• ×

07:04 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

◄ لقد أصبحت العبارة أعلاه بمثابة العقد النفسية المتغلغلة في نفوس كثيرٍ من المشرفين التربويين ـ وأكاد أقول في نفوس الجميع ـ لا يجدون منها فكاكاً، فهي تطاردهم أينما يمموا في كل لقاء تربوي خاص أو عام تقريباً.

ولقد أحصيت تساؤلات كثيرة بأساليب مختلفة، وصيغ متنوعة كلها أنهار متعددة تصب في السؤال الكبير التالي :
"لماذا يدور في أروقة وزارة التربية والتعليم وإداراتها عبارة" ضعف الأثر الإشرافي التربوي "؟" (كان ذلك بعد زيارة مدير عام التربية والتعليم بالمنطقة الشرقية لمراكز إشراف المنطقة) وهم بهذا السؤال يحاولون جاهدين طمس هذه الصورة الكئيبة عن آثارهم الإشرافية، والحقيقة أن هذا الطرح لا يخلو من استغراب وتعجب شديدين.
ففي الوقت الذي يُجْمِع فيه التربويون عامة والمشرفون التربويون ـ على وجه الخصوص ـ على الضعف الشديد والمأساوي في "المخرج" أو "الناتج النهائي" من العملية التربوية التعليمية في المملكة العربية السعودية بشكل عام، نجد كثيراً من المشرفين يصرون على خطأ تلك العبارة التي تسم آثارهم الإشرافية بميسم الضعف.
وأرجح الظن ـ عندي ـ أن هذه الصورة هي إحدى صور (صراع الأضداد) التي تعتمل بعيداً هناك في أغوار كثير من نفوسنا، فنحن نقر بالنتيجة الخاتمة "ضعف المخرج التعليمي" ولا نعترف ـ في الوقت نفسه ـ بضعف آثارنا الإشرافية التربوية التي هي إحدى الأسباب، والسبب والنتيجة هنا يتفاعلان تفاعلاً متسلسلاً ـ على حد قول علماء الذرة ـ ولست أدري كيف تكون نتيجة كتلك المعترف بها، مع قوة وصلابة آثارنا الإشرافية التربوية، إني لا أستطيع الجمع بين النقائض السابقة، فهل من جامع ؟
والحقيقة المدوية ـ التي لا تتستر بجلباب المجاملة السلبية، ولا تتوارى بحجاب العاطفة الوظيفية، والمهمة الإشرافية التربوية ـ هي أن الأثر الإشرافي التربوي ضعيف حقاً، بل يجب أن يكون ضعيفاً، وهذا هو الوضع الصحيح ـ مادامت النتيجة النهائية ضعيفة ـ إذا لو كان قوياً لأصابتنا دهشة التناقض الصريح، فالإشراف التربوي والمشرف التربوي حلقة من سلسلة طويلة من الحلقات يؤثر ويتأثر بها، ولا غرابة أن ضعف بضعفها أو تقوّى بقوتها بشكل عام.
والمشرف التربوي لا يتحمل وحده ذلك الضعف، وأحياناً قليلة لا صلة له بهذا الضعف، والمُطلِع الجيد على أعمال ووظائف الإشراف التربوي قد يرى وجاهةً في قولنا هذا، ومن وجهة أخرى، فلعل اختلاط المفاهيم ـ عند البعض ـ لعب دوره هنا أيضاً؛ فاختلط "ضعف الأثر الإشرافي التربوي" بضعف عمل المشرف التربوي مما أحدث ربكة ليست بالهينة عند كثير من المشرفين التربويين، فهاهم يحاولون جَهدهم الدفاع عن جهدهم.

أما ما يخص أسباب ضعف الأثر الإشرافي التربوي، فإنا لو ذهبنا نستقصيها لأعيانا ذلك لتداخلها وتفريعاتها، ولكن هذا لا يمنع من ذكر بعضها على وجه العموم :
1) هوية الإشراف التربوي :
إن عباءة الإشراف التربوي فضفاضة، بلا هوية وبلا حدود، ولا أعلم إن كانت المحاولات الأخيرة ستجدي نفعاً، أم أن الحال سيبقى على ما هو عليه ؟
وهذا السبب يتفرع منه تفريعات كثيرة : عن المهام والتكاليف الإشرافية، عن مدارس التنسيق الإدارية، والأعمال الفنية، عن تداخل الجهات الإشرافية المتعددة على الجهة الواحدة، ولو أسهبنا لكثرة (العنعنة).

2) الضعف الشديد في تأهيل المشرف التربوي الجديد أو القديم أيضاً :
أسبوع من البرامج "الخطابية" و"الوعظية" ماذا عساها أن تقدم للمشرف التربوي الجديد ؟

3 ) النصاب العالي والمُجهد من المدارس والمعلمين :
هذا بدوره يفضي لسبب آخر وهو قلة أعداد المشرفين التربويين، وهذه القلة بدورها تفرز تساؤلات حولها فلماذا هذه القلة ؟ هل من إجراءات الاختيار، أم النفور من الإشراف التربوي لكثرة الأعمال وغياب الحوافز، أم هناك علل أخرى ؟
هذه مجموعة من الأسباب وعلى المشرفين التربويين أن يعيدوا صياغة سؤالهم المؤرق : "لماذا يدور في أروقة الوزارة وإداراتها ضعف الأثر الإشرافي للمشرفين التربويين ؟" ويستبدلوه بالسؤال العملي "لماذا هذا الضعف في آثارنا الإشرافية" فرق كبير بين السؤالين، أحدهما يقود للوم والعتب دون جدوى، والآخر يقود للبحث العملي عن أسباب القضية.

وأخيراً :
أستطيع أن أقول ـ وأنا مطمئن ـ إن تفعيل مشروع "المعلم الأول" ولو بنسبة 50% سيمكننا من الاستغناء عن الدور الذي يلعبه المشرف التربوي حالياً، وقد يتفوق نتيجةً.
ولعل من الجدي نفعاً أن يُقام هذا المشروع ـ ولو بالنسبة المذكورة ـ في المرحلتين المتوسطة والثانوية، وتوجه جميع جهود المشرفين التربويين عن بكرة أبيهم لتصب في صالح المرحلة الابتدائية، وعلى وجه الخصوص الصفوف الأولى منها؛ لتوحيد الجهود أملاً في تحسين مخرجات هذه المرحلة.
إن ما تطالعنا به الإحصاءات اليوم عن مستوى تعليمنا لأمر مؤرق ومقلق للغاية، يجب أن نأخذه بعين الاعتبار والجد، أو اعتبارها مؤشرات على أقل تقدير، ولو أن بعضها يرتسم الشك الفاضح في ثناياها.
ومع ذلك كله فلابد أن تغير أصابع الاتهام اتجاهها وتعود للداخل؛ لنقوم بنقد ذاتي ومراجعة شاملة عوضاً عن إضاعة الجهود في الردود.

 2  0  2136
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1431-02-17 11:38 مساءً وحيد الزيادي :
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أخي الفاضل أ/ عواض القرشي . حفظه الله
    لا شك أنك عزفت على وتر حساس من بين أوتار عدة منها الجيد ومنها المهترئ والكثير منها المقطوع ان لم أكن مبالغا فيه ، لتخرج لنا وصلة غنائية ذكرتنا بوصلات بيتهوفن الشهيرة والتي لم أحظى بسماع واحدة منها في حياتي !!
    إلا أنني على يقين ببراعتكم على العزف حتى في أحلك الظروف ، وما خبرتكم بالسلم الموسيقي للتربية والتعليم وتدرجكم فيه من معلم إلى مشرف إلى اداري إلا خير دليل على ذلك ، ولولاه لما تجرأتم وأمسكتم بزمام المبادرة في قيادة فرقة ( الأضداد) والذي أعجبني هذا المصطلح من شخصكم الكريم والذي تراقصت على أنغامه كثيرا بيني وبين نفسي .
    ولذا أهمس في أذنكم وأذن كل متابع للساحة الإشرافية وأقول \" ألا يحق لفرقة ( الأضداد ) هذه أن تصدح بما عندها وتسوق له وهي ترى الساحة الغنائية تعج لنا كل يوم بالغث والسمين !
    سيدي الفاضل إسمحوا لي أن أساهم معكم في حدود إمكانياتي المحدودة والتي لا تسعفني سوى بالإشارة إلى بعض تلك الأوتار المقطوعة أو المهترئة ان صح التعبير ولملمتها وارسالها لمن يعيد تصنيعها ، كما يفعل بعض إخواننا الأفارقة من تجميع علب البيبسي الفارغة !!
    علنا نصل جميعل لمعزوفة جميلة نطرب بها أسماعنا ؟! وإليك ما استطعت تجميعه من بين تلك الأوتار :
    1- الكفاءة المطلوبة في ترشيح المشرف التربوي : فالحال يقول إن الترشيح بناءا على أداء المعلم أحيانا وعلى الشللية غالبا مع احترامي الشديد. مع العلم أنه ليس كل معلم مميز أو حبيب مقرب مشرف تربوي ، فالمشرف هو نتاج ( معلم مميز مربي بارع )
    فلك أن تسأل فرقة( الأضداد) أيعقل أن يناقش المعلم أحدهم في مسألة تتعلق بصميم المادة العلمية ولا يخرج بفائدة بحجة البعد عن المنهج من سنين عديدة ، أو عدم تدريسه في هذه المرحلة اطلاقا !!
    ولك أن تسأل اياهم وهو لا يفقه في أمور التربية حتى أبجدياتها . كيف تعالج الأخطاء التربوية التي قد يقع فيها المعلم ؟ فيجيبك بأنه يحصيها في سجل الزيارات فقط !!
    2- التواصل بين المعلمين من جهة والمشرفين التربويين من جهة أخرى : فما المانع من أن تعقد ورش عمل ( دروس نموذجية ) في المدرسة بشكل دوري من (قبل الطرفين ) ومناقشة المشاكل التربوية حتى نضمن تأهيل المعلمين وكفاءة المشرفين .
    3- معايير ثابتة وجوهرية لدى جميع المشرفين : ولا تكون مطاطة كما تفضل أستاذنا الكريم بتوضيحها ، وهذه للأمانة لا تأت من زيارة أو زيارتين ، بل بمتابعة مستمرة ، وهنا يأت دور المعلم الأول والإدارة والتي نوه لها صاحب المقال ، حتى نضمن جودة المخرجات.
    4- وهناك أوتار مهترئة لا يسع المجال لذكرها يعيها كل متابع للساحة الإشرافية والتي يغلب عليها طابع التنظير وتحتاج الى آلية لتفعيلها .
    5- أما الوتر الحساس والرئيس الذي عزف عليه أستاذنا الفاضل فأرى بأنها شهادة حق من أهلها ، وخصوصا أنها نابعة من دراسة احصائية لا كما يقول ربعنا ( كله عند العرب صابونة ) !!
    وفي الختام : أوجه هذه الرسايل لمن يهمه الأمر
    1- ألا ترى صديقي العزيز أني أدور في حلقة مفرغة لا نعرف أولها من تاليها ، وخصوصا أني ألمح في مخيلتي أحدهم وهو يتمتم بكلمات توحي بعلامات الغضب وكأنه يقول لي: ياأخي كيف بك تزين المنكر ؟! الا تعلم أن الغناء محرم والخوض فيه مجاهرة بالمعصية ؟! عندها طأطأت رأسي وعلمت ان صاحبنا لم يدرس التعبير المجازي في مدرسة ( الأضداد )
    2- رسالة تحية وإجلال وإكبار وحبة خشم لكل مشرف تربوي ساهم في صناعة معلمين أفذاذ ، أخرجوا لنا طلاب عباقرة على خلق عال ، ولا يعني وجود الشواذ أن ننكر فضل الغيورين منهم وننسف مجهوداتهم ، ولنعلم أن الإعتراف بالخطأ هو بداية الصواب.
    3- أرجو أن لا يظن أني أهاجم الإشراف التربوي فهو قمة الهرم وصلاحه يعني سلامة مخرجاتنا . والله من وراء القصد
  • #2
    1431-02-20 08:38 مساءً عواض محمد القرشي :
    و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
    حي الله الأستاذ وحيد ، و حي الله تعليقه الجيد ..
    أسعدتني مداخلتك أخي ، فبورك في حرفك ..
    يخيل إلي أخي الكريم أنك تستهلك وقتا غير يسير في صنع الديباجة و اختيار المحسنات و الاستعارات ، ثم تجعل فتات الزمن للفكرة المطروحة على بساط النقاش . و لو كان الأمر معكوسا لكان خيرا و أرقى ..
    حيث يصرف جل الوقت لسبر أغوارها ، لا سيما وهي قضية تربوية حساسة بحاجة لمطارحة الفكرة بالفكرة و معالجة ما نستطيع من خلال خلق آراء جديدة بعيدة عن ( علب الببسي ) التي استهوت فكرك الجميل .
    و لكن لا ضير ، فكل إنسان ينظر للأمور من زاويته الخاصة ، و من خلال إطاره الفكري الذي ركب على عقله منذ أزمان ...
    أما ما يخص مصطلح ( صراع الأضداد ) فأراك اختزلته اختزالا مبتسرا لحاجة في نفس الاستاذ وحيد قضاها .. ثم نسجت من هذا المصطلح تعميما أراه جائرا و بعيدا عن الموضوعية المتوخاة و هو ( فرقة الأضداد ) ..
    أعود و أقول أن تلمس الموضوعية أمر مهم و ضروري حتى لا تغرقنا بلاغتنا في بحور التيه و الانفعال ...
    أما ما ذكرته أخي العزيز من نقاط ثلاث فهي في قلب الفكرة و جديرة بالتأمل .
    أشكرك أخي وحيد على ما باح به يراعك .. و الأمل يحدوني لرؤيتك مجددا في طرح آخر أكثر فائدة و أرقى نقاشا ..
    و السلام عليكم و رحمة الله

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:04 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.