• ×

04:56 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

◄ بينما كنت معلماً للغة العربية بمدرسة ابن كثير باضم - الليث - المملكة العربية السعودية لمدة 11 عاماً، وفي مدارس أخرى لعدة سنوات لنفس المادة خاصة (بنفس منطقة الليث التعليمية 1973 - 1994م حيث أن من صلب فروع مادة اللغة العربية مادة (التعبير والأنشاء) حصة واحدة أسبوعياً (حسب خطة وزاة المعارف - آنذاك - بتوزيع عدد الحصص الأسبوعية لكل مادة) فقد رأيت أن أشحذ همة عقول الطلاب وأن اجعلهم في شوق أكثر من المألوف في عناوين مكررة أو مساعدة الأهل بالبيت أو نسخ مواضيع جاهزة من كتب تجارية مساعدة تباع بالمكتبات التجارية من تجارب معلمين سابقين أو متقاعدين (لم يستطيعوا نسيان أو ترك حبل الارتباط بالتربية والتعليم في بيوتهم - فمنهم من يقوم بفتح مكتبة وقرطاسية أو منهم من يقوم بطبع ملخصات أو حلول والأجابات النموذجية للمادة التي ترك وودع باب مدرسته للأبد ولكنه لم يستطع نسيان ما في تلافيف دماغه عقله لكل حرف بتلك المادة).

فمن الفكرة التي راودتني بطرح عنوان لموضوع شيق للتعبير جعل كل طالب يتشوق ليسمع ما سوف يقرأ زميله ما كتب - وعندما زارني المشرف التربوي الأزهري الاستاذ القدير عبدالعزيز السرنجاوي (أطال الله عمره إن بقي لا زال حياً) مشرف اللغة العربية بإدارة التعليم بالليث أعجب جداً من طرح عنوان الموضوع للطلاب - والحمد لله فقد أشاد بي جداً لمدير المدرسة الاستاذ الفاضل رده حاسن المالكي، وحيث أنني أعرف أنك زميلي المعلم وزميلتي المعلمة والأخ الزائر لهذا الموقع العظيم (منهل الثقافة التربوية) بشوق إلى معرفة اسم عنوان الموضوع، فأنني أود أن أعلمكم ولتطمئن قلوبكم بأن عنوان الموضوع كان (أكتب عن ذكريات أول يوم دخلت فيه المدرسة بالصف الأول الابتدائي).
فبدأ طالب ذكي ومتفوق وقد اقولها بقناعة تامة بأنه سحر الطلاب بأسلوبه وبروح الفكاهة الصادقة التي لا ولم ولن أنساها إلى اليوم ومما يزيد عن 24 عاماً يسمى (حسن عبيد المالكي) وقد اصبح بحمد الله بمركز مرموق لمتابعة التعليم الجامعي فكتب في دفتره بنفس الحصة : بينما كنت متجهاً إلى المدرسة من البيت لقيني بالطريق احد الطلاب السابقين الذين تركوا المدرسة وقال لي إلى أين ذاهب يا حسن ؟
فقلت له : إلى المدرسة، فقد سجلني والدي وسوف اداوم إن شاء الله اعتباراً من اليوم.
فقال لي : لا تذهب واسرح مع غنم اهلك فأن المدرسين يلعطونك (يضربوك) ويمنعوك من ان تخرج إلا وقت الظهيرة ويجب أن تجلس في مكانك المحدد بالصف و .. الخ.
فقلت له : يجب أن اتعلم لأحفظ القرآن الكريم واتعلم الصلاة وطاعة الله ثم آخذ الشهادة واصبح مدرس مثل الأستاذ (المالكي من نفس اضم) وآخذ راتب واشتري سيارة واتزوج واستريح من رعي الغنم والشقاء الكبير الذي نعيشه منذ السنوات الماضية.
فقال لي : أما أنا فسوف للا اعود للمدرسة أبداً.
ويتابع (الطالب / حسن) والحمد لله أنا اليوم بالمدرسة في الصف ؟ وآخذ مكافأة شهرية من حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز وقد حفظت عدة أجزاء من القرآن الكريم وأصلي وأصوم واعلم اهلي الإسلام والدين واقرأ واكتب كل شيء، والحمد لله بطاعتي لجميع المعلين اصبحت من الاذكياء ولا يضربني أي منهم. فكان اسلوبه وتقليد الحركات اليدوية (وكأنه في مسرح مفتوح) ما جعل كل طلاب الصف يصفقون له تصفيقاً حاراً بصورة فجائية ومن غير شعور ثم يعودون للانهماك بكتابة الموضوع لكل منهم، وبحمد الله فقد اصبح هذا الطالب ممن يشار لهم بالبنان في محافظة اضم كاملة.

ولكن ما هي ذكريات ومواقف بعض المعلمين والمعلمات (ببعض المدارس الأردنية) كشأن مدارس الدول العربية الاخرى ؟
يشعر مدرسون بالخوف والرهبة عند إعطاء أول حصة مدرسية في حين يتجاوز بعضهم تلك المشاعر - تحمل الحصة الأولى في حياة المعلم، ذكريات لا يمكن نسيانها، فهي بداية مسيرته العملية، من جهة، ونقطة الانطلاق نحو الاستقلالية المادية من جهة ثانية، فمنهم من لم يتهيأ لها بشكل جيد، فبدأ ضعيفاً لا يقنع طلابه في اللقاء الأول، وآخرون حاولوا في التجربة الأولى أن يشحذوا قواهم ويستجمعوا معلوماتهم ليكونوا أقوياء أمام تلاميذهم.

ويستعيد معلمون ذاكرتهم وهم يدخلون، إلى الحصة الأولى، من خلال المواقف الطريفة والمضحكة التي تعرضوا لها، أثناء تدريسهم للطلبة، فيما يتمنى البعض ألا يتذكرها بعد أن وقع فيها في مطب الاحراجات، كما شعرت معلمة اللغة العربية / سناء الخطيب (42 عاماً)، بنوع من الرهبة الشديدة في وقفتها الأولى أمام طالباتها منذ تسعة عشر عاماً، وعن تجربتها تقول : (لم أكن مستعدة لإعطاء الحصة، ودخلت حينها إلى الصف لأقف أمام الطالبات، ولم أكن قد استلمت الكتب، ولم أحضر الحصة، فالأعمار والأطوال بيننا كانت متقاربة)، مضيفة (بعد أن التقطت أنفاسي بدأت التحدث مع الطالبات بأسلوب لطيف، وكانت جميع أنظارهن متجهة صوبي)، مبينة أنها شعرت في ذلك الوقت أنها (كائن غريب) تقوم الطالبات بمتابعته بكل شغف، وأكثر ما اثار انتباهها في الحصة الأولى، طريقة اجابات الطالبات والتعليقات التي صدرت عنهن، مبينة أنها استطاعت فرض نفسها بطريقة ايجابية أمام الطالبات في اليوم التالي، وقامت بتحضير الحصص بشكل جيد، ولمست ذلك من تفاعل الطالبات معها.
سارت الأمور بعد ذلك، على ما يرام، وفق الخطيب التي تشير إلى أنها حاولت أن تكون صديقة للطالبات، خصوصاً في مرحلة التوجيهي التي تحتاج فيها الطالبة إلى دعم معنوي كبير، وما اسعدها أكثر أنها بعد سنتين، حاولت تقديم طلب للانتقال من مدرستها، ليتم رفض الطلب نظراً لما لقيته من إشادة من قبل الطالبات.

تجربة أستاذ الجغرافيا / محمد صالح (48 عاماً)، تختلف قليلاً، فقد كان عمره عندما قدم الحصة الأولى 22 عاماً، وقتها شعر أنه سوف يحقق شيئاً، فقد انتابه احساس بأنه "سفير" لأساتذته الكبار الذين علموه، لكن الموقف بلا شك "حساس"، خصوصاً أنه أستاذ صغير.
فعند دخوله على طلاب الصف العاشر، كما يصف، وهم طلبة ليسوا صغاراً، بل شباب متفتحون، استجمع كل قواه ليشعر بأنه يقف على أرض صلبة، وما ساعده وجود قاعة خاصة ومجهزة بالخرائط والكرة الأرضية وغيرها من الوسائل الخاصة بمادة الجغرافيا.
ويؤكد أن ما سهل عليه المادة اصطحابه للطلبة هناك، حيث أخذ يشرح لهم بكل سهولة وسعادة لا توصف، خصوصاً بعد تفاعل الطلبة معه، وشعوره بأنهم يفهمون ما يقوله، حقاً أنه يوم لا ينسى.

وشهدت الحصة الأولى لمعلمة مادة الرياضيات / سماح طاهر (50 عاماً)، الكثير من الاستفزازات من قبل الطالبات (فقد اندهشت عندما أدرت ظهري للكتابة على السبورة، بأن الطالبات يضحكن مع بعضهن بعضا، وأطلقن لقب الزرافة عليّ) وتستذكر سماح، التي شعرت حينها بالغضب، كما تعبر عن ذلك، (ولكني تمالكت نفسي، فلا أريد أن أكون في اللقاء الأول هجومية مع الطالبات، فنظرت لهن وبدت ملامح الجدية في وجهي).
وما تزال الكلمات التي وجهتها إلى الطالبات في ذاكرتها حيث قالت لهم : (أنا هنا لتأدية هدف سام أسعى إليه، ويجب أن أؤدي واجبي، وأن نحترم بعضنا بعضا)، مؤكدة بعد معاناتها على مدى أسابيع قليلة استطاعت تعليم الطالبات أن الحصة فقط للتعليم، أما المزاح والضحك فيكون في أوقات الفراغ والفرصة.

معلمة الكيمياء / ربى سامي (45 عاماً)، تذكر يومها الأول في المدرسة، حيث كانت فرحتها لا توصف عندما علمت أنها سوف تصبح معلمة في اليوم التالي، واسترجعت أنها كانت طالبة سابقة، وكانت لديها معلمات، وتساءلت مع نفسها، ماذا كانت تحب في معلماتها وماذا كانت تكره ؟ لم تكترث ربى بالتحضير للحصة الأولى، لأنها كانت تريد فقط، أن تتعرف على الطالبات لتبدأ خطتها العملية في مسيرة التعليم، فقرأت دوسية احتفظت بها أيام الجامعة عن أساليب ورسالة مهنة التدريس، ومن ضمن ما قرأته واستفادت منه، حسب ما تذكر، أهمية التعرف على الطالبات، ومحاولة حفظ اسمائهن ومناداتهن بها، وضرورة جعل البسمة دائمة على وجه المعلمة، ومعاملة الطالبات كأخوات أو صديقات، كذلك توزيع الاهتمام على الطالبات كافة، ولا تجعل المعلمة الطالبات يأخذن انطباعاً سيئاً عنها.
وتتابع يبدو أن للحصة الأولى رهبتها، فقد توجست كثيراً من الدخول في الحصة الأولى، وعند دخولها بدأت بالبسملة ثم السلام، ومن ثم قامت بالتعريف عن نفسها بشكل موجز وصوت واضح، وبعدها تعرفت على الطالبات، وحاولت جذب انتباههن وتشويقهم بين الفينة والأخرى، بأن المادة سوف تكون سلسة، والجميع سوف يفهما.

ويصف أستاذ التربية الإسلامية / جمال علي (50 عاماً)، أول حصة في حياته عندما عين في إحدى المدارس الحكومية بأنها كانت (مصيبة بمعنى الكلمة) ويفسر ذلك عند دخوله الصف كتب نقاط الموضوع بعد إعداد جيد للمادة، واراد أن يوضح للطلبة فاستخدم اللغة العامية في الشرح، ولكن المفاجأة أن المادة انتهت في عشرين دقيقة فقط، ولم يعد لديه أي شيء يقوله، فيما كانت عيون الطلبة كلها شاخصة إليه، (وبدأ العرق يتصبب مني، ولاحظ الطلبة الذين كان عددهم 35 طالباً تلك الحالة، لاسألهم إن كان لديهم أي سؤال أو استفسار، فلم يتحدث أحد ولا أدري ساعتها كيف انتهت الحصة !)، حسب ما يقول، ويتابع (أدركت الخطأ في الحصة التالية، وهو أنني استخدمت اللغة العامية في الكلام، فيما كان عليّ أن استخدم اللغة العربية الفصيحة في المادة، وأخذت الأمور بعدها تسير على ما يرام).

 0  0  3052
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:56 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.