• ×

07:20 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الريادي الكبير الذي يقوم به المعلم في سبيل تنمية وازدهار المجتمع، فهو القائد الحقيقي لمسيرة الأمة الحضارية، لذا فقد منحته الأمم المتقدمة تربوياً حقه، فأولته عنايتها، وجعلته يحتل المكانة الاجتماعية العظمى التي تليق به، ويسرت له أسباب العيش الكريم التي تمكنه من القيام بواجبه الضخم على أتم وجه.
ويهمنا هنا في هذا المقام، أن نلم بالعوامل التي تحقق للمعلم ذاته وسعادته، وتجعل منه انساناً منتمياً مخلصاً وخلاقاً ومبدعاً، وهذه العوامل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالظروف التي تحيط به في المدرسة وفي البيت، فإن إدراك المعلم لحقوقه التي يجب أن يتمتع بها وحصوله على هذه الحقوق أمر له تأثيره الكبير في رفع روحه المعنوية، وتفجير طاقته الكامنة، وبالتالي تمكينه من القيام بالواجبات المنوطة به خير قيام.
وأول هذه الحقوق : أن تكون الأعباء الملقاه على عاتق المعلم معقولة ومحتملة، فكلما كان عدد طلاب الصف قليلاً، كلما كانت الفائدة المرجوة لهم أكثر، وكلما كان عدد الحصص الموكلة إليه أقل، كلما كان إنتاجه أفضل.
فإذا علمنا أن عدد طلاب الصف الواحد في معظم المدارس الحكومية يربو على الخمسة وثلاثين، وأن نصاب المعلم يربو على العشرين في معظم الأحيان، يضاف إلى ذلك مئات الكراسات التي يطالب المعلمون بتصحيحها أسبوعياً، فإننا سندرك حتماً السبب الحقيقي الذي يكمن وراء التخلف الدراسي الذي يعاني منه كثير من طلابنا في مراحلهم التعليمية المختلفة، على الرغم من وجود نخبة من المعلمين المؤثرين يتفاعلون معهم.
وأما الحق الثاني المشروع للمعلم فهو توفير كل الوسائل والتجهيزات المعينة التي قد يحتاج إليها أثناء تأديته لعمله، كالكتب المقررة، والأبنية المدرسية المناسبة، والمختبرات العلمية، ومختلف وسائل الاتصال، وغير ذلك من الأمور التي يمكن أن تخدم البرنامج التربوي المعد للنهوض بالنشء.
وينبغي كذلك أن نحقق للمعلم كيانه، فنهبه الحق في النقاش الديمقراطي ونشجعه على إبداء رأيه حتى ولو كان هذا الرأي مخالفاً لأراء من هم أعلى منه مرتبة تنظيمية في الادارتين المدرسية والتعليمية.
ومن واجبه علينا كذلك، أن نتجنب قدر الامكان توجيه اللوم ورسائل لفت النظر إليه، لأن كثرة الانتقادات تجعل مفعولها عكسياً، وتكون سبباً مباشراً في إحباطه بدلاً من تقويمه.
ومن جانب آخر فإن تنمية المعلم أكاديمياً ومهنياً تجعله أكثر اقتناعاً بدوره، وهنا يبرز دور الاشراف التربوي الذي لم يوجد أصلاً إلا لتحسين التعليم ورفع كفاءة المعلمين.
كذلك فإن إشراك المعلم في وضع المناهج المدرسية يولد لديه الرغبة والحماس لتحقيق الأهداف التعليمية المرسومة التي شارك هو في تحديدها.
أما الموضوع الأكثر أهمية الذي يلعب دوراً مهماً في زيادة عطاء المعلم، والذي لم يلق الاهتمام الكافي به حتى الآن، فهو موضوع الاجازات الدراسية، وذلك لأن المعلم يختلف عن غيره من عباد الله العاملين في الدوائر الرسمية والمؤسسات الخاصة إذ أن عمله قائم على التفاعل المستمر بينه وبين طلابه، الأمر الذي يحدث لديه توتراً متزايداً خلال العام الدراسي، هذا التوتر ينبغي إزالته، وإلا فإن عطاء المعلم لن يكون متزناً ولا خصباً في السنوات اللاحقة، لذلك فهو بحاجة لإجازة صيفية كافية لإزالة توتره وتعديل مزاجه.
وتقديراً للدور المقدس والعظيم الذي يقوم به المعلم، فإنه ينبغي أن نتوخى الدقة التامة أثناء تعاملنا معه فنجنبه كل ما من شأنه أن يمس خاطره أو يعكر صفوه، وفي هذا الصدد يجب أن يحاط المعلم بحصانة قانونية فلا يحاكم أمام المحاكم المدنية التي تحاكم عامة الناس، بل تشكل الوزارة محكمة خاصة للنظر فيما يرتكبه المعلمون من أخطاء ومخالفات قانونية، بعيداً عن تدخل رجال الشرطة والقضاء، هذا بالاضافة إلى الحصانة اللازمة ضد وسائل الاعلام المختلفة وخاصة الصحافة.

■ أما أهم الواجبات التي يجب أن يلتزم بها المعلمون فهي :
1ـ العناية بالطلاب، وهذه من أعظم واجبات المعلمين، لأن الطلاب هم أمل الغد ورجال المستقبل الذين تقوم نهضة الوطن وعزته على أكتافهم، والمعلم هو الأمين عليهم، المكلف برعايتهم، وتنشئتهم تنشئة سليمة، وتتم العناية بهم من خلال :
أ ـ تدريبهم على الأسلوب التعاوني في الحياة، وترغيبهم في البحث عن الحقيقة أينما كانت وبأسلوب علمي.
ب ـ التعرف على حاجات الطلاب في المدرسة والبيت والمجتمع والعمل على اشباعها.
ج ـ تبصير الطلاب بمسؤولياتهم تجاه مجتمعهم وأمتهم وعالمهم الذي يحيون فيه.
د ـ تنمية اتجاهاتهم نحو القيم وترغيبهم في الأخلاق الحميدة، وتنفيرهم من الخصال الذميمة.

2ـ لا يقتصر دور المعلم على ما يقوم به تجاه طلابه وإنما يتعدى ذلك للمساهمة الجادة في المجتمع من خلال النشاطات التي تقوم بها المدرسة لخدمة البيئة المحلية، وعليه أن يكون على اتصال دائم بأولياء الأمور ليبحث معهم القضايا التربوية التي تتعلق بمستقبل أبنائهم.

3ـ وفيما يتعلق بواجبات المعلم تجاه زملائه فإن من الواجب عليه :
أ ـ أن يتقبل برحابة صدر كل ما يوكل إليه من أعمال أساسية أو إضافية.
ب ـ أن يحترم وجهات نظر زملائه حتى وإن كانت مخالفة لرأيه.
ج ـ أن يعاون زملائه في تحقيق أهدافهم.
د ـ أن يكون قدوة لزملائه في تأديته لعمله وفي حضوره وانصرافه.
هـ ـ أن يثق بزملائه وبإدارته المدرسية والتعليمية، وأن تكون اتصالاته بالمسؤولين وفق التسلسل الرسمي المتعارف عليه.
و ـ أن يشارك في اجتماعات المعلمين بايجابية.
ز ـ أن يحرص على عدم التدخل في خصوصيات زملائه.
ح ـ أن يتجنب الاشتراك في التكتلات ومراكز القوى التي تشكلها بعض ذوي النفوس المريضة في المدرسة.

4ـ وأما عن واجبات المعلم تجاه عمله فيمكن تلخيصها فيما يلي :
أ ـ أن يكرس كل وقته للتربية والتعليم، وأن يمتنع عن مزاولة أي عمل آخر مهما كانت الظروف والأسباب، لأن من شأن ذلك أن يشغله عن تأدية رسالته على الوجه الأكمل.
ب ـ أن يخصص جزءاً من وقته خارج المدرسة لرفع كفايته ولزيادة نموه المهني وعليه أن يتخطى حدود الخبرة بمادته العلمية إلى مجالات أخرى تتعلق باعداد الطالب اعداداً يتناول كافة الجوانب المكونة لشخصيته، فهو بالاضافة إلى خبرته في مادته التي تخصص بها خبير بمختلف أنماط التفاعل مع طلابه حسبما تقتضيه مستويات نموهم المتفاوته.
ج ـ على المعلم أن يهتم بالأراء والقضايا التربوية الحديثة، وأن يعمل على تنويع ثقافته بكل الوسائل المتاحة، لأن طبيعة عمله تقتضي ذلك،فهو يتعامل مع طلاب يشكل سلوكهم أساساً بفعل معطيات ثقافية غير مدرسية اكتسبوها من البيئة، وبعض أنماط هذا السلوك فاسدة، وغير مرغوب فيها، ويقتضي تغييرها أوتعديلها، وحتى ينجح المعلم في مهنته هذه، لابد أن يكون متنوع الثقافة وغزيرها، وذلك لكي يتمكن من طرح البدائل المناسبة الصالحة.

■ نخلص مما سبق إلى أن دور المعلم حساس وخطير في المجتمع، وأنه هو الذي ينهض بالأمة أو يهوي بها، وأن العناية الفائقة به تمكنه من القيام بدوره خير قيام، ونحن عندما ننهض به إنما ننهض بالأمة، وعندما نقصر بحقه إنما نقصر بتربية أبنائنا فإن من أبرز الحقائق الشورية التي لا يجب إغفالها هي عدم الفصل بين حقوق المعلمين وواجباتهم.

 5  0  3887
التعليقات ( 5 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1430-04-14 06:23 مساءً إدارة منهل الثقافة التربوية :
    أخي الكريم أبو فراس ..
    سلمت يمناك على هذه المقالة الإدارية التربوية الرائعة ، ولعلها مرجع علمي قيّم لحقوق المعلمين وواجباتهم خاصة وأن محررها مشرف إدارة مدرسية وخبير تربوي ..
    جل الاحترام لشخصكم الكريم .
  • #2
    1430-04-14 06:33 مساءً علي بن محمد الزهراني :
    مقال تربوي مميز .
    شكرا لك على هذه المعلومات القيمة والتي تفيد كل المعلمين والتربويين .
    دمت لكل خير
  • #3
    1430-04-15 12:07 صباحًا معيض القرني :
    مقال رائع
    وهو بحق مرجع في هذا الباب
    فجزى الله كاتبه خير الجزاء .
    وما ثبت في حق المعلم فهو ثابت في حق المعلم قطعاً فالمجال واحد، والمهمة والرسالة واحدة .
    فشكري وتقديري لكاتب الموضوع على هذا المقال الرائع .
  • #4
    1430-04-15 10:57 مساءً عبد الله عطية الله المزمومي :
    كلام جميل من قائد تربوي مميز...

    نشكرك ابا فراس على هذه الإطلالة الجميلة وليس بمستغرب عليك نفع الله بك وبعلمك
  • #5
    1430-08-18 03:44 صباحًا ماجد المحمادي :
    مقال رائع جداً ..

    أعتقد أن كثرة التكليفات وعبء النصاب أدت إلى تدهور العملية التعليمية برمتها !!


    فقيادات التربية مع الأسف في وادٍ ، والمعلمون والمعلمات في وادٍ آخر ، إضافةً إلى أن هضم الحقوق بحق المعلمين والمعلمات وعدم إعطائهم حقوقهم المستحقة ، أثر على دافعية المعلمين ، وبالتالي إنعكس ذلك على أدائهم ، فعلي مسئولي التربية قبل أن يطالبوا من المعلمين أداء واجبهم ، عليهم إعطائهم حقوقهم كاملة غير منقوصة ، وبعدها يحق لها مطالبتهم بأداء أفضل ، وبطبيعة الحال المعلمون والمعلمات لهم حقوق وعليهم واجبات ، مثلهم مثل بقية موظفي الدولة ، غير أن المعلمين والمعلمات يختلفون عنهم كونهم مربو أجيال ، فبالتالي يكون الاهتمام بهم أكبر .


    ومع الأسف مسئولي التربية مشغولون ببرامج وخطط ثبت فشلها في الميدان التربوي ، والتي كلفت التربية ميزانيات ضخمة كان ألأولى والأجدى إعطاء المعلمين والمعلمات حقوقهم ، والأمثلة كثيرة ، وأذكر منها على سبيل المثال ، لا الحصر : برامج الموهوبين والتي صُرفت عليها مبالغ طائلة ، فلننظر إلى أين وصلت تلك البرامج ؟ فهي ذهبت مع الوزير الأسبق ، وحالياً برامج مناهج الرياضيات والعلوم ، والتي يعتقد بعض التربويين أنها سائرة على نفس النهج ، والله المستعان ، وعليه التكلان في إصلاح الأحوال .. آمين يارب ..


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:20 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.