• ×

01:24 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأشهلية خطيبة النساء.
■ عرفت برهافة الحس ونبل المشاعر ورقة العاطفة ومع ذلك كانت، ككل الصحابيات اللواتي تتلمذن في مدرسة النبوة، لا تعرف الخضوع في القول، ولا الهبوط في المستوى، ولا تقبل الضيم والذل، بل كانت شجاعة، ثابتة، مجاهدة، قدمت لبنات جنسها نماذج رائعة في شتى الميادين.

■ هم الآخرة وهم المصير :
أوتيت سيدتنا أسماء بنت يزيد رضي الله عنها فصاحة الكلم، وحسن البيان، وسحر البلاغة، مما جعلها تدعى : "خطيبة النساء"، وكانت رضي الله عنها تنوب عن نساء المسلمين في مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بهن، وقد أتته ذات مرة وهو بين أصحابه الكرام رضي الله عنهم - فقالت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، وإني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين، كلهن يقلن بقولي، وعلى مثل رأيي : "إن الله - عز وجل - بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك واتبعناك، وإنا معشر النساء مقصورات مخدرات، قواعد بيوت، ومواضع شهوات الرجال، وحاملات أولادهم، وان الرجال فضلوا علينا بالجمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والجهاد في سبيل الله، وإذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا لهم أموالهم، وغزلنا أثوابهم، وربينا أولادهم، أفنشاركهم في هذا الأجر والخير يا رسول الله ؟ فالتفت الرسول صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه، ثم قال : "هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها من هذه ؟!"
فقالوا : بلى والله يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا.
فالتفت رسول الله إليها فقال : (انصرفي يا أسماء، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته، يعدل كل ما ذكرت للرجال) فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر استبشاراً بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

■ مبايعة وطاعة وسرعة استجابة :
كانت لها، رضي الله عنها، مواقف مشهودة مع الرسول الله صلى الله عليه وسلم - فهي أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم من نساء الأنصار رضي الله عنهن، وكانت تقول : "أنا أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتيته لأبايعه، فدنوت منه وعلي سواران من ذهب، فبصر بصيصها، فقال : (ألقي السوارين يا أسماء، أما تخافين أن يسورك الله بأساور من نار ؟).
قالت : فألقيتها، فما أدري من أخذهما يا لسرعة استجابتها لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخليها عن زينتها ! إنه الصدق في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعة أمره.

■ ذات عقل ودين :
عرفت سيدتنا أسماء بنت يزيد بحرصها على سماع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وروايتها، وسؤاله عما أشكل عليها منها، لتكون على بصيرة في دينها. كانت رضي الله عنها تسأله عن دقائق الأمور لتتفقه في دينها فقد كانت قوية الشخصية لا تستحي من الحق وبذلك يقول عنها ابن عبدالبر، كانت من ذوات العقل والدين، ومن ذلك أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة رضي الله عنها، فسألته عن غسل المحيض ؟ فقال : تأخذ إحداكن ماء وسدرتها، فتطهر بها فتحسن الطهور، الحديث رواه البخاري.

ومن ذلك أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما والنساء في جانب المسجد - وفيهن أسماء - فقال لهن الرسول صلى الله عليه وسلم : "إياكن وكفران المنعمين، إياكن وكفران المنعمين" قالت أسماء : وكنت من أجرئهن على مسألته، فقلت : يا رسول الله وما كفران المنعمين ؟ قال : "لعل إحداكن تطول أيمتها بين أبويها، ثم يرزقها الله زوجا، ويرزقها منه ولدا، فتغضب فتكفر - أي تجحد النعمة - فتقول : ما رأيت منك خيرا قط" رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وبلغ عدد الأحاديث التي روتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا وثمانين حديثاً، وهي الثالثة بين النساء، فلم تسبقها سوى عائشة، وأم سلمة رضي الله عنهن، وكانت وثيقة الصلة بعائشة رضي الله عنها، وهي التي زينتها يوم عرسها وزفافها للرسول صلى الله عليه وسلم في شهر شوال من السنة الثانية للهجرة، وكانت حريصة على إكرام النبي صلى الله عليه وسلم وضيافته في دارها، وفي هذا تقول : "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في مسجدنا المغرب، فجئت بلحم وأرغفة، فقلت : بأبي وأمي تعش، فقال لأصحابه : "كلوا باسم الله، فأكل هو وأصحابه الذين جاؤوا معه، ومن كان معه من أهل الدار، وإن القوم أربعون رجلا، ثم شرب من ماء عندي، ثم انصرف" أخرجه ابن سعد في الطبقات.

■ العالمة المجاهدة :
ومع حرصها على العلم، كانت حريصة على مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزواته، فكانت تخرج مع النساء للعناية بالجرحى، وسقي الظمآى، وإطعام الجوعى في غزوة أحد وخيبر وفتح مكة وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم شاركت في الفتوحات الإسلامية فشهدت معركة اليرموك، واقتلعت من خيمتها عمودا وراحت تضرب به رؤوس الروم حتى قتلت يومئذ تسعة من الروم، رواه الطبراني، وقال الهيثمي : رجاله ثقات، مجمع الزوائد (9 / 360) وبعد معركة اليرموك وفتح بلاد الشام أقامت هناك، تحدث النساء وتروي لهن أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى ماتت في دمشق سنة تسع وستين للهجرة، كما ذكر ابن كثير في (البداية والنهاية 7 / 13) و (ابن عساكر في تاريخ دمشق ص 34).

■ دروس وعبر :
إن سيرة أسماء بنت يزيد الأنصارية صفحة مشرقة في تاريخ المرأة المسلمة، تعلمنا أن حسن التبعل والقيام بشؤون البيت يعدل عند المولى عز وجل مقام الجهاد لكرمه وتفضله على جنس النساء .. وترشدنا إلى أن تلميذات بيت النبوة كن زوجات ناجحات وأمهات متفانيات ومع ذلك لم يمنعهن هذا من الاجتهاد في طلب العلم والتزود منه والتفقه في الدين .. نتعلم في مدرسة أسماء بنت يزيد أن الصحابيات كن لا يتخلفن عن ميادين الجهاد ونصرة دينهن بل كن لا يتوانين في الإقدام إذا لمسن من إخوانهم إدباراً، إقدام يصد الأعداء ويستنهض همم الأصحاب، إنها سيرة سيدة عظيمة أعطتنا دروسا في التوازن بين مسؤولية المرأة تجاه بيتها وفي حق مجتمعها وأمتها، توازن بدونه لا يستقيم سلوك المرأة إلى الله تعالى وتطلعها لما عنده من خير عميم .. رحمها الله تعالى ورضي عنها وأرضاها وألحقنا بها في الصالحين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ صور من سير الصحابيات ـ عبدالحميد السحيباني .
2 ـ نساء حول الرسول ـ محمود طعمة حلبي.

 0  0  6195
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:24 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.