ما بعد سكرات الموت .. عذاب القبر أو نعيمه ؟

د. خالد محمد الصحفي

5134 مشاهدة
بسم الله الرحمن الرحيم

◄ ما بعد سكرات الموت .. عذاب القبر أو نعيمه ؟
في موضوعي أحببت أن أذكر لكم سكرات الموت وشيء من عذاب القبر ونعيمه، ربما تصحى القلوب الغافلة ويزيد أيمان القلوب المؤمنة ويهدي الله من ظل ويثبت من آمن.

■ إخوتي في الله :
كثير منا يتشاءم لدى سماعه سيرة الموت ويطالب بأغلاق الموضوع فهذا الرفض دليل الثقة التامة بوجود الموت وحب النفس لمتاع الدنيا ومحاولة نسيان أنك اليوم تمشي على أقدامك وفيه الغد يحملوك فوق الأكتاف، قال الله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (العنكبوت : 57) وقوله تعالى : (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (الرحمن : 27).
عندما تأتي سكرات الموت وهي نصيب كل إنسان كما قال الله تعالى : (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) (ق : 19) حتى رسول الله عليه الصلاة والسلام ففي مرض موته صلوات الله وسلامه عليه كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه، ويقول : (لا إله إلا الله، إن للموت سكرات) أخرجه البخاري.
وتقول عائشة - رضي الله عنها - في مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (ما رأيت الوجع على أحد أشدَّ منه على رسول الله صلى الله عليه والسلام).
يتمنى الإنسان العودة إلى الدنيا فلو كان كافراً لأسلم ولو كان عاصياً لتاب، قال تعالى : (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ {99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون : 98 إلى 100).

الإيمان لا يقبل إذا حضر الموت والتوبة لا تقبل إذا غرغر العبد، قال تعالى : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (النساء : 17 - 18) وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام : (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) رواه الترمذي وابن ماجه.
وروح الكافر والفاجر تعاني من الموت أكثر مما يعاني المؤمن التقي، فقد جاء في حديث البراء بن عازب : أن روح الفاجر والكافر تفرق في جسده عندما يقول لها ملك الموت : أيتها النفس الخبيثة : اخرجي إلى سخط من الله وغضب، وأنه ينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشُّعَب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب، ووصف لنا القرآن الكريم الشدة التي يعاني منها الكفرة : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأنعام : 93) وقال تعالى : (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأنعام : 93).
اما للمؤمن التقي فيفرح بلقاء ربه، فقالت عائشة أو بعض أزواجه : (إنا لنكره الموت، قال : ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه) رواه البخاري.
بعد أن يموت الإنسان تبدأ المرحلة الثانية وهي القبر أول منازل الآخرة، وهي إما أن تكون روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر يبكى حتى يبل لحيته، فقيل له : تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا !، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : (القبر أول منازل الآخرة، فإن ينج منه فما بعده أيسرُ منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشدُّ منه. قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه) رواه أحمد والترمذي وحسنه الشيخ الألباني.
إذا أدخل العبد فيه القبر ضمه القبر ضمة تتداخل معه أضلاعه وهذه الضمة لا ينجو منها أحد سواء مسلم أو كافر لقوله رسول الله عليه الصلاة والسلام : (إن للقبر ضغطة، ولو كان أحدٌ ناجياً منها نجا منها سعد بن معاذ) رواه أحمد.
قال صلى الله عليه وسلم حينما كان في جنازة سعد : (هذا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ) وإذا فرج عليه من ضمة القبر أقعد للسؤال، لقوله صلّى الله عليه و سلم : (حتى إذا فُرِّج عن العبد من ضمة القبر أقعد للسؤال - مؤمناً كان أم كافراً - فيسأل عن ربه ودينه والرجل الذي بعث فيهم، فأما المؤمن فيقول : ربي الله، وديني الإسلام، والرجل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينادي منادٍ من السماء، أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، وألبسوه من الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفتح له فيها مد بصره، وأما الكافر فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان : من ربك ؟ فيقول : هاه، هاه، هاه لا أدري، فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : هاه، هاه لا أدري، فيقولان : ما هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم ؟ فيقول : هاه، هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء أن كذب، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويُضيَّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ثم يُوكل له أعمى أبكم، معه مطرقة من حديد لو ضُرب بها جبل لصار تراباً، فيضربه بها ضربةً يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير تراباً، ثم تعاد فيه الروح، كما روى ذلك أبو داود وصححه الشيخ الألباني.
والفتنة في القبر بالسؤال وإن كانت عامّة إلا أن الله اختصّ بعض عباده فنجاهم منها، وممّن اختصهم الله بالنجاة من هذه الفتنة الأنبياء والشهداء (فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد ؟ قال : كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) رواه النسائي وصححه الألباني.
وقوله عليه الصلاة والسلام : (كل ميت يُختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله فإنه يُنْمَي - أي يزيد - له عمله يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر) رواه الترمذي وأبو داود.
فبعد السؤال يبدأ عذاب أو نعيم القبر كل بأعماله.
■ قائمة : الروابط الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية.

أزرار التواصل الاجتماعي

۞ جديد المقالات :

المجلس السعودي للجودة .. مسيرة عطاء. 25 عاماً من العطاءِ للمجلس السعودي للجودة...

كلمات مستخدمة في اللهجة المحلية ليست من اللغة العربية. • باغة : تركية ومعناها...

خوف السابقين. يصف الله ــ سبحانه وتعالى ــ عباده المؤمنين بصفات عظيمة، فمن ذلك...

مبادئ ومرجعيات تخطيط الدرس. ■ عند التخطيط للدرس ينبغي أن وضع النقاط التالية...

لاءات السعادة الزوجية. • لا تجرح زوجك بكلمات أو أفعال فتفقد الحب. • لا تخن...

حين تصير الأوجاع حروفا. وحين تتحول الحروف إلى أوجاع .. حين يحضر الصمت إلى...

التدين الشكلي : مفهومه ومظاهره وأضراره. التدين : مأخوذ من الدين، والدين: هو...

الكفاية : المعارف المفاهيمية والإجرائية. لا يمكن الإحاطة بمدلول الكفاية إلا من...

المسؤولية الفردية في القرآن الكريم. ■ قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه...

إنا كل شيء خلقناه بقدر : اﻟﺤﻨﺠﺮﺓ ــ اﻟﺮﺅﻳﺔ ــ اﻟﺴّﻤﻊ ــ اﻟﻠّﻤﺲ. ﻳﻘﻮﻝ اﻷﻃﺒّﺎء :...

الفنان التشكيلي رضوان جوهري : عندما تسمو اللوحة بالإنسان إلى آفاق الحياة...

المبادرة الفردية : نبضات إرشادية على الوسائل التواصلية. تقوم المبادرة الفردية...

شكر وتقدير للمنهل : قصيدة. ■ مكتبة منهل الثقافة التربوية : (الثقافة...

مهارات القائد التحويلي. القائد التحويلي يتمتع بقدرة على تحفيز العاملين كي...

دراسة مقارنة بين قصيدتين : التجاني يوسف بشير "في محراب النيل" وإدريس جماع "رحلة...

مليكة جفتاني : فنانة تشكيلية استهواها الرسم فخلقت جسرا خاصا بها نحو عالم...

أمي يا أجمل حكاية. ليس شرطا أن يكون كل الأبطال رجال ,, فكم من امرأة كانت بطلا...

قائد المدرسة المتفاني .. ماذا قدمنا له في تعليمنا ؟ ■ قائد المدرسة المتفاني هو...

العلوم التربوية : مفهوم ومستندات الكفاءة. ■ مفهوم الكفاءة : ● هي مفهومُ عامُ...

تكأكأت اللغات بلا نزال : بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية ــ قصيدة. ■ مكتبة...

قصة لغة : اللغة العربية. نهضت مبكرة قبل أخواتها، رغم أنها كبراهنّ، لكنها...

قراءة في ديوان "همسات ليل قصير" للشاعرة خديجة بلوش ــ أبجديات حين تولد لذة...

لائحة الوظائف التعليمية وسلم رواتب وعلاوات الوظائف التعليمية ــ 1440هـ. إنّ...

المملكة العربية السعودية : وزارة التعليم ــ نظام الجامعات (ملامح /...

الفساد الإداري : عقوبة جرائم سوء الاستعمال الإداري. أوضحت النيابة العامة أن...

محاور إعداد المعلم مدى الحياة ــ ورقة عمل. ■ التعلم مدى الحياة : أطر مرجعية...

بايعتُ سلمان المحبة شامخاً : قصيدة. ■ مكتبة منهل الثقافة التربوية :...

في ثقافة الرسائل : من قلبي لقلوبكم ! حديثُ القُلوبِ هو الحديث الذي لا يمكن أن...

هل يمكن أن نختلف دون أن نؤذي ؟ قد تمر علينا مواقف نختلف فيها مع احدهم فلا نجد...

تراكمت الجراح : قصيدة. ■ مكتبة منهل الثقافة التربوية : (الثقافة الصحية :...