• ×

08:37 صباحًا , الأربعاء 13 ربيع الأول 1440 / 21 نوفمبر 2018



◄ خطرٌ أمني : المتخلفّون والعمالة السائبة.
لا شكّ أنّ العمالة الوافدة في بلادنا لها خدماتٍ كبيرة في شتّى المجالات وتؤدّي وظائف وأعمال ومهام مختلفة تساعد في تنمية الوطن ورقيّه وتسهم بفعاليّة في تلبية احتياجاته، وتحقِّق مزيداً من الرفاهية والراحة لأبنائه، ولكنّنا سنتطرّق في مقالنا اليوم إلى أولئك القادمين من دول متعدِّدة ومخالفين لنظام العمل والإقامة أو الذين دخلوا البلاد بطريقة غير مشروعة ومجهولي الهويّة أو الهاربين من كفلائهم ومتخلِّفي الحج والعمرة، وإزاء ذلك فإنّنا نطرح عدداً من التساؤلات : ما حجم هذه العمالة في المملكة من حيث أعدادها ؟ وكيف يتمّ تسلُّلهم أو دخولهم إلى أرض الوطن ؟ وما الأسباب التي أدّت إلى دخولها ؟ وما طبيعة المهن والحرف أو الأعمال التي تمارسها ؟ ومن ورائهم ويؤويهم ويتعامل معهم أو يتستّر عليهم ؟ وأين يتواجدون ؟ وكيف يتمّ تشغيلهم ؟ وما الأضرار المترتِّبة في بقائهم على أرض الوطن ؟
إنّنا نرى في كل يوم أعداداً مهولة من العمالة المخالفة ونسبة عالية من العمالة السائبة قد تتجاوز ستّة ملايين عامل في شوارعنا وطرقاتنا وأحيائنا السكنيّة في مدن المملكة، وهي في ازديادٍ مضطردٍ ومخيفٍ يسرحون ويمرحون ليلاً ونهاراً ،ويتنقّلون بكلّ حريّة وطمأنينة في كافّة أرجاء الوطن، وكثير منهم يستخدمون مركباتهم المتهالكة وليس بها أدنى وأبسط وسائل السلامة والأمان حتّى ضاقت البلد بهم ذرعاً، وامتلأت الطرقات وازدحمت الشوارع وتغيّرت معالمها الحضاريّة وتشوّهت مظاهرها الجماليّة وتصدّعت بنيتها التحتيّة مخلِّفة ورائها اختناقات مروريّة وتلوّثات بيئيّة وحوادث كثر في ظلّ ضعف تواجد رجال المرور.
ونجدهم يفترشون الأرصفة على امتداد الشوارع وعلى جانبي الطرق وفي الحدائق والمسطّحات العامّة وتحت الكباري وأمام المباني السكنيّة والمحلاّت التجاريّة بل وصلت حتّى إلى المخطّطات المأهولة بالسكّان، وعادة يقطنون الأحياء الشعبيّة والشوارع القديمة والطرقات الصغيرة والأزقّة الضيّقة وفي الجبال والمرتفعات البعيدة ويسكنون المنازل المتهالكة والبيوت الشعبيّة المهجورة لصعوبة الوصول إليهم،وتتوزّع مختلف الجنسيّات في الأحياء ،وعادة كل جنسيّة لها موقع معيّن وتمارس العديد من الأنشطة التجاريّة ؛ فأصبح الراعي مهندساً كهربائيّاً والعامل فنّي الكترونيّات والحارس مبرمج حاسب آلي والمزارع ميكانيكي سيّارات أو طبّاخاً في أحد المطاعم أو المطابخ والبوفيهات أو خبّازاً، وهكذا الحال، ونرى بعضاً منهم استحوذوا بشكل كبير على أسواق الخضار والفواكه والسمك وتجارة العقار، وقد هيمنت على أسواق التجزئة والمحاصيل الزراعيّة والتمور والأعلاف والمواشي، ويمارسون ما يشاءون من العمل،وتقدِّم جميع أنواع الخدمات من خدمات الكهرباء والهواتف والنجارة والتجارة والحدادة والسباكة والدلالة والزراعة وأعمال الدهان والبناء وغسيل السيّارات، وتعمل على بيع الخضراوات والفواكه والأسماك وغيرها في المباسط العشوائيّة والأكشاك والدكاكين الصغيرة، وكذلك انتشار الباعة الجائلون، والمحلّات التجاريّة لبيع البضائع المسموح بها وغير المسموح بها كالأجهزة الإلكترونيّة الممنوعة، وقطع غيار السيّارات المغشوشة، والجوّالات الرخيصة غير المطابقة للمواصفات، والساعات والشنط المقلّدة داخل الأسواق الشعبيّة، وفي وسط الأحياء السكنيّة والشوارع الداخليّة، وورش صيانة السيّارات المخالفة، وظاهرة التسوّل المنتشرة في عرض البلاد وطولها ونراها في المساجد والأسواق وعند الإشارات المروريّة ومعظمهم من المتسلّلين عبر الحدود والمتخلِّفين بعد أداء الحج والعمرة دون مراقبة ودون أن نجد حلاً حقيقيّاً لهذه المعضلة على الرغم من القبض على عددٍ كبير منهم وتسفيرهم إلى دولهم بعد تسجيل بياناتهم وأخذ بصماتهم الالكترونيّة، والغريب في الأمر أنّ أكثرهم يعودون إلى أرض الوطن بوثائق مزوّرة.
إنّ هذه العمالة تفتقد إلى أساسيّات العمل، ولا تملك الخبرة المهنيّة وفنون العمل، وهي غير مدرّبة، وغير مؤهّلة لسوق العمل، ولا فائدة منها يعود على الوطن والمواطنين بأي ثمرة ملموسة ممّا يجعلها تمارس بعض الأعمال المشبوهة وغير الأخلاقيّة حتى أصبحت أشبه بطابور خامس ينخر في اقتصاد الوطن التي تسبّبت في بطالة كثير من الشباب وضيّقت الخناق عليهم في العمل، وأخرجتهم من السوق عن طريق التحالفات والاتفاقيّات من بني جلدتهم والجهات التجاريّة الراعية في الباطن.
فإمّا أن يتمّ استقدامهم بكثافة عالية دون الحاجة الفعليّة لهم عن طريق شركات ومؤسّسات وهميّة بغرض المتاجرة بهم على حساب الوطن من خلال بيع تأشيراتهم بمبالغ كبيرة جداً وتركهم يعملون بعيداً عن كفلائهم مقابل مبلغاً ماليّاً معلوماً يُدْفَع في آخر الشهر، وتتحمّل هذه العمالة مسؤوليّاتها والتزاماتها الشخصيّة من تكاليف المعيشة ودفع رسوم الإقامة والسكن وغيرها، وإن لم تجد العمل لجأت إلى الطرق الملتوية فتتحوّل إلى قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أيّة لحظة ممّا نتج عن ذلك كثير من السرقات والتزوير والسحر والجرائم الأخلاقيّة كالدعارة وممارسة أعمال غير لائقة ومخاطر أخرى لا حصر لها، ولاشكّ أنّ هذه الظاهرة أقلقت المجتمع من عدّة جوانب أمنيّاً وسلوكيّاً وأخلاقيّاً وصحيّاً ودينيّاً إضافة إلى الجانب الاقتصادي عبر تحويل المليارات والتي تقدّر بأكثر من 153 مليار ريال سنويّاً طبقاً لآخر الإحصائيّات، ومن جهةٍ أخرى نجد أنّ العمالة الهاربة من كفلائهم سواءً كانوا سائقين أو حرّاس المنازل أو خادمات أو العاملين في بعض المنشآت التجاريّة، وهي قضيّة قديمة وهاجساً مقلقاً منذ زمن ولازالت قائمة لغياب الرادع وعجز الأنظمة المعمول بها رغم فرض نظام البصمة؛ وهروبهم إمّا بدافع جني أكبر قدر ممكن لهم من الأموال وتحسين الدخل أو عدم الراحة في العمل أو مشقّته وطول فترة الدوام أو سوء معاملة الكفيل أو احتضان عصابات ومنظّمات تقف وراء هروبهم، وهي لا تقلّ خطراً عن سابقتها الأمر الذي يسبِّب الكثير من المعاناة للكفلاء من خلال ضياع أموالهم وسلب حقوقهم رغم محاولاتهم البائسة لاستردادها فأصبحت أموالهم مهدورة باسم النظام، وهنا نحن نتساءل : لماذا يتحمّل المواطن دائماً الأعباء والتكاليف سواءً الماليّة أو الإداريّة كدفع قيمة الإقامة والتأمين الصحي والغرامات ومراجعة الدوائر وخلافه وكلّها تضيع في مهبّ الريح بمجرّد هروب العامل ممّا يضطرّه إلى التقديم من جديد على عامل أو عاملة أخرى، وينتظر أشهراً أو سنة أو أكثر وما عليه إلا الصبر والاحتساب وتجرّع الألم، ولتدبير أمره وحل مشكلته يقوم بإحلال عمالة أخرى بديلة سواءً بطرق نظاميّة أو غير نظاميّة برواتب باهضة إلى أن يحين موعد وصول العمالة الجديدة ؛ فلماذا لا يتمّ سجن الهارب وإلزامه بدفع المبالغ المدفوعة من الكفيل لأجل قدومه للمملكة وحرمانه من دخول البلد مرّة أخرى ؟ في حين لا توجد حدود عمليّة أو أنظمة صارمة تحدّ من هذه الظاهرة أو تعويض المتضرِّر لما لحقه من ضرر رغم جهود الجوازات في تحرّي ومداهمة العمالة الهاربة في أوكارها، ومع هذا ما زال الحبل على الجرّار، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه لماذا لا يتمّ معرفة مَنْ قام بتشغيل هذه العمالة، ومَنْ وراءها ؟ لأنّه لو تمّ القبض على عصابات تأجير العمالة الهاربة أو المخالفة والتحقيق معهم وتطبيق الأنظمة بحقّهم لتوقّف هذا السوق وانتفى نشاطه.
إنّ ظاهرة الهروب ورائها شبكات ومنظّمات داخليّة وخارجيّة إذ أصبح " تهريب العمالة" صناعة مربحة تدرّ أموالاً طائلة تستنزف الوطن وعلى حساب مواطنيه ؛ كما أنّها صَنَعتْ بيئةً خصبةً تخصّصت في تزوير الأوراق الرسميّة والوثائق الثبوتيّة والعملات، وعملتْ فِرَقاً وُظِّفتْ في ترويج المخدِّرات وتوزيع الأفلام الإباحيّة، ومنهم اتّجهوا إلى ممارسة الرذيلة متخفّين في أماكن بعيدة عن الأنظار، ويقوم البعض منهم بتسويق المواد الغذائيّة الفاسدة، وتصنيع الخمور، وبيع وتهريب الممنوعات، وغسيل الأموال.
وما نراه من معاناة دائمة وشكوى مستمرة بعد انقضاء فترة التجربة إمّا من العامل إذا قصّر أو أخلّ بالعمل أو من جهة الكفيل إذا لم يؤدّ حقوق مكفوله لعدم وجود مرجعيّة أو نظام يُحْتَكم إليه ويفصل بينهما، وقد يتجرّع أي من الطرفين تعباً وصبراً مرغماً للحاجة الماسّة ؛ لكن ماذا لو طلب العامل السفر إلى بلاده بعد مضيّ عدّة أشهر ولم يكمل المدّة المتبقّية المتّفق عليها في العقد بلا سببٍ مقنعٍ وحتّى إذا كانت تذكرة سفره على حسابه فالكفيل متضرِّر وخسران في كلّ الأحوال ؛ لأنّ العقد مدّته عامين ؛ فمن يعوِّضه خسارته ومعاناته،إذن ؟ وماذا لو ارتكب المكفول مخالفةً يُعَاقب عليها القانون ؟ فإن اشتكاه أو قام بتسفيره إلى بلده سيتعطّل وتتوقّف مصالحه ويتكبّد خسائر ماليّة إضافيّة وإنْ أبقاه لديه وأنذره وحذّره فلا يأمن شرّه ومكره ؛ لأنّ من جاور الشرّ لا يأمن عواقبه كما يقال، بينما العامل حقوقه محفوظة تماماً ولا خوف عليه والنظام يخدمه وينصفه.
والغريب في الأمر أن هناك شركات ومؤسّسات ومنشآت تجاريّة في مختلف الأنشطة وشركات الباطن وبعض مؤسّسات المقاولات تستعين بتلك العمالة السائبة لسهولة الحصول عليها بسبب عدم تلبية حاجتهم من مكتب العمل والعمّال في الأعداد المطلوبة من العمالة، ولرخص مرتّباتها ؛ فتقوم بتشغيلها في تنفيذ مشاريعها أو نشاطاتها التي تتطلّب خبرة ومهنيّة كبيرة، وهي لا تتوفّر في هذه العمالة التي تتسبّب في تعطيل هذه المشاريع وتأخرّها أو تُنَفذّها بمستوى جودة رديئة، وما أكثر العمالة المخالفة في المطاعم والمطابخ ومحلاّت بيع الحلوى والأسواق والمراكز والمعارض التجاريّة.
والأسوأ من ذلك أولئك الذين وُلِدوا على أرض المملكة من أبوين متخلّفين أو مجهولي الهويّة وعاشوا ونشئوا وترعرعوا على ترابه وليس لهم وطن آخر غيره، هؤلاء كيف سيكون وضعهم وحالهم ومستقبلهم ؟ وما مصيرهم ؟ ومن يتولّى تعليمهم ؟ وكيف سيتمّ التعامل معهم ؟ لاشكّ أنّهم ضحايا وتكاثرهم وانتشارهم في البلاد يترتّب عليه مخاطر عدّة متوقّعة من حيث أنّهم أدوات سهلة للجريمة والإدمان والتسوّل والعنف والسرقة والإرهاب وممارسة شتّى أنواع الفساد في الأرض إن لم يتمّ تدارك الوضع الحالي.
لذا، استدراكاً للواقع المؤلم وحفاظاً على مقدّرات الوطن وخيراته وأمنه كان لزاماً على مسئولي البلاد ورعاته وقياداته ومواطنيه القيام بالواجب الوطني المأمول، والمسارعة في عمل دراسة شاملة للتصدّي من خطر العمالة السائبة والمتخلِّفة القائم، ووضع حداً قبل أن يستفحل أمرها حمايةً لبلادنا والذود والذبّ عنه من شر الأعداء وكيد المتربّصين ؛فإنّنا نضع بعضاً من التوصيات والمقترحات التي نأمل أن تكون مساهمة فاعلة نرجو منها خير الأمّة وسعادتها :
1ـ شنّ حملات ومداهمات تفتيشيّة صارمة وشاملة ومستمرّة وفي أوقات متباينة من قبل الجهات الأمنيّة وذات العلاقة على مراكز تواجد العمالة المتخلِّفة وتجمّعهم وأماكن سكنهم وفي المواقع التجاريّة أيّاً كانت والقبض عليهم وأخذ بصماتهم وبياناتهم وتطبيق الجزاءات والعقوبات النظاميّة حيالهم وتسفيرهم إلى بلادهم.
2ـ تتبُّع عصابات التستُّر ومنظّمات وجهات تشغيل العمالة المخالفة والوصول إليهم وتغريمهم ومحاسبتهم طبقاً لأنظمة البلاد.
3ـ إعادة دراسة وتنظيم آليّة استخراج تأشيرات استقدام العمالة وفق شروط معيّنة والتأكّد من وجود حاجة فعليّة لصاحب العمل دون الإضرار بالمصلحة العامّة.
4ـ التنسيق بين الجهات الرسميّة ومؤسّسة النقد لمراقبة التحويلات الخارجيّة، ومنع أي تحويلات خارجيّة تزيد عن دخل العامل، مع فرض رسوم على جميع هذه التحويلات بنسبة معيّنة للاستفادة منها في مجالات تخدم أبناء الوطن.
5ـ إنشاء هيئة أو لجنة خاصة بالعمالة تَتْبَع الجهات الرسميّة المختصّة باستقدام العمالة الوافدة، وتُحدَّد لها مهام وواجبات تقوم على فضّ وتسوية النزاعات والخلافات بين الكفيل والمكفول بعد انتهاء فترة التجربة، وعمل التنسيقات اللازمة مع سفارات بلدان هذه العمالة في المملكة.
6ـ تكثيف مراكز أمن الحدود ودعمها بالأفراد والمعدّات والتجهيزات اللازمة وبالأخص في المنطقة الجنوبيّة والشماليّة من المملكة للقضاء على ظاهرة المتسلّلين.
7ـ إعادة دراسة شروط وضوابط عقد الاستقدام بين المواطن والعامل والمكتب بما يحمي ويحفظ حقوق جميع الأطراف دون إجحاف لأي طرف، ويتحمّل الخسارة والعقوبة مَنْ يخلّ بنظام العقد المبرم بينهم.
8ـ تكثيف رجال المرور في الشوارع والميادين العامّة والطرقات، وتفعيل دورهم في تتبُّع واستيقاف السيّارات التي يقودها عمالة مخالفة والقبض عليهم ومعاقبتهم.
إنّ ظاهرة العمالة المتخلِّفة والعمالة السائبة تهدِّد أمن الوطن وتقضي على مقوِّماته ومكتسباته وتخلّ بنظامه واقتصاده وتسلب خيراته وتحطِّم قوى شبابه وأفراده، لذا ينبغي علينا جميعاً شعباً وحكومةً الوقوف صفّاً واحداً مترابطاً لمحاربة هذا الطوفان الجارف، والتعاون المشترك لحماية أرض الوطن والإبلاغ عن أماكن تواجدهم، ولْنَعلمْ أنّ تركهم يُمارسون ما يشاءون بحفنةٍ من الأموال لهو بيعٌ صريحٌ على حساب مدّخرات بلادنا، واستنزافاً خارقاً لحقوقه، وهدراً ماليّاً مكلِّفاً يتحمّله أجيال المستقبل. ويا أمان الخائفين.
■ هذا والله من وراء القصد.
 0  0  2087
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:37 صباحًا الأربعاء 13 ربيع الأول 1440 / 21 نوفمبر 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.