فكلما علت النزوات والشهوات انحط المرء إلى حضيض الحيوانية وسيطرة الغريزة (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا). التفكير المآلي الاستشرافي هو في الحقيقة الذي يميز الانسان عن الحيوان, فالإنسان يحمل آمال وطموحات ولا يمكن الوصول إليها إذا كان تفكيره بهيمي غرائزي.
يجب الاهتمام بالفكر, لأنه هو جوهر السلوك, فأي تصرف أو سلوك مبدأه في الأصل فكرة, وأصل الخير والشر من قبل الفكر, فالفكرة تولد الإرادة, والإرادة تولد العزم, والعزم يولد الفعل والسلوك والتصرف. وهكذا يظهر السلوك السيئ والسلوك الخير حسب الفكرة, فإذا سما فكر الفرد المسلم سما سلوكه وتصرفه وخلقه, ويقول ابن القيم رحمه الله : "أنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد وفي طريق اجتلابها, وفي دفع مفاسد المعاد, وفي طرق اجتنابها, فهذه أربعة أفكار هي أجلّ الأفكار, ويليها أربعة : فكر في مصالح الدنيا, وطرق تحصيلها, وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها".. أهـ.
التفكير الايجابي يركز على التأثير في عالم الأفكار والأشياء والمشاعر والأخلاق والانجاز, ومن أبرز سمات التفكير الايجابي التغيير والتغير, لا ايجابية إلا بإحداث تغيير في عالم الأفكار والأشياء والعلاقات والعادات, من خلاله يكتسب المرء الايجابي أفكارًا وعلاقات وعادات ايجابية, ويتخلص من أفكار وعلاقات وعادات سلبية أخرى, ومن أعظم العادات السلبية التي يتعود المرء عليها البطالة وضياع الوقت والأوقات في أمور تافهة, لا تقدمه على مستوى الوعي, ولا على مستوى التأثير في عالم الأفكار والاخلاق والانجاز والعبادة والقربى.

■ إيجابية القرارات السليمة :
فقد سمى أينشتاين الجنون هو تكرر فعل الشيء نفسه وانتظار نتيجة مخالفة, وهذا يعني أن الانسان يتعلم من اخطائه. وإن كنا نسلم بصدق هذه العبارة ولكن ليس على الاطلاق. اذا الايجابي هو ليس الذي يرفع هذا الشعار, الإيجابية تعني ان ترفع شعار الخطأ الصفري. ولأننا بشر نخطئ, لكن لا نبرر تكرار الخطأ, لا يبرر كثرت الاخطاء بالنسبة للإيجابي, لا يبرر الاخطاء الكارثية التي تنسف القواعد والأصول, وتنسف الآمال والطموحات, الايجابي هو الذي يجتهد في تخفيض معدل الخطأ إلى صفر, معدل القرارت الخاطئة يكون صفرًا, أو يكاد أن يكون صفرًا, إلى متى ستظل تتعلم من أخطائك ؟

■ ايجابية القيم والأخلاق :
قضية الأخلاق والقيم تتمحور بشكلها الايجابي في قضيتين اساسيتين هما : التطبيق العملي, حتى تصير بالنسبة للإيجابي شعاره ودثاره, فهو يبحث عن الأخلاق السامية والفضيلة, ثم يعمل بها, ولا يكفي هذا. فلا بد من القضية الثانية, وهي الالتزام الصارم بها. والمرونة شيء منطقي ومطلوب في إطار الثوابت والمتغيرات, ولأن الالتزام يعني الثبات أمام المتغيرات والسيول الجارفة, فمن السهل أن تصطفي لك مجموعة من القيم والأخلاق النبيلة ثم تعمل بها, ولكن ليس من السهل أن تثبت على هذه القيم والخلاق, حينما تهب رياح الزوابع والقلاقل والضغوط الاجتماعية والمعيشية في دنيا الجنون والشهوات والشبهات والمتغيرات المتسارعة التي تعمل على تحويل الانسان إلى مجرد حيوان يلهث أما وراء حاجاته الضرورية, أو وراء شهواته ومستلذاته.

● فما هو العلاج المعين في مواجهة ذلك ؟
العلاج المعين في مواجهة ذلك هو الايجابية, التي يجب ان يتحلى بها المرء, وهي سلسلة مترابطة تبذأ من العقيدة الصافية, ثم التفكير الايجابي والسليم ثم القرارات السليمة والتزام العادات الايجابية والقيم والاخلاق الايجابية, فإذا ترابط البنيان وتشابك من الأساس إلى الأعلى, فإن كل ما يصدر من هذا البنيان فلا يمكن أن يشد عن القاعدة, أما إذا حدث خلل في احدى القواعد فإنها بدون شكل ستؤثر في جميع القواعد. فاذا كان الخلل مثلا في العقيدة أو الأفكار والتصورات, أو القرارات, فإن النتائج ستكون غير مرغوب فيها كما هو مشاهد عند كثير من المسلمين في الاخلاق والتصرفات وغيرها.
 0  0  5025
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:55 صباحًا الإثنين 4 شوال 1439 / 18 يونيو 2018.