• ×

03:30 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ الحمد لله نحمده ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حقّ الجهاد، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

■ الفتن الطائفية هي الورقة الرابحة الوحيدة بيد أعدائنا :
أيها الأخوة الكرام، أعتقد دائماً أن الحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح، ولكن ينبغي أن تكون الحقيقة المُرّة مرحلة أولية لحل المشكلة لا لتكريس المشكلة، فالعدو القريب والبعيد يخطط لمجتمعاتنا الإسلامية، القريب الصهيونية والبعيد الغرب، يخطط لمجتمعاتنا الإسلامية أن تمزق، الفتن الطائفية هي الورقة الرابحة الوحيدة بيده، وأن تضعف، وأن تفتقر، وأن تفسد، وأن تغوص في أوحال الحروب الأهلية، كما ترون في دول مجاورة، وأن تتخلى عن دينها، ويكفي دلالة على ذلك أن يخرج أحدنا إلى شارع من شوارع مدن المسلمين، أو إلى سوق من أسواقهم، أو أن يشاهد أخبارهم، ليرى نتائج الغزو الثقافي، أقسم لكم بالله أن الغزو الثقافي أخطر ألف مرة من أي غزو آخر، نتائج التدمير الفكري تدمير الفطرة، الذي يراد لهذه الأمة : الفتن الطائفية ورقة العدو الرابحة قال تعالى : ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ (آل عمران : 119).
هذا درس بليغ من خالق السماوات والأرض، هذه الأمة التي يمكر بها أعداؤها مكراً تزول منه الجبال : ﴿قَدْ مَكَرُوا مَكْرَُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (إبراهيم : 46) خالق السماوات والأرض يصف مكر هؤلاء بأنه تزول منه الجبال، يخططون لإفقارها، ولإضلالها، ولإفسادها، ولإذلالها، ولإبادتها، مليون قتيل في العراق، مليون معاق، خمسة ملايين مشرد، ولا أحد ينطق بكلمة في العالم الغربي، قال تعالى : ﴿قَدْ مَكَرُوا مَكْرَُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (إبراهيم : 46) لكن الله جلّ جلاله رسم لنا معشر المؤمنين طريق الخلاص، أنا لا أطرح هذا الموضوع لأزيد الهموم هماً، لكن أطرحه كي نتلمس طريق الخلاص.

■ مواجهة ضغوط الخارج يكون بالانكفاء على الداخل والصلح مع الله :
الانكفاء على الداخل والإصلاح يقي الفتن الله عز وجل قال : هل تصدقون أن حلّ مشكلات العالم الإسلامي بأكمله بكلمتين في القرآن الكريم : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ (آل عمران : 120) والله زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ لذلك المعصية مع الصبر طريق إلى القبر، أما الطاعة مع الصبر طريق إلى النصر : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾.
لذلك إن ديننا يعلمنا أن الأسلوب الصحيح في مواجهة ضغوط الخارج وتحدياته لا يكون في الرد عليها؛ مما قد يجرنا إلى معارك خاسرة، وإنما في مرحلة ما كالتي عاشها الصحابة في مكة، في مرحلة ما يكون بالانكفاء على الداخل، والإصلاح، والتنقية، والصلح مع الله، ولا ريب أن هذا شاق مع النفس لأن المرء آنذاك ينتقد نفسه، والآية مرة ثانية : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) هذه الآية أيها الأخوة، محور هذه الخطبة، معْلم بارز في التأصيل لهذا الانكفاء، ولعلنا نقتبس منها الحقائق التالية : إن كثيراً من النصوص توجهنا نحو الانكفاء على الداخل بالنقد، والإصلاح، والتقويم، والتحسين، في مواجهة الخارج.

■ أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك :
أيها الأخوة الكرام، أضع بين أيديكم هذه الحقيقة الخطيرة، أنت في حيز أو دائرة تملكها، أمرك نافذ فيها، وأنت ضمن حيز أو دائرة كبيرة لا تملكها، بل فيها قوى طاغية وكبيرة، ما موقف المؤمن ؟ موقف المؤمن أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك، هذا معنى قوله تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد : 11) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ هناك دائرة تملكها، وأنت مسيطر عليها، وأمرك نافذ فيها، بيتك، عملك، نفسك، نفسك وبيتك وعملك ولا تطالب بأكثر من ذلك، هذا الذي بإمكانك، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ كيف ؟ ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا﴾ (البقرة : 286) تملك نفسك ألا تكذب، ألا تخون، ألا تنحرف، تملك بيتك، أنت رب الأسرة، تملك عملك، أمرك نافذ فيه، أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ في الدائرة الكبيرة قوى طاغية، أعداء حاقدون، ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

■ الإعراض عن الله عز وجل أكبر سبب لما تعانيه الأمة :
هلاك الأمم سببه الإعراض عن الله، أيها الأخوة، إن المتتبع للمنهج القرآني في قصص الأمم السابقة يجد أن ما ذكره القرآن الكريم من أسباب انقراضها، واندثار حضاراتها، لا يعود أبداً إلى قصور عمراني، أو سوء إدارة للموارد واستغلالها؛ وإنما يعود إلى قصور داخلي، يمثل الإعراض عن منهج الله جلّ وعلا، وصدقوا ولا أبالغ إن معظم الأمراض الوبيلة والخطيرة التي نعانيها إنما هي أعراض لمرض واحد هو الإعراض عن الله عز وجل، بل إن تأبي الناس لقبول رسالة الأنبياء هي أكبر سبب لما تعانيه الأمة، مقطع من حديث قدسي صحيح : (لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ) أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري.
كلام دقيق، واضح، جلي، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، هذا من فضل الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ.

■ النصر الخاص يسبق النصر العام :
أيها الأخوة، الله عز وجل يقول : ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء : 104) مرة ثالثة ورابعة وخامسة، إن صحّ أن المسلمين يعانون ما يعانون لكن مرضهم قابل للشفاء، لكن الطرف الآخر مرضه غير قابل للشفاء : من محاسبة النفس يبدأ النصر ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (الأنعام : 44) سيدنا عمر بن عبدالعزيز ـ رحمه الله عز وجل ـ يعبّر عن هذه الحقيقة فيقول : يحدث للناس من البلاء على مقدار ما يُحدثون من الفجور، إن العقوبات الرادعة لا تنشئ مجتمعاً لكنها تحميه. وهذه رؤيا إسلامية جلية، فآيات الأحكام والعقوبات جزء منها لا يشكل أكثر من عُشْر آيات القرآن الكريم، أما الباقي فكان يستهدف إلى بناء الإنسان بناءً إيجابياً.
كثرة القوانين وتعقيدها تصب دائماً في مصلحة الأقوياء، وتزيد في قيود الضعفاء، وأن البطش لا يحل المشكلات، لكن يؤجلها فقط، إن الآية الكريمة تعلمنا أن النصر الخاص يسبق النصر العام، أي أن ينكفئ المؤمن على نفسه، يبحث عن أسباب ضعفه، عن مخالفاته، عن المعاصي التي قد يرتكبها، عن القصور في أداء الواجبات، حينما ينكفئ المؤمن على نفسه فيحاسب نفسه أشد الحساب ويصلح ما بينه وبين الله، عندئذ يأتي فرج الله عز وجل لمجموع الأمة : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ (آل عمران : 120).

■ لا بدّ للإنسان من صبر شديد وصلح مع الله عظيم :
الصبر نصف النصر الصبر احتمال المشاق، ومتابعة صارمة في تأدية التكاليف، مهما تكن الظروف قاسية لأن الصبر نصف النصر، والنصف الثاني يأتي من أخطاء العدو : ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل : 110) أيها الأخوة، وإن تتقوا وتصبروا، التقوى حصانة داخلية من التأثر بالظروف السيئة المحيطة، إذ إن المصائب التي تترا تضع حدوداً وسدوداً أمام رقي النفس الإنسانية، لذلك لا بد من صبر شديد ولا بد من صلح مع الله عظيم.

■ تهذيب الذات والرقي بها أساس في حلِّ المشكلات :
أيها الأخوة، تهذيب الذات، وتحسينها، وتدعيمها، والرقي بها، هذا التدعيم يأخذ أشكالاً كثيرة، منها المزيد من الالتزام الصارم بالعبادات، ومقاومة الشهوات، والتعاون، والمواساة، والتضحية، والإيثار، إن الفرد المسلم لا يستطيع أن يبتعد مسافات كبيرة عن الوضعية العامة للمجتمع، هذا التباعد مرهق ومكلف، فحين يكون كسب القوت الضروري لا يتأتى للسواد الأعظم من الناس إلا عن طرق محرمة، أو ملتوية، فإن الذين سوف يستجيبون لنداء اللقمة الحلال سيكونون قلة، وسوف تظل مبادئهم في حالة اختبار دائم، وربما أدخلهم ذلك في مشكلات مع أقرب الناس إليهم.

■ نحن بحاجة لمعرفة الحدود بين المتناقضات :
نحن في حاجة ماسة لمعرفة الحدود الفاصلة بين القريب والبعيد، بين الصعب والسهل، بين ما نستطيع تغييره وما لا نستطيع، بين ما نملكه وما لا نملكه، حتى نقلل من إمكانات الخطأ، وحتى نقلل من النزاع، والجدال العقيم، كما أننا في حاجة ماسة من أجل توفير الجهد والوقت، فنحن حينما نعرف الطرق المسدودة نمضي في الطريق المفتوح، وحينما نعرف ما لا نستطيع فعله، نُعرض عنه، ونتجه إلى ما نستطيع، هذه حقائق لا بد من أن تؤخذ بعين الاعتبار، لذلك الآية تقول : ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح : 6).
والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه الآية لكفت : ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ هذه بشارة لأهل الإيمان بأن للكرب نهاية مهما طال أمده، وأن الظلمة تحمل في أحشائها الفجر المنتظر :
والليل مهما طــــال فلا بد من طلوع الفـــجر ● ● ● والعمر مهما طــــال فلابد من نزل الـــــقبر

■ النصر مع الصبر والفرج مع الكرب :
أيها الأخوة، إن النصر مع الصبر وإن الفرج مع الكرب، وإن في رحم كل ضائقة أجنة انفراجها ومفتاح حلها، وإن لجميع ما نعانيه من أزمات حلولاً مناسبة إذا ما توفر لها عقل المهندس، ومبضع الجراح، وحرقة الوالدة، حرقة في القلب، مبضع ماهر، عقل حصيف، تحل به كل مشكلاتنا: مع الكرب يأتي الفرج ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح : 6) الصحابة الكرام هم علماء في اللغة أكدوا أن التكرار له قواعد، أيها الأخوة، الاسم المعرف بال إذا تكرر يعني الشيء ذاته، أما الاسم النكرة إذا تكرر يعني أن الثاني غير الأول، ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ العسر المعرف بال تكرر هو نفسه، العسر هو العسر لكن : ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
الأولى لها معنى والثانية لها معنى، لذلك قال ابن عباس: لن يغلب عسر يسرين. هناك يسر أول ويسر ثان، أما العسر المعرفة بال عسر واحد، لذلك في الآية إشارة بعيدة وبديعة إلى وجود الفرج في الشدة، الفرج موجود في الشدة مع أنه يأتي بعد الشدة تطميناً لنا، وأنت في ضائقة هذه الضائقة تحمل في طياتها بذور الفرج، لذلك لا ييئس إلا قانط من رحمة الله، والقنوط كفر.

■ أخطر شيء يصيب الأمة أن تهزم من الداخل ولهذه الحالة أسباب :
التربية الخاطئة التي يخضع لها الفرد : لذلك أيها الأخوة، النكبات والآلام المتتابعة تسبب ثقافة يسميها العلماء ثقافة اليأس، ثقافة الإحباط، ثقافة الطريق المسدود، هذه أخطر علينا من أعدائنا، أخطر شيء يصيب الأمة أن تهزم من الداخل.
أيها الأخوة، هذه الحالة المرضية لها أسباب، أحد أسبابها التربية الخاطئة التي يخضع لها الفرد، يكفي أن يقول الأب أمام أولاده ليس بيدنا شيء، انتهينا، تسرب اليأس إلى أولاده، أكبر سبب في هذه الحالة الداخلية المؤلمة هي التربية الخاطئة، والمؤمن متفائل، والمؤمن يبث التفاؤل في نفوس من حوله.

■ التعامل مع الواقع على أنه لا يتغير : عندنا شيء آخر، التعامل مع الواقع على أنه لا يتغير، لقد تغير أعداؤنا المتغطرسون، كانوا العصا الغليظة بيد الغرب لسحق أي دولة في الشرق الأوسط تقول لا للغرب، لكن هذه العصا كسرت في عام 2006 وفي عام 2008 كسرت، كسرت مرتين، تغير الواقع، المتتبع لأقوال الصحف عند العدو يتضح له جلياً أن هدف العدو لستين عام سابقة هو الأمن، الآن هدفه البقاء هكذا تطور، شيء آخر كانوا يَقصفون ولا يُقصفون، نخاف ولا يخافون، ندخل الملاجئ ولا يدخلون، الآن يَقصفون ويُقصفون، نخاف ويخافون، ندخل الملاجئ ويدخلون، صار هناك توازن رعب، توازن رعب وقبله هناك انتقال الأهداف من الأمن إلى البقاء، وهناك شيء اسمه الحسم، كانوا يبدؤون الحرب وهم ينهونها بعد ساعات، الآن لا يزالون أقوياء يبدؤون لكن ليس بيدهم إنهاء الحرب، في حرب غزة في اليوم الأول تمّ قصف ثمانمئة هدف، على أن هذه الحرب يكفيها يوم واحد، وبعد اثنين وعشرين يوماً لم يتحقق أي هدف، إذاً فقدوا الحسم، وانتقلت أهدافهم من الأمن إلى البقاء، وصار هناك توازن للرعب، الواقع تغير، والله الذي لا إله إلا هو يقول : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6)﴾ (القصص : 4-6).

■ عدم الانتباه إلى العوامل الداخلية للمشكلة :
أيها الأخوة الكرام، أحد أسباب المشاكل الكثيرة، عدم الانتباه إلى العوامل الداخلية للمشكلة، نوازن قوتنا مع قوة أعدائنا، نوازن من يدعمنا ومن يدعمهم، فرق كبير، لكن ما سمعت تحليلاً لهذه المشكلة يتحدث عن أخطائنا، عن بعدنا عن ربنا، عن تقصيرنا في أداء واجباتنا، عن عدم تلاحمنا مع بعضنا بعضاً ، هناك مشكلة كبيرة يجب أن ننتبه إلى العوامل الداخلية للمشكلة.

■ من سنن الله تداول القوة بين المؤمنين وبين الكافرين :
شيء آخر هناك سنة من سنن خالق السماوات والأرض متمثلة في هذه الآية : ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران : 140) الله عز وجل يداول القوة بين المؤمنين وبين الكافرين، فهذا من سنن الله عز وجل، فأنت في الموقف الثاني الصعب ينبغي أن تصبر، وأن تتماسك، وألا تسمح لليأس أن يتسرب إليك :
كن عن همومك معرضا وكل الأمور إلى القضا ● ● ● وابشر بخيــر عاجل تنسى به ما قـد مضى
فلرب أمـــــر مسخـــــــــط لك في عواقبــــــــــه رضا ● ● ● ولربما ضاق المضيـق ولربما اتســع الفضا
اللـــــــــه يفعل ما يشاء فلا تكــــــــــــن معتـــــرضا ● ● ● الله عودك الجميـــل فقس على ما قد مضى

■ المستقيم يقويه الله عز وجل :
الآية الثالثة في هذه الخطبة : ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة : 249) ولو كان هناك تفاوت كبير، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ الله عز وجل يذكرنا بحرب طالوت و جالوت فيقول : ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ (البقرة : 249) متى ضعفوا ؟ حينما عصوا، الذي يعصي يضعف، والمستقيم يقوى بل يقويه الله عز وجل.
أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل حينما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة : 153) يجب أن تؤمن أن الله إذا كان معك فأنت أقوى الأقوياء، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ بل إن الله عز وجل يؤكد : ﴿إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ﴾ (الأنفال : 65).

■ الصلح مع الله أساس لإصلاح علاقاتنا في الخارج والداخل :
أيها الأخوة الكرام، هذه بعض المبادئ، وبعض الأفكار، التي يمكن أن نستنبطها من وضعنا الذي لا يرضي، ولكن يقول النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً شريفاً والله الذي لا إله إلا هو كأنه معنا، يقول في الحديث الصحيح : (يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ) بكل دولة إسلامية في ثلاثين دولة، (يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ : وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ) مليار وخمسمئة مليون ربع سكان الأرض يملكون معظم ثرواتها، (بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْل وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وليقذفنَّ في قُلُوبكم الوَهْنَ قيل : وما الوْهنُ يا رسول الله ؟ قال : حُبُّ الدُّنيا وكراهيَةُ الموتِ) ِأبو داود عَنْ ثَوْبَانَ وكأنه معنا.
أيها الأخوة الكرام، لا بدّ من أن نصحو من غفلتنا، لا بدّ من أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، لا بدّ من صلح مع الله، لا بدّ مؤقتاً من انكفاء على الذات لإصلاح الداخل، حتى يسمح الله لنا أن يصلح علاقاتنا في الخارج فلا بدّ من عودة، ولا بدّ من صلح مع الله عز وجل.

■ وأخيراً :
أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

■ انتشار الفحشاء سبب الأمراض الوبيلة التي يعاني منها العالم :
المعاصي تورث أمراضا وبيلة : أيها الأخوة الكرام، روى ابن ماجة والبزار والبيهقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : (أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ) ابن ماجه عن ابن عمر
ألم يقع هذا ؟ هذه الأمراض الوبيلة التي يعاني منها العالم بسبب أن الفحشاء قد انتشرت، في بعض الإحصاءات مرضى الإيدز الآن يقدرون بسبعة وستين مليوناً في العالم بسبب الفاحشة (وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ).

■ يدخل تحت هذه الكلمات كل أنواع الغش :
(وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ) ابن ماجه عن ابن عمر.
بحرب الخليج الأولى انتقل من الشرق إلى الغرب سبعمئة مليار دولار، وفي حرب الخليج الثانية ضعف هذا المبلغ، هناك عملية ابتزاز للشرق الذي معه ثروات لا يعلمها إلا الله، لذلك : (وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ) ابن ماجه عن ابن عمر] كما في الدول المجاورة، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام معنا.

■ دعاء الختام .
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محاضرة الدكتور راتب النابلسى ـ بعنوان (النصر مع الصبر) السبت : 22 / سبتمبر / 2012.

 0  0  765
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:30 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.