• ×

11:25 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

◄ بداية لا بد من الأشارة إلى جملة من العلوم التى اهتمت فى قضية (التكوين التاريخي للشعوب) ونذكر منها التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم الأثار والجغرافيا وفقه اللغة وفي وقتنا الراهن بزغ فجر علوم هدفها ذات الهدف وتحت مسميات جديدة فهي في الأدبيات الغربية الاثنولوجيا وانتروبولوجيا والاتنوغرافيا والأخير عرف فى ادبيات الروس فهو يشغل الأهتمام الأول فى دراسته تناول الثقافة المادية والروحية لشعوب (الاثنوسات).
أما في حقول المعرفة العربية الإسلامية فقد لاقى حقل الملل والنحل والانساب رقياً كبيراً حيث فسحت له امهات الكتب الأخبار الطوال والمساحات الكبيرة من الاهتمام لكن ثمة قطيعة أخرى في المعرفة المعاصرة حالت دون استئناف هذا الجهد المعرفي واعادة تأهيله بأدوات العصر لقد كانت نتيجة الغياب المعاصر لهذا المبحث غياب التأهيل الموضوعي لمسألة التكوين التاريخي للامة العربية الأمر الذى فتح الطريق أمام المتربصين للبحث عن تواريخ جهوية ومواقييت للبدء بعيداً عن المحصلة التاريخية لصيرورة الهوية المدار الحضاري المشرقي العربي تعرض لثلاث محاولات معاصرة وحديثة للتشويه والنهب والمصادرة التاريخية ومحاولة رابعة قديمة أما المحاولات المعاصرة والحديثة فهي :
1- الهجمة الاستشراقية التي صاحبت الهجمة الاحتلالية للغرب الرأسمالي اعتباراً من القرن الثامن عشر حينما نشطت الجهود والتفاعلات التي صبت باتجاه المشرق العربي بغية اعادة صياغته وفق متطلبات مشروع الامبريالية انذاك.
2- المحاولة الثانية فقد جاءت متزامنة مع الهجمة الصهيونية في النصف الأول من القرن العشرين وبدايات التكوينات الأولى للمشروع القطرى في المشرق العربي وفى هذه المرحلة نشطت المدارس التوراتية والبعثات الاثرية الموجهه نحو مشرقنا العربي بل انشئت مدارس واكاديميات خصيصاً لهذه المهمة وهذا الاقليم من العالم بالذات.
3- وهي المرحلة الراهنة التي نعيش والتي يتعرض لها المشرق العربي فى ظل سباق طرح الانظمة الاقليمية البديلة من الشرق اوسطية وغيرها فى اجواء التسوية السلمية وفي ظل تيار العولمة والاندماج الذي يضرب بالمجتمعات وخصوصيتنا المحلية وهي كثيرة لا يتسع المجال لسردها - كوثيقة بيرس - التي هدفها طمس معالم حضارتنا من خلال تلقين النشء ذلك والاكمة تخفي ما ورائها.

■ أما تاريخياً فقد نفدت المحاولة القديمة على مرحلتين :
● الأولى : حاول العبرانيون اقتلاع جذور الكنعانيين من المنطقة وملاحقة وتزييف وجودهم الحضارى.
● الثانية : ترافقت مع قدوم الهجمة الرومانية الاحتلالية على المشرق العربي وتدميرهم للوجود الحضارى الفنيقي الممتد من صور إلى قرطاج ثم تلتها الهجمة الاحتلالية الرومانية التي تعرضت لها مملكة العرب الانباط واحتلال عاصمتهم في مطلع القرن الميلادي الثاني في الوقت الذي كان فيه الوجود الهليني في المنطقة بمثابة وجود حضاري مشرقي الصبغة انجزه ابناء المشرق العربي من علماء وفلاسفة و .. الخ.
على كل الأحوال يسعى المقترب المعرفي إلى محاولة تقديم الاستدراك التاريخي الذي تأخر ظهوره حول المفهوم التاريخي للمشرق العربي فى محيط قراءة مختلفة تستند إلى ادوات النقد التاريخي المخولة عملياً بهدم المعمارى التقليدى النظري الذي استهلكته المقولات والرؤى الايدلوجية خلال عقود القرن الراهن.
والثابت أن المشرق العربي هو المكان الاكثر تعرضاً لعبث التنظير التاريخي والاكثر ايغالاً في الفهم الخاطىء للبدء والاستئناف والقطيعة والتواصل أما لأنه المكان الذي تعرض لاكبر محاولات التزوير والتشويه من جهة والمحو والالغاء من جهة اخرى وغاب فيه دور الفاعل التاريخي حينما استبدلت الادوار وبدلت الاسماء وهذا مدعاة لطرح عدة تساؤلات تخطر ببال كل من عاش على هذه الأرض - اقصد مشرقناً العربي - كطرحنا ماذا لو افترضنا أن موطن العرب ومهدهم الأول لم يكن الجزيرة العربية أو اليمن ؟ وهناك الكثير من الاسئلة التي تخطر بالبال.
إن الهدف من البحث لأي افتراض موضوعي تتأكد عمليتها بمدى القدرة على ربطها بالاطار والبعد المجتمعي وهذا يعنى استمرار متوالية الاسئلة بصيغها الراهنة فكيف التقت البدايات الأولى في التنظير للمشروع الصهيوني المعاصر مع البدايات الأولى للتكوين القطري العربي وكيف عملا معاً على تشويه المفهوم التاريخي للمشرق العربي ؟ وعلينا انعام واعمال النظر في كيفية مساهمة القوى الاستعمارية في هجماتها المتتالية على المشرق العربي في ظل غياب الحضور التاريخي العربي في تفكيك واضعاف التكوين المادى والاجتماعي لهذا الاقليم مقدمة لمحوه حضارياً.
وأيضاً اعمال النظر في كيفية مساهمتها - أي القوى الاستعماري - في تأخر ظهور النخب المثقفة في بعض مناطق المشرق العربي في غياب حلقات تاريخية هامة هي بمثابة حجر الأساس الذي اهمله الأخرون حينما حاولوا بناء نظرية ما حول التكوين التاريخي القومي لهذه المنطقة.
ترى هل نحن المشرق العربي أم الشرق الأوسط أم الشرق الأدنى أم .. الخ ؟ لقد غابت وتلاشت عدة مباحث عن عقل المجتمع العربي عن طريق الازاحة التاريخية الكبرى التي اوجدها عقل الدولة عبر التاريخ العربي المتوسط والحديث والمعاصر ونلمس غياب هذه المباحث في ارباكنا التاريخي المعاصر طوال هذه الحقب الطويلة اقصد القرن العشرين حتى ساعتنا الراهنة امام الاجابة عن اسئلة الشرعية والهوية ومستقبل التاريخ واهمها على الاطلاق غياب مبحث التكوين التاريخي القومي ومبحث الجغرافيا التاريخية للوطن العربي وهذا الالحاح في البحث عن اجابات لاسئلة عقل المجتمع لا يعنى بأي حال البحث عن فرص لاعادة تأهيل التاريخ ولا يعنى البحث عن مكان اخر للحاضرين بين الموتى ولا يعنى محاولة عقد شراكة مع التاريخ بقدر ما يعبر هذا الحراك المعرفي بابعاده المجتمعية عن البحث عن مستقبل التاريخ ومصير الحاضر.
إن الجغرافيا التاريخية هي اللغز الممعن بالحيرة ومئل الاحاجي الكبيرة كما هي مفتاح لعبة التاريخ والشاهدة على ميلاد المكان ضمن السياق الزمني الممعن في البعد لظرفية الاشياء والكلمات والجغرافيا التاريخية مبحث علمي يقصد التاريخ عبر المكان مثلما يكون التاريخ هو الجغرافيا عبر الزمان على حد تعبير (اليزيه ركلوس) ذلك لأن التكوينات التاريخية منذ الانوية الأولى للتنظيم الاجتماعى وصولاً إلى القبيلة والجماعة القومية والامة والدولة الموحدة قومياً هي أيضاً ابنية زمنية وظرفية خاضعة للتطور عبر البيئة المكانية فالحضارات هن بنات البيئات المحلية وعلى قدر ما كانت البيئة المكانية هي شرط الوجود الحضاري فأن الصراع المكاني أو البيئي كان أحياناً شرط هذا الوجود حينما صاغ مقومات التحدي والبحث عن قدرات تكيفية مدهشة حدت من نفور البيئة وعصيانها واصبحت هذه القدرات فيما بعد القاعدة الصلبة للبناء الحضاري ولعل ظهور مفهوم الوطن في التاريخ هو نتاج بيئي محضر تحقق عن طريق التكيف والتحدي معاً.
هنا الجغرافيا التاريخية تغوص في المكونات الأولى للمجتمعات والحضارات والاوطان والدول وتسدل دلالاتها الهامة على ما هيتها ومصيرها ومستقبلها أيضاً فطالما بقى الإنسان دون أن يدري يحاول التفاهم مع المكان ويضع على هامش هذا التفاهم الاحداث والتواريخ بينما المكان والزمان يكونانه ويمنحانه في كل مرة لونهما. ونحن بهذا الصدد لا بد من الأشارة إلى المبحث الهام في سياق مراجعة المفهوم التاريخي للمشرق العربي ألا وهو مبحث التكوين التاريخي للوجود القومي العربي فلقد غاب مبحث التكوين التاريخي للعرب وفق الرؤية العلمية التي تسعى إلى تقديم البناء النظري المتماسك القائم على مجموعة من المقدمات ويستخدم المنهج العلمي في الوصول إلى النتائج والحقائق في حين تشابكت الادبيات القومية حول عدة مباحث فالملاحظ أن بعضهم تناول مبحثاً ما في الوقت الذي يقصد به مبحثاً آخر إلى جانب الارباك الواضح في تناول الأدوات المعرفية، ولنا في هذا الموضوع في قادم الأيام كلمة، والله من وراء القصد.

 0  0  3923
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:25 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.