• ×

07:39 صباحًا , الخميس 7 شوال 1439 / 21 يونيو 2018

◄ في مجتمعنا السعودي : لماذا لا تقود المرأة السيّارة ؟
نعم، لماذا لا تقود المرأة السيّارة في مجتمعنا السعودي ؟ ما الذي يمنع ؟ هل هناك تحريم من قبل شريعتنا الغراء وديننا الحنيف ؟ أليس هذا من حق المرأة ؟ وهل يُعدّ حلّاً للتخلُّص من السائق الأجنبي ؟ وهل تقتضي الضرورة اليوم لقيادة المرأة السيّارة ؟ وهل هي رغبة المجتمع عموماً ؟ هذه التساؤلات وغيرها جالت في ذهني وصالت في خاطري وتفكّرت حولها مليّاً، وسنحاول في مقالنا هذا إن شاء الله مناقشة الموضوع من عدّة جوانب.
إن ّالجدال القائم حول قيادة المرأة للسيّارة ربّما لا ينتهي، وهو صراع دائم ولن يتوقّف ويتجدّد بين الفينة والأخرى وسط لهيب المشاعر المتحفّزة، والأصوات المتصارخة؛ كون السعوديّة البلد الوحيد في العالم الذي يمنع قيادة المرأة للسيّارة ولازالت هذه القضيّة قضيّة رأي عام يخصّ المجتمع، وقبل ذلك نحن نسأل : مَنْ المعني بالقيادة الرجل أم المرأة ؟ وهل هناك مطالبات حقيقيّة من نساء المجتمع السعودي أنفسهنّ ظهرت من خلال دراسات بحثيّة أو استطلاعات واستفتاءات وأرقام إحصائيّة تعبِّر فعلاً عن رأي نصف المجتمع الآخر (الإناث) ؟ وهل هناك شكوى من قبل نساء المجتمع للحاجة الماسّة للقيادة ؟ حقّاً نريد معرفة الإجابة على هذه التساؤلات من النساء أنفسهنّ كونهنّ المعنين بهذه القضيّة.
نحن نسمع دائماً من بعض الإعلاميّين عبر وسائل الإعلام المختلفة والمفكّرين والكتّاب في الصحف وغيرهم مناداتهم المستمرّة لقيادة المرأة؛ ولكنّنا نوجّه سؤالاً لهؤلاء : هل لديهم نتائج موثوقة علميّاً تثبت حاجتهنّ بشكلٍ عام للقيادة؛ فإن كان كذلك هنا يختلف الأمر ولابدّ أنْ يُنظر في الوضع القائم، ولكن لماذا هذه الحاجة برزت في المجتمع ؟ وما الأسباب التي أدّت إلى ظهورها ؟ إذن لابد من وقفة جادّة؛ ولكنّي أتعجّب متسائلاً : هل انعدمت الحلول ولا يوجد إلا حلّ القيادة ؟ ولا يمكن لها أن تعالج بطرق أخرى بديلة ؟ ثمّ قبل ذلك أين وليّ أمرها أو زوجها ؟ أليس هو القائم بشئونها وهو الملزم شرعاً بقضاء حوائجها ؟ إنّ الشرع يفرض عليه أداء حقوقها كاملة،وأمّا إذا كان للبعض من النساء أو فئات منهنّ، فمَنْ هم تحديداً ؟ هل هنّ الأرامل أو المطلّقات أو المعلّقات أو اللاتي ليس لهنّ عائل أو من أسر فقيرة ؟ فكمْ أتعجّب بمَنْ يُطالب بالقيادة لهذه الفئات قبل أن يطالب بإنصافهنّ حقهنّ ويبحث في انتشالهنّ من الحاجة والعوز والألم اللاتي يقاسينهنّ بهذه الأوضاع من خلال المطالبة العادلة التي تكفل لهنّ حياة كريمة سواءً كانت في المحاكم لتسهيل إجراءات حقوقهنّ الشرعيّة أو المطالبة بقضاياهنّ المعطّلة في أروقة الوزارات أو توفير العلاج اللازم والمسكن اللائق وتوفير سبل المعيشة الآمنة أو المطالبة بإنشاء مواصلات عامّة وشبكات المترو والحافلات الكبيرة أو القطارات الأرضيّة التي تخدم البلد،وليتهم يكرِّسوا جهودهم في دراسة المشاريع التنمويّة والخطط الإستراتيجيّة التي تنفع الأمّة وتنهض بها، وتقلِّل من أعباء الوطن من الازدحام المروري وكثرة عدد السيّارات والحوادث في الشوارع والميادين العامّة، ثمّ لماذا لا يلتفتون إلى تلك الدول المتحضِّرة بزعمهم التي سمحت للمرأة بالقيادة؛ هل جنت خيراً لمجتمعاتها ؟ هل اطّلعوا على الأضرار والخسائر التي حلّت بتلك الدول جرّاء قيادة المرأة للسيّارة ؟ لماذا لا يفيدونا بنتائج وتوصيات الدراسات العلميّة في هذه الدول لمعرفة حقيقة واقع قيادة المرأة ؟
ولكن بعيداً عن التعصُّب تعالوا لمناقشة هذه القضيّة بحيادٍ ومصداقيّةٍ أولاً من الناحية الشرعيّة فلا شكّ أنّ المرأة في الإسلام لها منزلةً رفيعةً ومكانةً عظيمةً، وقد أعزّ شأنها وأعلى مكانتها واحترم حقوقها وضمن لها حرّيتها وكرامتها وأحاطها بسياجٍ منيعٍ من الصيانة والحماية.
ونرى من يتحجّج بأنّ النساء كنّ في الماضي وفي عصر الإسلام يَقُدْنَ الدوابّ، وهذه الحجّة لا يُعتدّ بها لأنّ المرأة في صدر الإسلام لم تكن تقود الدواب في الغالب وتلج بها في الأسواق والطرقات من غير سائق لها فهذه دعوى لم تثبت، بل كان يُصْنَع لها هودجاً فوق ظهور الإبل لتركبه حين السفر والتنقّل والرجل هو الذي يقود الدابّة على الرغم من عدم منع قيادة المرأة للدابّة إلا أنّه لم يكن يُسْتحسن لها فعل ذلك؛ فالرجل هو الذي يتولّى القيادة، وذلك تقديراً وإكراماً لها وصيانة لها من المخاطر، وهناك حالات شاذّة في تاريخ المسلمين لظروف معيّنة وأحوال خاصّة تضطر المرأة فيها أن تركب وحدها وتقود الدوابّ، لكنّ ذلك لا يمكن أن يكون حُكماً مطلقاً عامّاً على جميع النساء، وكما هو معلوم أنّ الأحكام إنّما تبنى على ما قد اجتمع عليه الناس وفيه مصلحتهم لا ممّا انفرد به البعض.
فهناك فتوى صادرة من هيئة كبار العلماء بالمملكة وكثير من علماء المسلمين في مسألة قيادة المرأة للسيّارة مبنيّة على الأدلّة والقواعد الشرعيّة والنظر الدقيق للواقع والمستقبل، ومفادها أنّ من قواعد الدين العظيمة قاعدة سدّ الذرائع مُقدَّمٌ على جلب المصالح والمفضية إلى الشرّ التي يترتّب عليها كثير من المفاسد، وهي أعظم من مصالحها؛ فتأخذ حكم التحريم من حيث كثرة خروج المرأة من بيتها لحاجة وبدون حاجة، وتعرّضها للمخاطر والشرور، ونزع حجابها وكشف وجهها وقد مُنعت المرأة من تنقيب وجهها في دول أخرى لأسبابٍ أمنيّة، بينما اضطرارها لمحادثة الرجال عند المحطّات ونقاط التفتيش أو تعرّضها لأعطال مركبتها وحوادث الطريق إضافة إلى تعرُّضها لضعاف النفوس لأذيّتها وتحرّشها، والخلافات الأسريّة الناجمة، واعتماد الرجل على زوجه في قضاء كثير من لوازم وأغراض وحاجيّات البيت التي هي من واجباته، في حين الأضرار الصحيّة التي تلحق بها جرّاء قيادتها للسيّارة نظراً للجانب الفطري وطبيعة خلقتها وظروفها الجسميّة والنفسيّة كما أثبتت ذلك الدراسات العلميّة المعتمدة؛ وأنّ قيادة المرأة للسيّارة هي خطوة أولى ستتبعها خطوات أخرى كثيرة فإذا انسلّت حبّة من العقد انفرط كلّه، ولا نريد الاستطراد في هذا المجال فالباب واسع، ومن أراد الاستزادة فعليه الرجوع لأقوال أهل العلم الثقات في هذا المجال.
وإنْ قيل أنّه لا يوجد نص شرعي يحرِّم المرأة من القيادة فهذا مخالف لإجماع علماء الأمّة على أنّ أصول الدين تعقد بأربعة أحكام، هي : (الكتاب والسنّة والإجماع والقياس)؛ فهل يعني هذا الحكم بالإباحة لعدم ورود النص ؟ فالدُّخان ليس له نص يقول بتحريمه، ولكنّه استناداً إلى إجماع العلماء وقياسهم تمّ تحريمه؛ فإذا كان هذا رأي رجال الدين وعلماء الشريعة المعتبرين الناصحين المخلصين الصادقين في بلاد الحرمين الذين هم سبب عصمة الأمّة من الضلال، فحيثما وقعت الفتن واختلطت الأمور واحتاج الناس إلى مَنْ يدّلهم ويرشدهم فمَنْ يقصدوا غير العلماء، ولِمَ جُعلَت لهم المرجعيّة ؟ أليس هم دعاة الفضيلة وخيار الأمّة ؟ وهم أعلم بشئون مجتمعهم وبلدهم وتبصير الناس بأبعاد قضاياهم وتفنيد الادّعاءات الزائفة، وكشف زيف أهل الباطل، ألمْ يجعلهم الله سبحانه وتعالى في صفٍّ واحد هم والأنبياء، فأشهد نفسه، ثم أشهد ملائكته ثم أشهد أولي العلم، وإذا لم نكترث بأقوالهم وتوجيهاتهم ونصائحهم وفتاواهم ونلقي بها عرض الحائط ووراء ظهورنا وكأنّهم من سقط المتاع؛ فإنّ ذلك مدعاة لتقديم وتصدير غير الأكفاء الذين يُضلّون الناس بالباطل أو بغير علم وحينذاك يتعرّض المجتمع للهلاك والدّمار.
وأمّا المطالبة بتخفيف مصاريف السائقين عن كاهل الأسر، والتقليل من أعداد العمالة المستقدمة من الخارج، ورفع اقتصاد الدولة، لا أعتقد أنّ ذلك حلاً مجدياً؛ لأنّ المرأة في مجتمعنا إن كانت من عائلة ميسورة الحال أو موظّفة أو طالبة ستبقى حاجتها للسائق الأجنبي قائمة؛ فلو افترضنا أنّها تقود مركبتها بنفسها وتذهب أينما تريد، فهل يمكن لها أن تجلُب احتياجاتها وأغراضها المنزليّة وتحملها، وتنوء بمزيد من المسؤوليّات وبالأخصّ إن كان لها أبناء فأصبحت تقوم بدور المرأة والرجل معاً؛ لذلك فإنّها لن تستغني عن السائق الأجنبي في كل الأحوال، وشاهدنا على ذلك أنّ مواطني دول الخليج لازالوا يستقدمون السائق الأجنبي رغم السماح للمرأة بقيادة السيّارة، بينما مسألة توفير تكاليف السائق واستنزاف الأموال؛ فهذه حُجّة تسقط لكونها تتعارض مع ضررٍ أكبر وهو صون المرأة ومنع ابتذالها، وتعريضها للمخاطرة بقيادتها لذلك يُقدَّم صونها وحمايتها؛ لأنّ الواجب تقديم مصلحتها الكبرى وهي أعظم من مصلحة توفير المال.
ومن جانب آخر نجد أنّ البيئة المحلّية من حيث الطرق والشوارع غير مهيّأة ومناسبة فهي مكتظّة ومزدحمة بالسيّارات مع ضعف الرقابة المروريّة وكثرة الحوادث والاصطدامات والمخالفات ومخاطر السرعة وقطع الإشارات وتهوّر الشباب، وعدم التزام آداب الطريق، والتعدّي على الآخرين وخصوصاً في المدن الكبيرة؛ فإذا كنّا نحن معاشر الرجال نعاني الأمرّين حاليّاً من الزحام المروري ونشتكي من تفشّي الحوادث كأنّنا في معارك طاحنة؛ فلْنتخيّل كيف سيكون الحال إذا سُمِح للمرأة بالقيادة وفق الظروف الحاليّة، وهذا يعني مضاعفة عدد السيّارات في كلّ مدينة وقرية وبالتالي نزيد الطين بلّة، أضف إلى هذا مشاكل الضبط المروري مع نصف المجتمع الذكوري فما بالنا إذا دخل عليه النصف الثاني الأنوثي في ظلّ عدم تطوير البنى التحتيّة التي تكفل استيعاب الجديد القادم.
لذا، فمِنْ منطلق حماية نسائنا وتقديراً لحقهنّ والواجب المحتّم الشرعي نحوهنّ، وما تقتضيه المصلحة العليا والمنفعة الكبرى ودرئاً لباب الفتنة وإخراساً لأفواه المتربّصين من أهل الزيغ والضلال، فلا يَسَعُنا إلا أنْ نقدِّم بعضاً من التوصيات والحلول المقترحة التي نأمل أن تجد طريقها إلى أصحاب الشأن والقرار في بلادنا الحبيب، كما يلي :
1ـ المسارعة في تطبيق مشروع النقل العام في جميع مدن ومحافظات المملكة من خلال إبرام عقود تشغيل عن طريق شركات دوليّة للحدّ والتقليل من كثافة السيارات الخانقة.
2ـ المسارعة في إنشاء مشاريع شبكات الخطوط الحديديّة للقطارات بين المدن والمحافظات للحدّ من ظاهرة استخدام المركبات والتقليل من أعدادها المهولة التي قاربت أعداد البشر.
3ـ إنشاء مشاريع ومؤسّسات تابعة لوزارة الشئون الاجتماعيّة تعني بمساعدة المطلّقات والأرامل والعجزة والمسنّين والأسر الفقيرة ومن هم في حكمهم تقوم على قضاء احتياجاتهنّ وتلبية طلباتهنّ ومتابعة أحوالهنّ.
4ـ تكليف الجامعات الحكوميّة بإعداد دراسات علميّة مستفيضة تكشف عن حقيقة مدى حاجة المرأة السعوديّة لقيادة السيّارة من منظور إسلامي واجتماعي وتربوي واقتصادي، ورفع نتائجها وتوصياتها ومقترحاتها إلى الجهات العليا، ومن ثمّ إحالتها إلى مجلس الشورى لدراسة وتقييم جدواها وأبعادها الوطنيّة وإعادة رفعها إلى صاحب الصلاحيّة للنظر فيها.
وقبل الختام؛ فإنّنا نوجّه رسالة إلى كل مواطن غيور محبّ لوطنه أن يتّق الله تعالى في أبناء مجتمعه وأمّته، ولْيَعلَمْ الجميع أنّ مصالح الدين والوطن لا تقاس بمعيار الأكثريّة والأقليّة وإنّما بتغليب المصلحة على المفسدة أخذاً بقواعد أصول الدين ولوازمه، ولْنَحذَرْ من الانجرار خلف الهجمات التغريبيّة والحملات المعادية من أولئك الناعقين الذين حصروا جلّ حقوق المرأة في قيادة السيّارة مطالبين زيفاً برفع الظلم عنها وإعطائها زعماً حريّتها بالخروج من بيتها دون الاهتمام لقضاياها ومصالحها ومطالبها الحقيقيّة التي تحفظ كرامتها ومكانتها، وحَسْبُنا أنّنا أمّة تدعو إلى الخير والفضيلة وبلاد الحرمين هي واجهة العالم الإسلامي، ومحطّ أنظار المسلمين في سائر بقاع المعمورة ومأمَل تطلّعاتهم؛ فعلينا استشعار مكانة بلادنا لتكون رائدة وقائدة لسائر الأمم.
هذا والله من وراء القصد.
 0  0  2842
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:39 صباحًا الخميس 7 شوال 1439 / 21 يونيو 2018.