• ×

02:41 صباحًا , الأحد 10 شوال 1439 / 24 يونيو 2018

◄ في الشريعة الإسلامية : ثقافة الحرب (حقائق تاريخية).
● ثقافة الحرب في الإسلام :
لم تكن الحرب في الإسلام حربًا عدوانية من أجل السلب والنهب، أو من أجل مكسب دنيوي زائل، بل لتكون كلمة الله هي العليا؛ لذلك كانت همة المجاهدين تهون أمامها الجبال، ورُوحهم المعنوية تتحطَّم على صخرتها الصعاب؛ لقوله تعالى : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْـمُعْتَدِينَ) (البقرة : 190) فكانت هذه الروح المعنوية القوية - التي لا حدود لها - من أقوى العوامل التي أَثَّرت على نجاح العسكرية الإسلامية؛ لذلك يقول عبادة بن الصامت للمقوقس عظيم القبط : (إنما رغبتنا وهمَّتنا الجهاد في الله واتباع رضوانه، وليس غزونا عدوًّا ممن حارب الله؛ لرغبة في الدنيا، ولا حاجة للاستكثار منها، إلا أنَّ الله قد أحلَّ ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً، وما يُبالي أحدنا أكان له قناطير من ذهب، أم كان لا يملك إلا درهمًا؛ لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها، يسدُّ بها جوعته ليلته ونهاره، وشَمْلة [1] يلتحفها؛ وإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله تعالى، واقتصر على ما بيده، ويبلغه ما كان في الدنيا؛ لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء؛ إنما النعيم والرخاء في الآخرة؛ بذلك أمرنا الله، وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا في الدنيا إلا ما يُمْسِك جوعته، ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضاء ربه وجهاد عدوه، وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحًا ومساءً أن يرزقه الشهادة، وألا يَرُدَّه إلى بلده، ولا إلى أرضه، ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا هَمٌّ فيما خلفه، وقد استودع كل واحد مِنَّا ربه أهله وولده، وإنما همنا أمامنا) [2].
وتميزت العسكرية الإسلامية كذلك بالرُّوح الجماعية التي يشعر معها كل إنسان في المجتمع الإسلامي أنه مسئول عن تحقيقها مصداقًا لقوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا) (آل عمران : 103).
ولقول رسوله : (يَدُ اللهِ مَعَ الْـجَمَاعَةِ) [3] ولذلك نجد الحباب بن المنذر يقول لرسول الله في غزوة بَدْر، عندما رأى أن الموضع الذي نزل فيه المسلمون لن يُحَقِّق لهم نصرًا مؤكَّدًا على عدوِّهم : يا رسول الله، أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكَهُ الله، ليس لنا أن نُقَدِّمه ولا نتأخَّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : "بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْـحَرْبُ وَالْـمَكِيدَةُ" فقال : يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوِّر ما وراءه من القُلُب [4]، ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ماء، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله : "لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ" فنهض رسول الله ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُبِ، فغوِّرت، وبني حوضًا على القليب الذي نزلَ، فمُلِئ ماءً ثم قذفوا فيه الآنية" [5].
ولم يكن تحرك المسلمين لتجهيز جيش العسرة في غزوة تبوك إلا انطلاقًا من شعورهم بالروح الجماعية التي تربط المجتمع المسلم، ولم تشهد أي حضارة من الحضارات الأخرى مثل هذه الروح الجماعية الرائعة في البذل والعطاء؛ لتحقيق المهمة العسكرية التي أقرَّتها قادتهم؛ حيث تسابق المسلمون في إنفاق الأموال وبذل الصدقات، كان عثمان بن عفان قد جهز عيرًا للشام، مائتا بعير بأقتابها [6] وأحلاسها [7]، فتصدَّق بها، ثم تصدق بمائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتابها، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجر رسول الله ثم تَصَدَّق وتَصَدَّق، حتى بلغ مقدار صدقته تسعمائة بعير ومائة فرس، سوى النقود.
وجاء عبدالرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كلِّه - وكانت أربعة آلاف درهم - ولم يترك لأهله إلا الله ورسوله، وهو أول من جاء بصدقته. وجاء عمر بنصف ماله، وجاء العباس بمال كثير، وأما طلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة - رضي الله عنهم جميعًا - فكلهم جاؤوا بمال، وجاء عاصم بن عدي بتسعين وَسْقًا من التمر، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها، حتى كان منهم من أنفق مُدًّا أو مدين، لم يكن يستطيع غيرها، وبعثت النساء ما قدرن عليه من مسك، ومعاضد، وخلاخل، وقراط، وخواتم [8].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الشَّمْلة : مِئْزَرٌ من صوف أَو شَعَر يُؤْتَزَرُ به. انظر : ابن منظور لسان العرب، مادة شمل 11 / 364.
[2] ابن تغري بردي : النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 1 / 4.
[3] الترمذي : كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة (2166)، والنسائي (4020)، وابن حبان (4577)، والحاكم (399)، وصححه الألباني، انظر : صحيح الجامع (1848).
[4] القُلُب : جمع قليب، وهو البئر. انظر : ابن منظور لسان العرب، مادة قلب 1 / 685.
[5] ابن هشام : السيرة النبوية 1 / 620، وابن كثير : السيرة النبوية 2 / 402، والسهيلي : الروض الأنف 3 / 62، والطبري : تاريخ الأمم والملوك 2 / 29.
[6] أقتاب جمع قتب، وهو الرحل الصغير على قدر سنام البعير، المعجم الوسيط، مادة قتب ص714.
[7] الحلس : كساء غليظ، يلي ظهر البعير. انظر : ابن منظور لسان العرب، مادة حلس 6 / 54.
[8] ابن كثير : السيرة النبوية 4 / 6، بتصرف.
■ للمزيد : قصة الإسلام.
الكاتب : مكتبة منهل
 0  0  1780
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:41 صباحًا الأحد 10 شوال 1439 / 24 يونيو 2018.