• ×

09:05 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

◄ إنّ الموظّف المدني الذي نهدف إليه في مقالنا هذا هو ذاك الموظّف الحكومي المصنّف على إحدى مراتب نظام الخدمة المدنية الذي يقوم بواجبات ومسئوليات الوظيفة المعيّن عليها، مقابل أجر محدّد ويتمتّع لقاء ذلك بالحقوق والامتيازات المرتبطة بها.
إنّ ما يشاع اليوم من تدنّي إنتاجيّة الموظّف الحكومي السعودي عموماً داخل أروقة الدوائر الحكومية وكثرة الغياب ومغادرة مكان العمل باستمرار بعذر وبدون عذر وضياع الكثير من أوقات الدوام الرسمي في مالا طائل من ورائه والتأخُّر عن الحضور في الصباح والخروج المبكِّر قبل انتهاء الدوام وعدم الجديّة في تنفيذ المهام المطلوبة والإهمال في إنجاز المعاملات المكتبية والتكاسل والانشغال بجهاز الهاتف المحمول وبالمحادثات الجانبية في المكاتب إلى غير ذلك من جوانب القصور المشاهدة، ولكنّنا نتساءل : ما الدوافع والأسباب التي أدّت إلى هذا القصور من قبل موظّفي وموظّفات المراتب ؟ وما مدى رضا هؤلاء الموظّفين عن وضعهم الحالي ؟
كثيراً ما نسمع عن الموظّف في مختلف الدوائر الحكومية بتقاعسه في أداء عمله من خلال ثقافة مشهورة (راجعنا بكرة، المعاملة ما وصلت، المعاملة تحت الدراسة ..) ولا أريد أن أتطرّق إلى ذكر المزيد من الإخفاقات والسلبيّات وهي معروفة لدى الجميع منذ زمن وإنّما نريد أن نقف على دواع وأسباب هذا التردّي غير المقبول والتسيُّب في العمل الإداري لأنّ هذا الحال لاشك أنّه يشكِّل هاجساً مؤلماً وواقعاً مريراً في تعطيل مصالح الناس يتأذّى منه المواطنون وينعكس سلباً على تحقيق ازدهار الوطن وتقدّمه وراحة المواطن ورفاهيته.
إنّ ما يعانيه الموظّف هو التجميد الوظيفي على مراتب فيمضي سنوات في الخدمة قد تصل إلى عشر سنوات أو أكثر وهو باقٍ على حاله ولازال على مرتبته حتى إذا ما وصل إلى الدرجة (15) تقف العلاوة السنوية، وربّما يصل إلى مرحلة التقاعد ولم يترقّى إلا ثلاث مراتب أو أكثر قليلاً، وفي الجانب النسائي كذلك لَسْنَ أفضل حالاً فالفرص لديهنّ شحيحة؛ كما أنّ العاملين على بند الأجور والمستخدمين الذين تأثرت رواتبهم بالنقص عندما تمّ تثبيتهم بعد صدور الأمر الكريم على المراتب التي تم تصنيفهم بها من قبل وزارة الخدمة المدنية فغدوا بين سندان الترسيم ومطرقة الالتزامات المادية الخانقة إن كانت عليهم ديون أو أقساط شهرية مما سبّب لهم إحباطاً نفسياً وعدم رغبة وفعالية في أداء مهامّهم الوظيفية، ومن جانبٍ آخر نجد أنّ الذين كانوا على بند الأجور وأمضوا فترة طويلة أكثر من تسع سنوات فيحسب لهم بعد تثبيتهم تسع سنوات بثلاث مراتب فقط عن كل ثلاث سنوات مرتبة وتضاف إلى مؤهلاتهم وأما بقية سنواتهم تذهب في مهب الريح؛ بينما الذين أمضوا أقل من تسع إلى ست سنوات فلا يحسب لهم إلا مرتبتين وما دون ذلك مرتبة واحدة، ونحن نتساءل : ما حال هؤلاء الموظفين ؟ وكيف ستكون معنوياتهم وهم يؤدون عملهم في ظل هذه المعايير الغريبة ؟
ومن جهة أخرى فهناك شريحة من الموظّفين الذين حصلوا على مؤهلات دراسية بكالوريوس أو ماجستير وهم على رأس العمل ولم يستفيدوا منها في الترقية وبقوا أعواماً على المرتبة التي عُيِّنوا عليها، والعجيب في الأمر أن تجد بعضاً من موظّفي الأجور الذين تم ترسيمهم فقد أصبحوا أعلى من مرتبة بعضاً من الموظفين القدامى بل وأحياناً أعلى من مرتبة رؤسائهم في نفس الجهة التي يعملون بها.
في حين نجد أنّ ذوي المؤهلات الجامعيّة من الموظّفين والموظّفات الذين تمّ تعيينهم على مراتب أقل ممّا يستحقونه منذ سنوات ولم يُحسَّن وضعهم وبقوا على مراتبهم مجمّدين وقد طالهم شيءٌ من الإحباط الذي لا شك أنّ ذلك سيولِّد لديهم شعوراً بالظلم مما يقلِّل من عطائهم وإنتاجهم وينتابهم شيئاً من التراخي.
ومن المعلوم أنّ نظام الخدمة المدنية يسمح للترقّي بعد مضيّ أربع سنوات في المرتبة التي يشغلها الموظّف عندما يتوفّر لديه عدد من الدورات التدريبية وهي في الغالب لا تتاح له من جهة عمله، وكذلك درجة تقويم الأداء الوظيفي لآخر سنتين التي يعاني منها كثير من الموظفين بسبب استغلال سلاح السلطة من قبل المسؤول رئيس الدائرة التي تعود في مجملها إلى المجاملات والعلاقات الشخصية والمحسوبيات أو اختلاف فهم عناصر التقييم والجهل بكيفية إعداد التقارير إضافة إلى حجبها عن الموظفين وعدم إطلاعهم عليها وبيان جوانب القوة والضعف التي يحتاجها الموظّف في تحسين مستوى أداءه التي تؤهّله إلى الترقية.
ومن جانبٍ آخر نجد أنّ عدم وجود وظائف شاغرة للترقية أو محدودة جداً مقارنة بأعداد الموظّفين عموماً، وإنْ وجدت ستكون في مناطق ومدن أخرى غير مدينة الموظّف المرقّى وهذا مما يكبِّده تكاليف ومصاريف النقل والسّكن ويسبِّب له بُعْداً عن أفراد أسرته وقد لا تغطِّيها الزيادة المرجوَّة من هذه المرتبة الجديدة مما يضطرّه إلى التراجع عن الترقية وبقائه على مرتبته لسنوات أخرى فينعكس سلباً على أدائه ونفسيّته إضافة إلى ضعف الأجور مقابل ارتفاع غلاء المعيشة ومتطلبات الحياة واحتياجاتها وغياب الحوافز المادية والمعنوية؛ كما أنّ طبيعة وظائف الخدمة المدنية لا تراعي قدرات وإمكانات العاملين ولا تناسب مؤهلاتهم وتخصُّصاتهم في حين الروتين الممل والرتابة القاتلة في آليات العمل المتّبعة في كثير من الجهات الحكومية والتي تكون بعيدة عن مقتضيات روح العصر ومواكبة تطورات أساليب العمل في الإدارات الحديثة الأمر الذي يؤدي إلى تدنّي مستوى الرضا الوظيفي وضعف الولاء والقصور في أداء المهنة والإحباط ووأد جوانب التميز والطموح والإبداع، ومما يلاحظ عدم العدالة في توزيع الأدوار والمهام والواجبات بين الموظّفين، واستغلال كفاءة الموظّف الجاد النّشط والمنتج والمبالغة في تحميله أعمال كثيرة تفوق طاقته وتتجاوز عمل زملائه الآخرين وقد يكلَّف بإنجاز مهام غيره من المقصِّرين فأصبحوا ضحية تميّزهم وليتهم مقابل ذلك يُكرَّموا أو يُمنحوا دورات خارجية أو حتى داخلية أو يرشّحوا إلى ترفيعات لمناصب عليا ولكنّهم قابعون دون حراك وباقون في مكانهم لأن إداراتهم لا تريد أن تفقدهم ولا تستطيع أن تستغني عنهم حتى لا يتعطّل العمل بدونهم فينكشف أمرها ويفتضح حالها فهي قائمة على هؤلاء الأفراد الجادّين فهم عصب الإدارة ومصدر نجاحها بينما نجد إحساس الموظّف الحكومي عموماً بالأمان الوظيفي وعدم خوفه من إمكانية فصله أو حسم مستحقّاته بخلاف الموظّف في القطاع الخاص الذي تعتمد إنتاجيته على ما تمنح له من مزايا وحوافز مادية.

■ لذا كان لزاماً على أصحاب الشأن وصانعي القرار والمسؤولين ومن لهم علاقة باتخاذ التدابير اللازمة لبحث أسباب جوانب القصور ومكامن الخلل ووضع الحلول المناسبة لعلاج الأوضاع القائمة وذلك حفظاً لمصالح الناس وإنجاز معاملاتهم الرسمية وتفعيلاً لدور الجهات الحكومية والواجب الوطني المأمول وتقديراً للأمانة المنوطة على من استرعاهم الله لخدمة أمّتهم ورغبةً في رفع مستوى الأداء وتحسين جودة الخدمة المقدّمة وتطويراً لآليات وإجراءات العمل في شرايين الأجهزة المسؤولة وسعياً في تحقيق الرضا المهني لدى موظّفي وموظّفات المراتب في نظام الخدمة المدنية.

■ ونود أن نقدِّم بعضاً من المقترحات التي قد تسهم في إيجاد نوعاً من الاستقرار الوظيفي كما يلي :
1ـ إعادة تقييم أصحاب المراكز القيادية من رؤساء أقسام ومديري إدارات وغيرهم من خلال معايير موضوعية يتم اختيارهم في ضوئها وإعدادهم مهنياً وتطوير مهاراتهم الإدارية والفنية وإلحاقهم بالدورات التدريبية في مجال الإدارة والتخطيط وفن التعامل مع الموظّفين والاتصالات والعلاقات الإنسانية وبناء فرق العمل وتوظيف الأدوار إلى غير ذلك مما تتطلّبه حاجة العمل التنظيمية والتطويرية.
2ـ إعادة تقييم ودراسة سلّم رواتب موظّفي وموظّفات المراتب لتمديده إلى عشرين (20) درجة بدلاً من خمسة عشر (15) درجة واستمرار منح العلاوة السنوية دون توقف، ورفع الرواتب بما يناسب ظروف الحياة المعيشية وإضافة بدل سكن، وإقرار التأمين الصحي لهم ولأفراد عائلاتهم.
3ـ المسارعة في منح الترقيات المستحقّة للموظّفين والموظّفات الذين أمضوا سنوات مجمَّّدين على وظائفهم وفقاً لمؤهلاتهم الدراسية وسنوات الخدمة، وإعادة النظر في تحسين أوضاع المشمولين بالأمر السامي المثبّتين على المراتب وكذلك المعينين على مراتب من غير الأمر الملكي الذين أمضوا عدة سنوات على بند الأجور.
4ـ منح مزايا مادية ومعنوية للموظّفين والموظّفات المتميزين ذوي الجهود المخلصة والمنتجة.
5ـ إلحاق الموظّفين والموظّفات بالدورات والاحتياجات التدريبية بصفة دورية داخلياً وخارجياً لتطوير مهاراتهم في المجالات الوظيفية والإدارية والتقنية.
6ـ المسارعة في تهيئة بيئة عمل مريحة ومجهّزة بكامل الخدمات والمرافق والمستلزمات الإدارية والتقنية.
7ـ إعداد دليل إرشادي يشتمل على تعريف وتوصيف مهام وواجبات وحقوق موظّفي وموظّفات كل دائرة أو جهة حكومية ويتم بموجبه تقييم أداءهم الوظيفي، ويحتوي على شرح مفصَّل للإجراءات النّظامية التي تتعلق بجوانب القصور.
8ـ التأكيد على أهمية وضرورة العدالة في توزيع الأدوار والمهام والأعمال والواجبات مع مراعاة مهارات وقدرات الموظّفين والموظّفات، والإشراف والمتابعة المستمرة لتعزيز الجوانب الايجابية وتعديل جوانب القصور.
9ـ تطبيق مبدأ التدوير الوظيفي في المناصب والمواقع والأدوار لإكساب الموظّفين خبرات جديدة والتقليل من عنصري الملل والرتابة من خلال أداء أعمال محددة لفترة زمنية طويلة.

■ ونختم مقالنا هذا :
بهمسة لكل موظّف وموظّفة بأن يتّقوا الله تعالى فيما أوكل إليهم من عملٍ وما كلِّفوا به من مهام وعليهم بذل الجهد والالتزام المهني أداءً للأمانة المنوطة على كاهلهم ووفاءً لوطنهم وخدمة لأمّتهم ومجتمعهم، ولْيَعلموا أنّ العمل شرف للإنسان وهو نوع من العبادة، وأنّ الإخلاص فيه أجره مضاعف وثوابه مبارك وأثره موصول في المال والأهل وصلاح الذرّية، وجاء في الأثر أنّ من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل، ونوصي الإخوة الكرام بالإتقان في إنجاز العمل انطلاقاً من قول رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام الذي رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان (إنّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) فالإتقان أو الجودة ظاهرة حضارية تؤدي إلى رقيّ الأمم و وتقدُّم المجتمعات؛ فالمؤمن الذي يرضى بعدل الله وحكمته وبما قسم الله له من رزق وصابر على ما قدِّر له من نصيب وشاكر بما وهب له من حظ تملأ نفسه مال القناعة حينها تتحقق له أسمى معان السعادة والراحة.
■ هذا والله من وراء القصد.

 0  0  971
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:05 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.