• ×

04:47 مساءً , الجمعة 6 ذو الحجة 1439 / 17 أغسطس 2018



◄ عملية الفهم : (المفهوم ـ العناصر ـ المعوقات) ـ ملخص بحث.
■ كيف تتم عملية الفهم ؟
تهتم البحوث التي تجرى اليوم في ميدان علوم التربية بعدة مواضيع منها : نتائج العملية التربوية والظروف التي تجري فيها العملية التعليمية ونستطيع أن نقول أنها تولي اهتماما أكبر لما يقوم به المتعلم أثناء العملية التعليمية. وهكذا فإن البحوث التي تجرى في هذا الميدان بالإضافة إلى مواضيع أخرى تعمل على حصر العناصر التي من شأنها أن تساهم في إنجاح العملية التعليمية.

■ سنتطرق في هذا المقال إلى :
إشكالية الفهم وذلك لما لها من أهمية في العملية التعليمية، ذلك أن هذا الموضوع يشغل العديد من المهتمين بالأمور التربوية وخاصة المدرسين، وهذه الحيرة نابعة من كون تقدم المستوى الدراسي والتعليمي للمتعلمين لا يصاحبه تحسن في درجة كفاءة المتعلم. وبتعبير آخر، هناك نوع من عدم التناسب بين درجة كفاءة المتعلمين ومستواهم الدراسي. نعتقد أنه يمكن تفسير هذه الظاهرة في إطار التعريف التقليدي الذي أعطي للعملية التعليمية والذي بمقتضاه يكفي أن نقوم بعملية التدريس لكي يفهم التلاميذ، أي أن عملية التعلم تسير وفقاً لعملية التعليم.
في الواقع، تشير الأبحاث التربوية إلى أن هذين الحدثين مستقلان ومختلفان وأن هذا الاختلاف من شأنه أن يخلق نوعاً من عدم التوازن بين عملية التعليم وعملية التعلم، بل يمكن أن يكون سبباً في فشل العملية التعليمية. وهو ما دفع الباحثين للعمل والتركيز على أحد هذين المحورين.

كما أشرنا آنفاً، إن اهتمامنا في هذا العمل ينصب على محور عملية التعلم وبالذات على إشكالية عملية الفهم، وسنتطرق إلى هذا الموضوع متبعين الخطوات الآتية :
1- المقصود بعملية الفهم.
2- كيفية حدوث عملية الفهم.
3 – العوامل التي تعوق عملية الفهم.
4 – العناصر التي تلعب دوراً وتحدد مدى نجاح عملية الفهم.
5 – الانعكاسات التربوية.

1- ما هي عملية الفهم ؟
إن المقصود بعملية الفهم يمكن أن يختلف باختلاف مجالات المعرفة أو بتعبير آخر نقول أن كل تعريف يمكن أن يعكس مجالا معينا من مجالات المعرفة. وسنعتمد في هذا العمل على التعريفات المقدمة في مجالي علم اللغة النفسي وعلم التربية والامتحانات.
• ففي علم اللغة النفسي يعرف الفهم بأنه : (عملية تفاعل يلعب فيها القارئ والنص والسياق دوراً أساسياً، وفيها يقوم القارئ بعملية إنتاج للمعنى وذلك بتفسير محتوى النص انطلاقاً من معلوماته وأفكاره الشخصية ومن خلال ما يرمي إليه من عملية القراءة) [1].
• أما في مجال علم التربية والامتحانات فيعرف الفهم بأنه : (تمرين يطلب فيه المدرس من التلميذ أن يقرأ أو يسمع نصا ثم يجيب على عدد من الأسئلة التي يستطيع من خلالها التعرف على مدى فهم المتعلم للنص، ومعرفة مدى تحقيق الأهداف المنشودة من العملية التعليمية) [2].
انطلاقا من هذين التعريفين نستطيع أن نعتبر عملية الفهم في مجال علم اللغة النفسي، نشاطا يقوم به المتعلم لإعطاء معنى للأشياء؛ هذا في الوقت التي يعتبر علم التربية والامتحانات موضوع الفهم أداة نستطيع من خلالها معرفة المستوى الذي وصل إليه المتعلم في ميدان من ميادين المعرفة.
إننا في هذا المقال نركز على التعريف الذي يدخل في إطار علم اللغة النفسي، حيث يقول فرانك سميث Frank Smith : (الفهم هو عبارة عن عملية إعطاء معنى للأشياء) [3] ويذهب هذا الباحث إلى أبعد من ذلك حين يقول : (إن المعنى لا يأتي من النص إلى المستمع أو القارئ، بل القارئ هو الذي يأتي بالمعنى للنص) [4].
في نفس السياق عرف كل من هـنري بوايي وميشال بوزباش ريفاراH. BOYER et M. BUTZBACHRIVERA عملية الفهم بأنها : (عبارة عن إنتاج لمعنى وليست عملية تلق واستقبال) [5].
ويمكن القول، انطلاقاً من هذه المعطيات، إن الذي يحدد مستوى فهم النص ودرجته ليس طبيعة المحتوى ودرجة وضوح النص ولكن طبيعة المعلومات الأولية التي يمتلكها المتعلم والمتعلقة بمحتوى النص حول هذه النقطة تقول بريت ماري بارت Britt Mari BARTH : (إن ما يعرفه الفرد وطريقة معرفته له تؤثر على الطريقة التي يتعامل بها مع النص. فليس محتوى النص هو الذي يؤثر على المتعلم ولكن المعلومات التي يمتلكها هذا الأخير هي التي تمكنه من فهم معنى النص) [6].

2- كيفية حدوث عملية الفهم :
للتطرق إلى هذا الموضوع سنعتبر أن عملية الفهم تحدث نتيجة قيام الفرد بعدة عمليات ذهنية تسمح له بإعطاء معنى للنص. لقد كان هذا الموضوع محل اهتمام العديد من الباحثين، وفي هذا العمل سنقوم بذكر ثلاثة أعمال قام بها ثلاثة باحثين وقدموا ثلاثة نماذج محاولين من خلالها تفسير كيفية حدوث أو طبيعة العمليات الذهنية التي توصلنا إلى الفهم.
أ- النموذج الأول : وهو الذي اقترحه أنتوان دو لا جارندوري Antoine DE LA GARANDERIE زعيم التيار التربوي الذي يعرف باسم ”الإدارة التربوية للعمليات الذهنية” Pédagogie de la gestion mentale. يهتم هذا الباحث بدراسة طبيعة النشاط الذهني الذي يقوم به التلميذ أثناء العملية التعليمية، وهذه العملية حسب رأي أنتوان دول لاجارندوري ترتكز على عنصريين أساسيين هما :
• أولاً : المشروع.
ويقصد به أن يكون للتلميذ هدف يرمي الوصول إليه من وراء فهمه للمادة العلمية بل وأن يتصور نفسه عند حدوث العملية التعليمية في حالة تطبيق لذلك المشروع.
• ثانياً : تكوين صور ذهنية.
أثناء عملية التعلم يقوم التلميذ بتكوين صور ذهنية سمعية كانت أو بصرية لما يقوم به المدرس أثناء شرح الدرس. بتعبير آخر، لكي تتم عملية فهم المادة العلمية يقوم التلميذ بترجمة المعلومات إلى صور ذهنية. إن عملية الترجمة هذه تعتبر عملية أساسية لاستيعاب المعلومات ولاستدعائها من وقت إلى آخر، الأمر الذي يجب الإشارة إليه هو أن ترجمة المعطيات إلى صور ذهنية وبالتالي تخزينها داخل الذاكرة تتطلب إيجاد علاقة معينة بين المعطيات الجديدة والمعطيات التي تم تخزينها، فبدون إيجاد أي نوع من العلاقة لا نستطيع أن نترجم مضمون المادة العلمية إلى صور ذهنية وبالتالي لا تتم عملية الاستيعاب.
ب- النموذج الثاني : هو الذي قدمه جوديث إيروين Judith W. Irwin والذي أشار فيه إلى المراحل المختلفة التي تمر بها عملية الفهم، أو بتعبير آخر العمليات الذهنية التي يقوم بها القارئ لإعطاء معنى للنص. هذه العمليات هي :
أ- العمليات الأولية الصغيرة : وهي التي تدخل في فهم عناصر الجملة وتسمح لنا بالتعرف على الكلمات وقراءتها مع بعضها البعض.
ب- عمليات التكامل والدمج Les processus d’intégration : وهي التي تساعد على البحث عن التماسك والانسجام الموجود بين الجمل.
ج- العمليات الذهنية الكبرى : وهي التي تهدف إلى فهم المعنى العام للنص وذلك باعتباره كلا متكاملا وكذلك بفضل استعمال تركيبات أو أجزاء النص والتعرف على الأفكار الرئيسة.
د- عمليات التكوين Le processus d’élaboration : وهي تلك التي تسمح للقارئ بإعطاء معنى آخر للنص بفضل عمليات الاستنباط الشخصية والافتراضات والصور والعمليات الذهنية.
ج- النموذج الثالث : يدخل النموذج الثالث في إطار ما يسمى بنظرية النماذج [7]، وقد تطرقت باتريسيا كاريل إلى هذا النموذج Patricia L.CARELL عندما تحدثت هي الأخرى عن إشكالية الفهم وبينت في عملها أنه للوصول إلى ما يسمى بالفهم يقوم القارئ بعمليتين ذات اتجاهين مختلفين : ”العمليات ذات الاتجاه” أسفل - أعلى ”والعمليات ذات الاتجاه” أعلى - أسفل.
يعمل الفرد عند قيامه بالعمليات الذهنية ذات الاتجاه ”أعلى - أسفل” إلى إعطاء معان مسبقة لمضمون النص وذلك - كما أشرنا إليه - انطلاقاً من تجاربه السابقة ومعلوماته العامة، ثم يقوم القارئ بمقارنة تلك المعاني مع مضمون النص وذلك بقصد تأكيد أو استبعاد تلك المعاني المعطاة مسبقاً. أما العمليات ذات الاتجاه ”أسفل - أعلى” فهي التي تجري على مستوى الوحدات اللغوية أي على مستوى الأشياء المكتوبة، ويقوم الفرد من خلالها بمقابلة مضمون تلك الوحدات اللغوية مع معلوماته وذلك للتعرف على مدى تناسقها [8].
إن ما ذهبت إليه باتريسيا كاريل Patricia L. CARELL فيما يخص العمليات ذات الاتجاه ”أعلى - أسفل” يشير بطريقة واضحة إلى مختلف الأنشطة التي يقوم بها الفرد عند القراءة. كما رأينا حسب وجهة نظر هذه الباحثة يقوم الفرد عند القراءة بنوعين من العمليات الذهنية هما :
أ- تكوين معان مسبقة حول محتوى النص.
ب- فحص محتوى النص لتأكيد هذه التصورات أو تغييرها.
إن العمليات التي تجري على هذا المستوى ”أعلى - أسفل” تمثل بالنسبة لباحثين آخرين مثل جيرار فينيي Gérard Vigner جوهر عملية القراءة. وحول هذا الموضوع يقول هذا الباحث : ”يقصد بعملية القراءة تكوين افتراضات دلالية لمحتوى النص. وتستمر عملية الافتراض هذه حتى يصل القارئ إلى المعنى الذي يرمي إليه الكاتب” [9].
انطلاقاً من التعريف المقدم من جيرار فينييه Gérard Vigner حول عملية القراءة نستطيع أن نقول أن ما تسميه باتريسيا كاريل Patricia L. CARELL بالعمليات ذات الاتجاه ”أسفل - أعلى” تحتل أو تلعب دورا ثانويا في عملية الفهم. يقول جيرار فينيي Gérard Vigner في هذا الخصوص : ”يبدو في النهاية أن الذي يلعب دورا رئيسيا في عملية الفهم هي العمليات الذهنية التي يقوم بها القارئ وليس درجة الكفاءة في اللغة، إذ تلعب هذه الأخيرة دورا ثانويا في عملية الفهم. يقوم الفرد عند القراءة بعدة عمليات ذهنية ويستخدم معلوماته العامة وبالتالي تحتل أو توضع العناصر المتعلقة بالوحدات اللغوية في الدرجة الثانية علماً بأن درجة كفاءة القارئ تحظى حسب النظرة التقليدية للعملية التعليمية ببالغ الأهمية” [10].
بينما تطرق كل من باتريسيا كاريل Patricia L. CARELL وجيرار فينييه Gérard Vigner إلى إشكالية عملية الفهم منطلقين من طبيعة العمليات التي يستخدمها أو يقوم بها الفرد عند القراءة، تناول فرانك سميث Frank Smith الموضوع نفسه مركزا اهتمامه على طبيعة المعلومات التي يعتمد عليها القارئ. يقول هذا الباحث : تعتمد عملية القراءة على المعلومات التي يستقبلها الجهاز البصري وعلى المعلومات الموجودة في ذهن القارئ أي في ما يسمى بتركيبته الذهنية [11] Sa structure cognitive إن قول فرانك سميث Frank Smith يمكن أن يجعلنا نعتقد أن الجهاز البصري يلعب دورا رئيسيا في عملية القراءة. في الواقع، إن وظيفة الجهاز البصري تتمثل في استقبال المثيرات وإرسالها إلى الدماغ على هيئة ذبذبات عصبية تكون متوافقة للمثيرات التي تم استقبالها. إن هذا يعني أنه على مستوى الجهاز البصري تبقى المعلومات بدون مضمون دلالي. إن هذا الأخير يُعطى من طرف القارئ بعد قيامه بعملية استبعاد واختيار [12] على مستوى الدماغ.
يقول كل من ميشال شميت وآلان فيالاM. P. SCHMITT, A. VIALA : “إن القراءة هي أولا عملية إدراك لمجموعة من الإشارات البصرية. عملية الإدراك هذه لا تؤدي إلى إعطاء معنى إلا بعد قيام الفرد بمجهود إقصائي واختياري بالغ الأهمية للافتراضات التي تتناسب مع محتوى النص” [13].
في نهاية حديثنا عن طبيعة العمليات المؤدية إلى عملية الفهم، نستطيع أن نقول انطلاقاً من مختلف المقولات التي سردناها أن القارئ يستخدم عضوين هما : الجهاز البصري والدماغ. فمعرفة طريقة عمل هذين العضوين تمكننا من اتباع طريقة مثلى عند القراءة وبالتالي نتوصل إلى فهم محتوى النص. في الحقيقة، لكي ندير عملية القراءة بشكل فعال، علينا أن نعرف أولا كيف نقرأ. إن معرفة القراءة هي قبل كل شيء حسن إدارة النظام البصري. يقول فرانك سميث Frank Smith في هذا الخصوص : ”يكون التقاط المعلومات في نظرة واحدة في الخمس أجزاء الأولى من المائة من الثانية أو أقل من ذلك، أما في بقية الوقت فليس للجهاز البصري أي وظيفة في عملية القراءة حينها يقوم الدماغ بمعالجة المعلومات المرسلة إليه. فإذا تم إرسال معلومات جديدة إلى الدماغ ولم يفرغ هذا من معالجة تلك التي أرسلت إليه في فترة سابقة، لا يقوم الدماغ بمعالجة المعلومات الجديدة أو يهمل معالجة المعلومات التي لم تعالج بعد. وفي كلتا الحالتين تحدث عملية إهمال لجزء من المعلومات المرسلة إليه”.
إن ما أشار إليه فرانك سميث Frank Smith عن آلية عمل الجهاز البصري، يسمح لنا بالقول أن اتباع طريقة ”الكلمة تلو الكلمة أثناء القراءة” لا تسمح للدماغ بمعالجة جميع الكلمات المرسلة إليه. علينا إذن أن نتبنى طريقة ”القراءة الكلية” بمعنى أن يقوم القارئ بعملية مسح وإرسال مجموعة من الكلمات في آن واحد. إن هذه الطريقة تمكن الدماغ من الانتهاء من معالجة جميع المعلومات المرسلة إليه وبالتالي يتوصل القارئ إلى إعطاء معنى للنص.

3- العوامل التي تعيق عملية الفهم :
أثبتت الدراسات العلمية أن للكائن البشري نوعين من الدماغ : الدماغ البدائي والدماغ العلوي أو القشري، ولكل من هذين الدماغين علاقة مع العملية التعليمية من حيث النجاح والفشل.
حول وظيفة هذين الدماغين يقول ميشال دو كوافي Michel de Coeffé :
• الدماغ البدائي : يرسل الدماغ البدائي المعلومات القادمة من الحواس من الواقع إلى درجة الوعي، ويقوم بتخزينها بعد إتمام تغييرها حسب الغرائز والواقع المعاش. إن هذا النوع من الدماغ يقوم بترغيب الفرد أو تنفيره وذلك لكي يجد له متعة أو ليجنبه الإزعاج. ومن ثم يقوم هذا النوع من الدماغ بإعادة نفس نماذج العمل الذهنية.
• الدماغ العلوي أو القشري Le cerveau supérieur ou Cortex : يقوم هذا الدماغ بإصلاح تجاوزات الدماغ البدائي و يحاول أن يبصر العالم بطريقة أفضل ويتعامل معه. إن ميزة الدماغ العلوي عند مقارنته بالدماغ البدائي تكمن في قدرته على الانفتاح وقدرته عن طريق التبادل المستمر أن يكتسب آليات عمل جديدة وأن يطبقها وبالتالي يقوم بتخزينها، إن هذا الدماغ ينمي نفسه بنفسه [14].
مما سبق ذكره عن وظيفة الدماغ البدائي والدماغ العلوي، يمكننا القول إن بعض مشكلات الطلبة الدراسية يمكن أن تعود إلى اعتماد بعض المتعلمين في دراستهم على الدماغ البدائي. في الواقع، إن هذا المستوى من الدماغ يقوم بمقارنة محتوى المادة الدراسية والتراكيب الذهنية الموجودة في الذاكرة. وإذا كان هناك تطابق بين هذه المعطيات وتلك، فإن الدماغ البدائي يسمح بمرور المعلومة، أما إذا لم يكن هناك تطابق أي في حالة وجود معطيات لا يمكن فهمها بتطبيق النماذج الذهنية المخزنة في الذاكرة، فإن هذا النوع من الدماغ يقوم برفض هذه المعلومة ووضعها في صورة نحكم عليها بالصعوبة.
إن هذا الإحساس يقف حائلا أمام القيام بأي مجهود لفهم المادة العلمية، الأمر الذي يجعل كل عملية تعليمية مستحيلة. إن نجاح العملية التعليمية تتطلب من التلميذ السيطرة على الدماغ البدائي والاعتماد على المستوى العلوي من الدماغ لأنه هو الذي يمكنه من إثراء نماذجه الذهنية ومن فهم المادة العلمية فيما بعد.
يمكننا أن نتطرق إلى هذه النقطة - أي العوامل التي تعيق عملية الفهم - من حيث طبيعة النشاط الذهني الذي يقوم به المتعلم ونتساءل لماذا لا يستطيع بعض المتعلمين استرجاع المعلومات.
إن عملية فهم المادة العلمية من عدمه تجعلنا نتساءل لماذا لا يستطيع بعض الطلبة استرجاع محتوى الدروس على الرغم من قيامهم بنشاط ذهني لاستيعاب المادة العلمية. إن هذا السؤال يقودنا إلى الحديث عن نوع آخر من النشاط الذهني الذي يقوم به التلاميذ الذين لا يتحصلون، في أغلب الأحيان، على نتائج مرضية. في الواقع، إن النشاط الذهني الذي يقوم به هؤلاء التلاميذ لا يرمي إلى فهم المعلومات وبالتالي إلى استيعابها وتخزينها في الذاكرة البعيدة الأجل، ولكنه يرمي إلى حفظ المادة العلمية عن ظهر قلب. في هذا الخصوص يمكن لنا أن نطرح السؤال الآتي : لماذا لا تؤدي عملية حفظ المعلومات المحفوظة عن ظهر قلب إلى استيعابها وبالتالي إلى إنجاح العملية التعليمية ؟ للإجابة على هذا السؤال يمكن القول أن في الذاكرة بعيدة الأجل وسطين هما :
• الوسط اللفظي : وفيه تخزن المعلومات التي حفظت عن ظهر قلب والتي لم يتم ترجمتها إلى صور ذهنية.
• الوسط الدلالي : وفيه تخزن المادة العلمية التي تم استيعابها وترجمتها على هيئة صور ذهنية.
عندما يقوم التلميذ بحفظ المادة الدراسية عن ظهر قلب، أي دون إيجاد أي علاقة بين المعلومات التي تم استيعابها في فترة سابقة والمعلومات التي هو بصدد دراستها، تخزن المعلومات في الوسط اللفظي. إن طبيعة النشاط الذهني الذي يقوم به المتعلم في هذه الحالة لا يمكن التلميذ، في أغلب الأحيان من استرجاع المعلومات والاستفادة منها في فترة متقدمة من التعليم. بتعبير آخر، يمكن القول إن التلميذ الذي يعتمد فقط في دراسته على عملية الحفظ عن ظهر قلب، يجد نفسه غير قادر على استيعاب محتوى الدروس. وهذا الشيء يبين لنا أسباب فشل التلاميذ الذين يقضون ساعات طويلة في المذاكرة دون الحصول على نتائج مرضية. والعكس من ذلك فإن النشاط الذهني الذي يقوم به المتعلم يرمي إلى فهم المادة العلمية بحيث يصل التلميذ إلى تكوين صور ذهنية يمكن تخزينها في الوسط الدلالي. إن الاعتماد على هذه الطريقة في التعلم هي التي تعطي أفضل النتائج شريطة أن يقوم التلميذ بمراجعة ماتعلمه بطريقة علمية. إن عملية المراجعة هذه تجعل المعلومات في حالة يسهل استدعاؤها ووضعها في الذاكرة القريبة الأجل حتى يتم توظيفها لفهم المادة اللاحقة.

4 - العناصر التي تلعب دوراً في عملية الفهم وتحدد مدى نجاح العملية التعليمية :
إن طبيعة عملية الفهم تحتم على الباحث الاعتماد على نتائج العملية التعليمية لدراسة هذا الموضوع. بتعبير آخر يمكن أن نقول أن عملية الفهم تجري في ما نسميه بالصندوق الأسود Black Box. إن هذه الخاصية لم تمنع الباحثين وخاصة علماء النفس من تقديم عدد من الافتراضات لشرح العناصر التي تتدخل في إدارة العمليات التعليمية. وقد انطلق هؤلاء الباحثون من نقطتين هما :
أ- النتائج التي توصل إليها المتعلم بعد فترة معينة من التعليم.
ب- وضعية أو حالة المتعلم وقت انطلاق العملية التعليمية.
ويعتمد الباحثون عند دراستهم للنقطة الأولى على نتائج العملية التعليمية معتمدين على الدرجات المتحصل عليها وذلك باعتبارها أداة تسمح لنا بإيجاد نوع من العلاقة بين المدخلات والمخرجات.
أما فيما يخص وضعية المتعلم وقت انطلاق العملية التعليمية ويقصد بها ”مجموعة المعطيات الشخصية التي يمكن أن تكون لها علاقة بالعملية التعليمية وكذلك التي تؤثر أو يمكن أن يكون لها تأثير على حدوث العملية التربوية ونتائجها” [15] لقد ركز بنجامين بلوم Benjamin S. Bloom على هذا الموضوع عند دراسته للمردود الدراسي في إطار ما سماه “بتاريخ التلميذ “وقد قام هذا الباحث بتقسيم وضعية المتعلم إلى جانب معرفي وجانب وجداني.
يقول بنجامين بلوم Benjamin S. Bloom بالنسبة للجانب المعرفي : ”إن حالة المتعلم المعرفية تمثل جانبا من تاريخ التلميذ الذي له دور هام في المراحل التعليمية اللاحقة” [16] أما بالنسبة للجانب الوجداني فيقول الباحث نفسه : ”إن الطريقة التي يُقيِّم بها التلميذ نفسه في مراحل التعليم السابقة سواء كانت النتيجة بالسلب أو الإيجاب تحدد الخصائص الوجدانية لحالة المتعلم عند انطلاق عملية التعليم في المراحل اللاحقة” [17] إلى جانب وضعية المتعلم وقت انطلاق العملية التعليمية تطرق بنجامين بلوم Benjamin S. Bloom إلى عنصر آخر يمكن أن يساهم في إنجاح العملية التربوية. هذا العنصر هو ”نوعية عملية التعليم” ويقصد بها : “الخصائص العامة للعملية التعليمية من حيث التفاعل بين عملية التعليم وعملية التعلم” [18].
إن هذه العناصر الثلاثة لا تلعب الدور نفسه أو لا تساهم بنفس الدرجة في إنجاح العملية التعليمية. فمن وجهة نظر بنجامين بلوم Benjamin S. Bloom : ”إن وضعية المتعلم المعرفية في بداية العملية التعليمية يمكن أن تفسر حوالي % 50 من الاختلافات الموجودة بين التلاميذ من حيث المردود الدراسي، في حين أن الخواص الوجدانية يمكن أن تفسر % 25 من هذه الاختلافات. إن هذين الجانبين يمكن أن يفسرا حوالي % 75 من الاختلافات من حيث المردود في النشاط التعليمي اللاحق” [19].
إن الاختلافات الموجودة بين العناصر التي ذكرناها من حيث الأهمية يقابلها اختلافات من حيث الأثر الناتج عن غياب أو حضور هذا العنصر أو ذاك. يقول بنجامين بلوم Benjamin S. Bloom في هذا الشأن : ”إذا كان التلاميذ يملكون المعلومات الأولية الضرورية للقيام بنشاط تعليمي معين، فيجب أن يكون النجاح حليفهم إذا كانت لديهم الرغبة في التعلم وإذا كانت نوعية التدريس ملائمة لخصائص المتعلمين” [20].
”يستطيع التلاميذ أن يتعلموا ولو لم تكن لديهم الرغبة الأكيدة في الدراسة، ولكنهم يخفقون في غياب المعلومات الضرورية الأولية حتى ولو كانت لديهم الرغبة الأكيدة في الدراسة” [21].
”إذا كانت لديهم الرغبة الأكيدة في التعلم ويمتلكون المعلومات الأساسية الضرورية يستطيع التلاميذ أن يتعلموا حتى في ظروف تعليمية سيئة” [22].
توضح لنا المقولات الثلاث التي ذكرناها أهمية الدور الذي تلعبه المعلومات الأولية وقت انطلاق العملية التعليمية. في الحقيقة، يلعب هذا العنصر دورا مهما، إذ أنه يحدد بل ويقرر مدى نجاح العملية التعليمية أو فشلها. يمكن لنا القول إنه يسمح لنا بالتنبؤ بنتائج العملية التربوية.

5- الانعكاسات التربوية :
إن قراءة هذا العمل يدفعنا إلى طرح العديد من التساؤلات ذات طبيعة منهجية. نستطيع أن نقول أن بعضها من شأنه أن يدفع بعض المدرسين إلى إعادة النظر في طريقة تدريسهم. فكما سبق وأشرنا : عملية الفهم ليست ناتجة عن شرح كلمات أو جمل بل إنها عملية إنتاج. إن هذا التعريف لعملية الفهم ينبع من المفهوم الجديد للعملية التعليمية، حيث ننتقل من نموذج لعملية الفهم يلعب التلميذ فيه دور المتلقي والمستهلك للمعلومات إلى نموذج يلعب فيه هذا الأخير دور المبدع. وبتعبير آخر، إننا ننتقل من نموذج لعملية الفهم يتيح لنشاط المتعلم مجالا ضيقا، إلى نموذج يلعب فيه النشاط الذهني الذي يقوم به الدور الأساسي في عملية الفهم.
إن إعطاء هذه الدرجة من الأهمية لهذين العنصرين يتطلب نظرة جديدة وطريقة تعامل جديدة مع النص، ومن شأن هذه النظرة الجديدة أن تزود التلاميذ بالأدوات التي يمكن أن تسهل اكتساب ما يسمى ”بمهارة القراءة” وبالتالي ”مهارة الفهم” وكما سبق وبيَّنا فإن عملية الفهم تتميز بالتفاعل بين نوعين من الآليات : الآليات التي تعتمد على النص والآليات التي تعتمد على المعلومات. إن بين هذه الآليات وتلك علاقة بمعلومات القارئ العامة. إن طبيعة هذه المعلومات الأولية والأساسية يمكن أن تسهل نشاط التلميذ أو تعيقه. إن هذه الوضعية التي تحمل جانب الإلزام تدفع المدرسين الحريصين على إنجاح العملية التعليمية إلى اقتراح النصوص التي تحتوي على مضامين ذات محتوى معروف من قبل التلاميذ. في الواقع، إن اقتراح مواضيع ذات مضمون جديد يدفع بالمتعلمين إلى الاعتماد لفهم النص على المعلومات الموجودة داخل النص فقط، وهذه الطريقة لا تجدي أبدا. وبتعبير آخر يمكن أن نقول أن غياب المعلومات الأولية والأساسية ذات العلاقة بمحتوى النص يدفع التلاميذ إلى تبني عند القراءة ما سماه فرانك سميث Franck Smith بطريقة القراءة أو ”الرؤية النفقية” [23]. يقول هذا الباحث حول هذه النقطة : ”إننا لا نستطيع أن نتوصل إلى عملية الفهم إذا انتهجنا في القراءة طريقة” الرؤية النفقية ”سواء كان ذلك على مستوى الكلمة أو النص” [24].
إن طبيعة الدور الذي تلعبه المعلومات العامة والأولية في عملية الفهم يمكن أن تشرح لنا سبب بعض حالات الفشل الدراسي. وبتعبير آخر، نستطيع أن نقول إن عدم امتلاك المعلومات العامة يمكن أن يمثل عائقا يحول دون الوصول إلى الأهداف المرجوة من العملية التربوية. يمكن أن نقول كذلك إنه في حالة استيعاب هذه المعلومات الأولية فقط من قبل جزء من التلاميذ تصبح هذه المعلومات عاملا مولدا للفروق بين التلاميذ الموجودين في المجموعة الواحدة. يقول ميشال سانت أنج Michel Saint Onge : ”تشير البحوث الآن إلى أن ما يميز التلاميذ الكبار عن التلاميذ الأقل سنا، التلاميذ الجيدين عن التلاميذ الضعاف، المستجدين عن المختصين هو الاختلاف الموجود في مستوى المعلومات الأولية وقت انطلاق العملية التعليمية والثروة اللغوية ومجموعة الأساليب الذهنية التي يستعملها الفرد أثناء عملية القراءة” [25] إن هذا يقودنا إلى القول أن عدم أخذ وضعية المتعلمين بعين الاعتبار وقت انطلاق العملية التعليمية يمكن أن يكون سببا في فشل هذه العملية، وبتعبير آخر، إن اتباع طريقة ما نسميه ”إنهم في الصف كذا، والمفروض معرفتهم هذه الأشياء” لا تضمن نجاح العملية التعليمية ولا ينتج على ذلك إلا وضع التلاميذ في حالة فشل دراسي منذ انطلاق العملية التعليمية. هذا، إلا إذا قام المدرس بمراجعة طريقته في التعليم؛ بمعنى آخر : إذا قام المدرس بعملية ملاءمة بين عملية التعليم وعملية التعلم. وحول هذه النقطة يقول بنجامين بلوم Benjamin S. Bloom : “إن المنهج المحدد بطريقة دقيقة ليتم تدريسه على هذه الصورة ودون أي تحوير محتمل يفقد معناه عندما لا يملك التلاميذ المعلومات الأولية الأساسية المعرفية المناسبة. إن غياب هذه المعلومات تحول دون وصول التلاميذ إلى الهدف المحدد كمعيار لنجاح العملية التعليمية. وعلى العكس من ذلك، إذا كانت احتمالية التغيير في طبيعة النشاط التعليمي واردة. في هذه الحالة، يمكن للتلاميذ الذين لا يملكون بعض المعلومات الأولية أن يقوموا بعملية استدراك لتلك المعلومات بفضل طبيعة طريقة التدريس المتبعة من قبل المدرس” [26].
من قراءتنا لمقولة بنجامين بلوم يمكن أن نفهم أن نجاح العملية التعليمية يتطلب في التدريس تبني طريقة من شأنها أن تجعل هذه العملية ذات طبيعة تفاعلية بين عملية التعليم وعملية التعلم. في الواقع، يمثل المتعلم الآن الركيزة الأساسية في العملية التعليمية، ذلك أن هذا الأخير يعتبر المحور الرئيسي لأغلب البحوث التي تجرى في الوقت الحالي. إن هذا التصور لدور المتعلم يمكن أن يدفع جزءا من المدرسين إلى إعادة النظر في طريقتهم في التدريس وذلك من مرحلة تحضير الدروس إلى مرحلة تقييم نتيجة العملية التعليمية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
1- BLOOM (B.S) Caractéristiques individuelles et apprentissage scolaire, Paris, Fernan Nathan, 1979.
2-DE CORTES (E) Les fondements de l’action didactique, Bruxelles, DE Boeck Université Weswael, .1990
3- DE LA GARANDERIE (A) Pédagogie des moyens d’apprendre, Paris, Le Centurion, 1982.
4- GREBOT (E) Images mentales et stratégies d’apprentissage, Paris, ESF, 1994.
5- MOIRAND (S) Situations d’écrit, Paris, CLE international, 1979.
6- SAINT ONGE (M) Moi, j’enseigne, mais eux, comprennent – ils ?, Lyon, Chronique sociale, 2 Ed, 1993.
7- SCHMITT (M.P) VIALA (A) Savoir lire, Paris, Didier, 1982.
8- BARTH (B.M) Le savoir en construction, Paris, RETZ, 1993.
9- BOYER (H) BUIZBACH RIVERA ;Nouvelle introduction à la didactique du français langue étrangère .Paris ,CLE international ,1990
10-CARELL (P.L) ”Rôle des schémas du contenu et des schémas formels” ,le français dans le monde, recherches et application, février – mars 1990, pp 16 - 29.
11- LE GENDRE (R) Dictionnaire actuel de l’éducation, Montréal, Guérin, 1993.
12- SMITH (F) La compréhension et l’apprentissage, Canada, HRW, 1979.
13- VIGNER (G) Lire du texte au sens, Paris, CLE international, 1979.
[1] R. LEGENDRE; Dictionnaire actuel de l’éducation , Montréal, Guérin, 1993, 2 Edition, p 229.
[2] نفس المرجع، نفس الصفحة
[2] F. SMITH; La compréhension et l’apprentissage , Canada, HRW, 1979, p .103.
[4] نفس المرجع، ص 94.
[5]H. Boyer, M. Butzbach- Rirera; Nouvelle introduction à la didactique du français langue étrangère,Paris, CLE International, 1990, p 132.
[6] Britt – Mari BARH ; Le savoir en construction , Paris, Retz, 1993, p 35.
[7] إن المعلومات الموجودة في الذاكرة مخزنة على هيئة نماذج إدراكية. لفهم معلومة معينة، يقوم الفرد باستدعاء أو الرجوع إلى النموذج الذهني الذي يحتوي على الى المعلومات التي لها علاقة بالمعلومات التي يراد فهمها.
[8]Patricia L. CARELL; “Rôle des schémas de contenu et des schémas formels “, le français dans le monde, Recherches et application, février – mars, 1990, p 17.
[9] Gérard VIGNER,” Lire du text au sens “ , Paris, CLE international, 1979, p 33.
[10] نفس المرجع، ص41.
[11] F. SMITH, op cit, 51.
[12] يقصد بذلك عملية استبعاد للإفتراضات غير الممكنة واختيار للإفتراضات التي يمكن أن تتماشى مع مضمون النص. نقول ”يمكن” لإن الإفتراض يبقى افتراض إلى نهاية النص.
[13] M. P. SCHMITT, A. VIALA, Savoir – lire , Paris, Didier, 1982, p 13.
[14] 6 – Michel de Coéffé , ” Guide des méthodes de travail “, Paris, Dunod, 1993, p10.
[15]E. DE CORTES (et all) Les fondements de l’action didactique ,De Boeck Université Weswael, Bruxeles, 2 Ed, 1990, p 84.
[16]B. S. BLOOM Caractéristiques individuelles et apprentissages scolaires ,Fernand Nathan, Paris, 1979, p76.
[17] نفس المرجع، ص 110.
[18] نفس المرجع، ص 138.
[19] نفس المرجع، ص 115.
[20] نفس المرجع، ص 43.
[21] نفس المرجع، ص 112.
[22] نفس المرجع.
[23] يتبع القارئ ”القراءة النفقية” إذا كانت المعلومات الموجودة لديه لا علاقة لها بفهم النص أو غير كافية لفهمه، فيحاول أن يصل إلى المعنى من خلال المعلومات الموجودة داخل النص.
[24] نفس المرجع، ص 62.
[25]M. SAINT ONGE, ”Moi, j’enseigne, mais eux apprennent – ils” ,Lyon, Chronique Sociale, 2 Ed, 1993, p 62.
[26] بنجامين بلوم، ص 116.
أ.د. ناصر عبدالحميد يونس.
 0  0  5184
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:47 مساءً الجمعة 6 ذو الحجة 1439 / 17 أغسطس 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.