• ×

08:27 مساءً , السبت 13 جمادي الأول 1440 / 19 يناير 2019



في الفكر العربي : (التاريخ ـ الواقع) ـ تأملات علمية.
في الواقع أن هناك أزمة حقيقية في التأليف الفلسفي لأن المشتغلين بهذا الصنف من أمة العرب دائماً يكررون دون أدنى إضافة جديده سواءً فيما يتعلق في الذاهب أو فيما يتعلق من مستجدات متعلقة في التقدم العلمي وسلفاً يدرك كل دارس لهم أنهم يقعون في قضية غاية في الخطورة ألا وهى الخلط بين العلم والمعلومة وشتان ما بينهما وهذا يعود لعدة أسباب أهمها على الإطلاق التخصص الذي بدوره يلغى التخبط والخلط وبالتالي يحدث هذه الأزمة التي يعانى منها الفكر العربي تحديدا والشيء بالشيء يذكر (كتبت مقالاً عن الاعتزال في إحدى الصحف الأردنية منذ زمن وهذا موثق عن الاعتزال وتناولت فيه اصل التسمية ولم يرق للبعض ذلك مع العلم أن التجرد في البحث قد يوصلك لذات النتيجة) هذا مثالاً سقته يدلل على ما اشرنا له انفا ليس فالتأني والقراءة للآراء بموضوعية وتجرد قد توصل إلى الحقيقة التي يهدفها كل باحث لأن البناء على خطاء حكما سيورث الخطاء وهذا اصل العلة ربما لا يستطيع أخدا أن ينكر الغاية والهوى في النفس أو تغليب رأى على آخر وهذا هو الإجرام بعينه لأنه يقلب الحقائق وشوه وجه التاريخ لذلك ترى التخبط وتعدد الآراء الغير محمود حكماً والذي يطمس الواقع ويشوه أيضاً فمفكري الغرب يستندون على مثل هذه الدراسات لتشويه وجه التاريخ وهم يعلمون كنه من صاغوا فالحذر من الاعتماد على ما يخطون لذلك نشأت تيارات الاستشراق والاستغراب وهذه لا تخفى على احد مقدمة كان لا بد منها لارتباطها الوثيق بموضوعنا ونرجو من الله أن نجانب الهوى والغاية التي تؤدى إلى الجنوح عن جادة الحق والصواب ونساله جلت قدرته أن نضع الأمور في نصابها والنقاط على الحروف فغير المنقوط لا يقرأ جيداً ويودى بالحقيقة دراسة في الفكر العربي علماً بقلة المصادر التي يمكن الاعتماد عليها لدراسة هذه المرحلة والتي تناولت أوضاع العرب قبل رسالة الإسلام وبشكل تفصيلي ودقيق ليس أمامنا إلا الاعتماد على الكتب السماوية وهى القرآن الكريم والتوراة واعتماد ما رواه رواة الإسلام وإشعار تلك الحقبة انفسهم فكما قيل الشاعر مؤرخ وفعلا كانت توثق ما كان سائد عندهم في تلك المرحلة وما وصل إلينا من كتب الرومان واليونان وأخيراً الاكتشافات الأثرية في اليمن (الحميرية) وفى دمشق (موقع الصفا) تلك هي المصادر التي يعتمد عليها كل من يبحث بهذه الحقبة من تاريخ العرب والتي تمتد منذ الظهور إلى الهجرة النبوية المباركة عام 622 - قطعاً لا تتناول أدق التفاصيل - على كل الأحوال أن استقراء النقوش واللقى الأثرية يفيد في التدليل على انه كان لعرب الجاهية حضارة ذات قيمة فها هو (هومل) يقول في كتابه مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية أن الحضارة العربية الجنوبية بألهتها ومذابحها ذات البخور ونقوشها وحصونها وقلاعها لا بد أن تكون مزدهرة متحضرة منذ الألف الأول قبل الميلاد.
على كل الأخوال بلاد العرب إقامة علاقات بحضارات العالم شاء من شاء وأبى من أبى التي كانت موجودة آنذاك وساعد على ذلك موقعها الجغرافي باعتبارها واسطة العقد بين أمم العالم - لذلك كانت مطمع لأي غاز - فقامت الصلات بين الشرق والغرب وكانت الممر للقوافل التي تركت أثراً واضحاً بهذا المرور في بلادنا سواءً على الصعيد الثقافي أو الحضاري وبالعادة كما يعلم الجميع أن الاختلاط يترك أثرا وعلى كافة الصعد، وعليه نجد أن عرب الجنوب أقاموا التجارة بين الهند ومصر ودول فيما كان يعرف ببحر الروم وأقاموا فيها أيضا مستعمرات في شمال الجزيرة العربية التي أصبحت فيما بعد دول ذات قيمة كعرب تدمر وأنباط البتراء ولخمييى الحيرة وغساسنة بصرى ومن هؤلاء كان أيضا في الحجاز ال يثرب وفى نجد آل كندة، فهذا الموقع الجغرافي الوسط جعل بلادنا هدف لكل طامع فمن الجنوب قصدها الأحباش والهنود ومن الشمال الروم والآراميون والمصريون وهذه كله يؤدى بالتالي إلى التمازج المدني والحضاري أذن سادت بلاد العرب تيارات فكرية عديدة لا بد من التعريج عليها في معرض بحثنا في نشأة الفكر العربي كما اشرنا في الجزء الثاني سادت بلاد العرب تيارات فكرية عديدة لابد من التعريج عليها في معرض بحثنا في نشأة الفكر العربي.
1- (العقائد) وهذه اخبرنا عنها القرآن الكريم وأيضاً الكتابات الجاهلية والإسلامية وكما هو معروف كانت ديانات العرب في الجاهلية اليهودية والنصرانية والوثنية.
2- (اليهودية) فهي موغلة القدم في بلاد العرب ودخلتها في زمن إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام وقد جاءها اليهود مهاجرين بعد دمار الدولة اليهودية وهذا دعاهم لإنشاء جاليات في اليمن والحجاز والشمال.
3- (النصرانية) فقد دخلت بلاد العرب منذ عهد الرسل خلفاء المسيح وانتشرت انتشارا واسعا فى جميع أنحاء الجزيرة ودان بها عددا ليس بقليل من أبناء القبائل.
4- (الوثنية) فقد كانت السائدة في بلاد العرب لذلك جاءت اليهودية والنصرانية وحاربتها والوثنية التي سادت في جنوب شبه الجزيرة قامت على أساس فلكى تعبد القمر الإله ود وتعد الشمس زوجة له وعشتر أي الزهرة ابنا لهما.
5ـ معارفهم : شمل الفلكي والطبيعي فعرفوا السيارات السبعة وأبراج الشمس ومنازل القمر ولقد قسموا السنة إلى أثنى عشر شهراً قمرياً وقبل ظهور الإسلام بنحو مئتي سنة تعلموا كبس الشهور كل ثلاثة أعوام شهرا واحدا ولقد قسموا الشهر إلى أسابيع والأسبوع إلى أيام (اوهد، اهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شيار).
6ـ معارفهم الطبية : عرفوا التداوي بالأعشاب من خلال دراسة فوائدها وعرفوا أيضاً الكي والفصد إضافة إلى الرقى والتمائم والعزائم ومصادر طبهم تجاربهم ونقلهم عن الهنود والفرس والسريان ونذكر من اشهر أطباؤهم لقمان الحكيم وابن حذيم والحرث بن كلدة.
7ـ المعتقدات والأساطير : (الميثولوجيا) فقد شاعت في العصر الجاهلي وانتشرت كاعتقادهم بالجن والغيلان والقرناء وعرفوا الكهانة والسحر وذكروا مواطن الجن عبقر وان للجن مطايا.
مع ظهور رسالة الإسلام ونزول القرآن الكريم الذي جاء بتشريعات ناظمة لكافة مناحي الحياة، وكما هو معلوم أن كتاب الله قسمان : المكي والمدني، أما المكي فجاء مبيناً أصول الدين والدعوة وحاضاً على مكارم الأخلاق أما القسم المدني فجاء بأصول الأحكام وتشمل التشريع الديني والسياسي والاجتماعي.
وعليه فقد نظم القرآن الكريم حياة المجتمع بشكل عام ونقلهم من النمط البدائي القبلي إلى مجتمع منظم كل ما فيه نابذاً كل العادات والتقاليد السيئة وحاضا على فضائل الأخلاق الإسلامية، وبالتالي كان الضابط الإنساني السامي الذي نظم الحياة بقضها وقضيضها.
وتلته السنة الشريفة التي تعتبر من مصادر التشريع وهي المصدر الثاني بعد كتاب الله التي يلجأ لها في الوصول للأحكام والسنة هي (كل ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة) أما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، وقد اتسعت رفعت الإسلام وامتدت ساحة انتشاره هذا بالضرورة أدى إلى ظهور بعض المشاكل من سياسية واجتماعية وحتى شخصية عندها أخذ المسلمون يبحثون عن حلول وأول ما لجأوا له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اطلق على المتمسكين بالسنة النبوية بداية الأمر أهل السنة واطلق على من يخالفها أهل البدعة وفي هذه المرحلة نشأ علم الحديث وهدفه جمع كافة أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام سواءا كانت أفغالاً أم أقولاً أم تقريراً إلى جانب أعمال الصحابة أيضاً، وجمع الحديث بداية عن السنة الصحابة ومن ثم عن السنة التابعين ثم السنة تابعي التابعين والمعروف أن الحديث يتكون من قسمين هما : المتن وهو موضوع الحديث، والإسناد وهو أن يقول المحدث حدثنا فلان عن فلان إلى وصوله للرسول عليه الصلاة والسلام.
وغير خاف على احد أن الخلافات بشتى صنوفها في الإسلام أدت إلى دس الآلاف من الأحاديث المنتحلة وهى بالقطع الهدف من وضعها الإساءة إلى الإسلام ورسوله وهذا الأمر شغل بال علماء الحديث بخصوص الصحيح والمتحول. وكان جمع الحديث في البداية في اتجاهين المستندات وهى بيان من أسندت اليهم المصنفات. وهى تتم وفق موضوع الحديث إما علم الفقه فغايته وهدفه الأسمى هو شرح النص القرآني حقيقة لا بد من التعريج عليها.
أدى اتساع رقعة ارض الإسلام وترامى أطرافها إلى اختلاط وتفاعل وامتزاج المسلمين مع غيرهم من الشعوب وخصوصاً أولئك الذين اعتنقوا الإسلام وأيضاً اتساع مساحة العلاقة بين المسلمين وغيرهم هذا جعل القواعد التي بنيت عليها الأحكام بطبيعتها غير كافية مما أدى إلى إيجاد معايير جديدة وأسس تضاف إلى الأسس التقليدية. فدولة بنى العباس مثلاً قامت على أكتاف الفرس - البعض يرفض هذا الطرح - ولكن هذه هي الحقيقة وكان اعتمادهم على غير العرب في إدارة شؤونهم ووضعوا شعار (لا فضل لمسلم على مسلم إلا بالتقوى) وجمعوا بين السلطة الدينية والمدنية بعكس خلفاء بنى أمية وقربوا منهم رجال الدين بهدف جمع النصوص الفقهية وتصنيفها وبذلك ظهرت المصنفات الفقهية كما ظهرت المذاهب وعلى اثر ذلك برزت الاتجاهات الفكرية فكان التقليدي المحافظ وكان التيار الداعي إلى إعمال العقل واستخدام القياس واعتماد الرأي واتباع الأصول الدينية، وخلال هذه الفترة ظهرت المذاهب الفقهية فمنها ما ثبت ومنها ما زال وتلاشى وكان سبب ذلك يعود إما لتشددها في التزام حرفية النص ورفضها التأويل أو الأخذ بالرأي كالظاهرية وأما يعزى سبب الزوال والتلاشي لعدم وجود الشخصية الفذة التي تنافح عن هذا المذهب أو ذاك.
ونذكر من المذاهب التي تلاشت مذهب الإمام الأوزاعي وسفيان الثوري وابن جرير الطبري وغيرهم أما المذاهب التي صمدت وثبتت وما زالت إلى يومنا هذا فهي المالكي والشافعي والحنبلي والحنفي.
(الفرق الإسلامية) وعلى اثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم نشأت أزمة شديدة على اعتبار لم يعين الرسول خليفة له قبل وفاته فتدارك الأمر عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" وبايع أبو بكر الصديق وتبعه الكثير من الناس إلى أن الإمام علي "رضي الله عنه" كان يرى انه الأحق بالخلافة على اعتبار انه ابن عم الرسول وزوج ابنته وهو أيضاً أول من امن بالرسالة ومع ذلك قبل بخلافة أبو بكر الصديق دفعاً للانقسام والانشقاق وكان حكم أبو بكر سنتين وأوصى بالخلافة من بعده عشر سنوات وفي هذه الفترة وتطد أركان الدولة ومن بعده عثمان ولم يكن بقوة عمر وبالتالي نشأت الفتن والحركات وظهرت خلال هذه الفترة فكرة حق آل البيت بالخلافة إلى أن هذه الفتن أودت بعثمان فقتل في منزله وبويع بعد ذلك الإمام بن علي كرم الله وجهه وثار عليه طلحة بن عبيدالله ومعاوية بن أبي سفيان وانضمت فيما بعد عائشة "رضي الله عنها" إلى معارضي علي بجوار البصرة فهاجمهم الإمام وكانت معركة الجمل سنة 656 وقتل طلحة والزبير وأما معاوية فكان عندها واتهم علي بمقتل عثمان وهذا ألب الكثيرين واشتدت بينهم الخصومة بين الكوفة ودمشق وعلى اثر ذلك وقعت معركة صفين عام 657 على ضفاف الفرات شمال مدينة الرقة وكاد أن يكون النصر لعلي وأشار عمر بن العاص على معاوية برفع المصاحف على الرماح وعندها توقف القتال ورضي الإمام بالتحكيم وناب أبو موسى الأشعري عن علي وعمرو بن العاص عن معاوية وكان أن خسر الإمام في هذا التحكيم وعلى اثر ذلك خرجت عليه فئة من أعوانه عرفوا بـ (الخوارج) وهكذا برزت فرقتان قويتان هما فرقة (الخوارج) وفرقة أنصار علي وهم (الشيعة) وتتالت بعد ذلك ظهور فرق كثيرة ومتعددة كالمعتزلة وإخوان الصفا .. الخ.
فتعددت الآراء والمواقف وهذا باعتقادي كان البداية الحقيقية لبزوغ فجر الإسلامي الحق والصحيح إذن حملت رسالة الإسلام الفكر الفلسفي الصحيح لأمة العرب.
image في المواد العلمية : التأملات العلمية.
 0  0  4466

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:27 مساءً السبت 13 جمادي الأول 1440 / 19 يناير 2019.