• ×

10:27 مساءً , الأحد 2 صفر 1439 / 22 أكتوبر 2017

◄ تعمد الخلط بين القومية والليبرالية : فكرة صهيونية بحتة.
دأبت الصهيونية على وضع تصور هدفه تأليف وانسجام ما بين القومية والليبرالية لدرجة أنهم يطلقون فى بعض الأحيان تعبير القومية الليبرالية وفى هذا دلالة على الانسجام النظرى المتماسك المتوفر فى الحياة السياسية من حيث الأهتمام الشديد بحرية الأفراد ومسألة الانتماء إلى أمة وثقافة ما بما فى ذلك الالتزامات المسؤولة لكل فرد تجاه المسائل الأخلاقية - فديدنهم قلب الحقائق وتكييفها مع أهدافهم -.
والحقيقة التي يحاول الصهاينة قولها هي التوليفة التي تجمع بين المفهومين القومي والليبرالي تقوم على تألف بين المفهوم الليبرالي التقليدي عن حرية التفكير والإرادة وبين مسائل الولاء والاتحاد والانتماء إلى أمة ما.
على كل الأحوال الملاحظ عندهم - الصهاينة - هذا التغييب المتعمد للأساس القومي ومحاولة دمجه بالأيدلوجية الصهيونية لكي يتلاءم مع المفهوم الصهيوني ولتضفي طابعاً قومياً على الحركة اليهودية وما يدعم ادعائنا ويثبت حقيقة طرحنا هو ما جاء في كتاب حمل عنوان (القومية والليبرالية) للكاتبة الإسرائيلية (يائيل تامير) التي حاولت فيه تكييف الفكرة القومية بما يتلاءم مع الأيدلوجية الصهيونية ومحاولة بذلك دحض وجهة النظر الغربية في التفريق بين القومية والليبرالية ولحسن الحظ فلقد تصدى لها فلاسفة عرب وكان اشهرهم الدكتور عادل ظاهر.

■ وللرد على تهافت فكرة هذه الكاتبة التي تحدد مفهوم الأمة بالشرطيين التاليين :
1- توفر عناصر ذات صلة بالأمة كاللغة والتاريخ أما الأرض - تصور يا رعاك الله - فتستبعدها كشرط موضوعي لوجود الأمة - وهنا سنام الأمر المطلوب تفنيده والله الموفق -.
2- الوعي الذي يربط بين جميع أفزاد المنظومة الاجتماعية وهذا الشرط تركز عليه الكاتبة الصهيونية لأنه بوجود وعي مشترك يمكن أن يفرز لغة واحدة ويمكن أن يكون للمجموعة تاريخ مشترك ترتكز على ذاكرة أو مخزون تراثي تنطلق منه الغايات والقيم والتقاليد والمفاهيم الثقافية التي هي حقيقة أعمق أهمية من أي شأن سياسي - لاحظ قباحة الفكرة التي يراد فيها الباطل -.
ولكن من الواضح أن ذكاء الكاتبة الصهيونية لم يسعفها ولم تنتبه إلى المفارقة التي فحواها أن حق تقرير المصير وهو كما تدعي حق فردي يستند إلى قرار إداري فردي أيضاً في الانتماء إلى جماعة قومية محددة، فقولنا أن الكاتبة لم تنتبه إلى أن حق تقرير المصير هو حق جماعي وليس حق فردي ونعني أنه طالما يحق للفرد أن يختار الجماعة التي يرغب بالانتماء إليها فلماذا تسن قوانينهم على أساس تحديد هوية من هو اليهودي ؟ هل هو المنحدر من أصول يهودية ؟ أم يحق لكل إنسان أن يطلب الهوية اليهودية فينالها ؟
ولماذا هذا التفريق بين يهودي ويهودي حتى وصل الأمر إلى تحديد هوية الأم والتفريق بين يهودي شرقي وغربي ولماذا هناك يهود سادة وآخرون عبيد ؟
وتضييف الكاتبة الصهيونية واستناداً إلى المفهوم اليهودي أن قرار الانتماء إلى أمة هو قرار فردي إرادي، أي اكتساب الفرد لهوية قومية محددة يتوقف على قرار الفرد نفسه دون أي اعتبار للبيئة والأرض التي نشأ عليها وهذه أيضاً مفارقة توقع الكاتبة نفسها فيها إذ أن البيئة التي ينشأ فيها الإنسان تشكل المفهوم الذي به يتقرر الانتماء فالعادات والقيم والتقاليد ذات تاريخ مشترك بين أفراد المجموعة الاجتماعية وهى بمجموعها تشكل جزءاً من التراث الذي هو تاريخ بذاته فإذا ما تخلى الفرد عن هذا المخزون الثقافي فهل يمكن أن يستقيم الحديث عندئذ عن إمكانية الانتماء لأمة مع العلم أن التاريخ واللغة اللذين اشترطت الكاتبة وجودهما بحد ذاتها التراث البيئي الذي تتشكل بهما وجود الأمة فالفرد لا يملك التراث منفرداً وأنما يمتلكه بانتمائه إلى أمة - فالتراث هو ملك للأمة وليس للأفراد - وهذه حقيقة مغالطات ومفاهيم مشوهة تدين الكاتبة وتوضح وبشكل جلي لا لبس فيه افتقارها إلى التحليل التاريخي والسوسيولوجي للأمم.
واقع الحال أن هناك صعوبة في تعريف الأمة وأيضاً صعوبة في التمييز بين الشروط الموضوعية والذاتية في تحديد مفهوم الأمة على اعتبار أن شروط تحديد مفهوم أو مقومات الأمة تخضع للمتغيرات والثوابت التي تجمع عليها أغلبية الدراسات - وحقيقة هذه الثغرة التي أرادت أن تنفذ من خلالها - فمنها ثابت ومنها ما هو متغير والتحديد أو التعريف هو قيد كما أن الشروط والمقومات هي قيود ذلك أن من الشروط الثابتة للأمة هي تلك المتعلقة بالمصير والاستقرار وتحديد الأرض لأنه لا وجود لأمة بدون وطن أو وجود وطن بدون أمة.

وهذا باعتقادي مبرر الخلط بين القومية والليبرالية عند الصهاينة وفكرهم المتطرف الذي يعادي الحق والحقيقة ومن الشروط المتغيرة تلك المتعلقة بوجود عدة لغات على أرض واحدة فهل يمكن والحالة هذه جمع الشروط الثابتة والمتغيرة في بوتقة واحدة تقدمها على أساس أنها شروط تكون الأمم، فهل يمكن أن يقال مثلاً أن جميع يهود العالم يشكلون أمة يهودية واحدة ؟ وهذه النظرة عمل عليها وتبناها (إسرائيل زانوين) وهل الثقافة اليهودية في مختلف أصقاع الأرض يمكن أن تكون كافية للحكم على أن اليهود في العالم أمة واحدة ؟
وببساطة نستطيع الرد على الكاتبة الصهيونية يائيل تامير فيما يتعلق بهذه الشروط بقولنا بأن تأكيدها على أهمية الاختيار وضرورة وضعها في صلب التصور القومي نابع من الرغبة في تكييف - تصور - الفكرة القومية بما يتلاءم مع الأيدلوجية الصهيونية وما يؤكد نظرتها إلى الأمة باعتبارها شأناً اجتماعياً ثقافياً، وباعتقادي أن هناك فوارق كبيرة بين المفهومين - الليبرالي والقومي - فالنظرة غير المتوازنة لكل من القومية والليبرالية تحتم علينا القول أن حق تقرير المصير لكل فئة هو حق شرعي وهذا بالضرورة يعني أن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني أمر واجب تتطلبه النظرة إلى مسلمات الليبرالية وثوابتها لكن عدم التجاوب مع هذه النظرة يوجب القول بأن اليهود لا ينظرون حتى إلى الليبرالية على أنها استحقاق يستوجب توفيره لغير اليهود بل أؤكد لكم بأنها نظرة عنصرية حتى خارج المفهوم الليبرالي.
والحق - وهو الأولى بالاتباع - أن من الفوارق الرئيسة بين القومية والليبرالية هو أن المصالح الفردية في الليبرالية هي مصدر أساسي للفردية وأيضاً مصدر أساسي في الاختيار والحرية وهذا بطبيعته يختلف كلياً عن النظرة إلى الفردية في القومية على أساس ارتباطها بالمجموع وبعبارة أكثر دقة فأن العلاقات الفردية المجتمعة في القومية تزداد إيجابياً وقوة بقوة انعكاسها المصلحي على الجماعة والمجتمع وهذا ما يجعل التوتر القائم بين القومية والليبرالية يطفو على السطح وهذا ما يعطي الأيديولوجيا القومية صفة التوسع في التعددية فالخير العام هو خير الجماعة وليس خير الفرد فالجماعة القومية خير الفرد بها هو خير الجماعة أما المجتمع الليبرالي الذي يقسم الأمة إلى فئات متصارعة مصلحياً لا ينتج خيراً عاماً - أي يطال الكل - مما يسهل على بعض الفئات النافذة من السيطرة بالكامل فحرية الفرد واستغلال شخصيته اللتان تتيحان له جني الثمار - الفوائد - الشخصية لا تظهر في القومية إلا في الكل المتحد الذي يتجاوز المصالح الفردية فالإرادة الجماعية القومية لا تنحصر في النظر إلى الجزئيات والأفراد بل تتجاوز ذلك إلى أن الخير العام مرتبط بمصلحة الأمة والوطن وما الأفراد إلا وسائل من خلالها يتحقق الخير العام.
والثابت أن أي مفاضلة تقوم على أساس عقلاني بين المثالين القومي والليبرالي تظهر أن تبني المثال القومي لا يلزم الدولة بالتخلي عن قيم التعددية والديموقراطية على مستوى التعامل مع أقرار المتحد القومي.
وعليه فأن أخلاقية النظرة القومية في السماح للتعددية الديموقراطية بالنمو والتنامي تتيح للنظرة الشخصية أن تكسر الطوق حولها لتصبح نظرة عامة جماعية وهذا بحد ذاته مدعاة للتساؤل المشروع الذي فحواه طالما أن العلاقات التي تحكم الدول في الليبرالية تقوم بصفة رئيسة على المحصلة فلماذا تلقى هذه النظرة الاستنكار والشجب القومى ؟
حقيقة أن العلاقات بين الدول لا تحكمها المبادىء الأخلاقية في كل الظروف فتعليق المبادىء الأخلاقية في العلاقات الدولية تحكمها ظروف آخرى تتعلق بالمكان والزمان ويحكمها بالتالي الواقع الإنسانى.

■ بالمحصلة أيها السادة :
التكييف لمصالحهم هو ديدنهم وهو الأمر المدعوم من ساستهم حبذا لو تنبهنا إلى ذلك لكي نفضح ما يرنون ويرمون إليه من تزوير وتحريف وقلب للحقائق لكي يدعم كافة ادعاءاتهم. ونحن نحارب الفكر وأربابه جهاراً نهاراً حتى في لقمة عيشهم وحبذا لو هيئنا الظروف المناسبة لكافة أرباب الفكر العرب كي يعيدوا الأمور إلى نصابها لكي تكون فى موضعها الحق والصحيح لأن في ذلك انتصاراً لقضايانا العادلة وبالتالي انتصاراً لأمتنا. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
 0  0  3936
۞ إيضاح تقني : في خانة (أضف تعليق) الأحرف المتاحة أكثر من (1000) حرف // أما في خانة (الرد على زائر) في حدود (100) حرف فقط.
التعليقات ( 0 )