• ×

07:04 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ الواقع أن ظهور مفهوم المجتمع المدنى كما اظهرت الدراسات قد ترعرع ونشاء للمرة الأولى فى الفكر الاغريقى الذى أمن بالدور المجتمعى فى المساهمة فى قيادة الدولة إلا أن فى العصور المتاخرة تطور وبرز مع نضوج علاقات الانتاج الراسمالية فى اوروبا وتحديداً فى القرن الثامن عشر ومما ساعد على ظهوره فعلياً هو انقسام المجتمع الى طبقات ذات مصالح متضاربة متعارضة إلا أن الطبقة السائدة قد نجحت فى اظهار وبلورة اليات فعالة لإدارة الصراع الاجتماعى واحتوائه بما يكفل تحقيق اهدافها ومصالحها واستقرار المجتمع وهذا بالمجمل تحقق من خلال وسيلتين : وسيلة السيطرة المباشرة وذلك عن طريق اجهزة الدولة، وسيلة السيطرة والهيمنة العقائدية - الايدولوجية - والثقافية وذلك من خلال منظمات اجتماعية غير حكومية تمارس انشطة تطوعية بهدف تحسين اوضاعهم على كافة الصعد من ثقافية واقتصادية واجتماعية .. الخ.
الملفت المصدر التى تبلورت من خلاله الدعوة للمجتمع المدنى ألا وهى تلك الهيئات التىقامت بتقديم مساعدات مالية لبعض مراكز البحث التى قامت بدورها بدعم فكرة المجتمع المدنى ونشرها على نطاق واسع وهذه الدعوة لقيت رواجا واسعا فى الوسط الغربى المختلف تماماً عن عالمنا العربى بشتى الحقول والمتميز أيضاً بموروثه الثقافى المستند دون ادنى شك إلى أساس متين لا يمكن زعزعته والثابت أيضاً أن التيار المناصر والمؤيد لفكرة المجتمع المدنى مصدر قناعته ينبع من أن التطور العالمى الذى تلا الثورة الهائلة فى الميدان التكنولوجى وتزايد التوجه نحو الديموقراطية وسقوط نظم الحكم الشمولية فى المعسكر الاشتراكى الاوروبى الذى أدى حكماً إلى تراجع دور الدولة هذا كله أدى إلى قيام تنظيمات غير حكومية هدفها القيام بانشطة تكمل دور الدولة وتساعد أيضاً على نشر قيم المبادرة بالاعتماد على النفس أو بصورة جماعية بهدف تجاوز مرحلة الاعتماد على الدولة فى شتى الحقول وأيضاً بهدف القضاء على موروثات ثقافية واوضاع اجتماعية لم تعد قادرة على ملائمة طبيعية ومتطلبات المرحلة فى هذا العصر من التاريخ الإنسانى ويقينى أن الدعوة للمجتمع المدنى كانت اسبق بكثير من سياق العولمة المعهودة لأن البعض تصور أن المجتمع المدنى اقتصر على المنظمات غير الحكومية التى ظهرت حديثاً فى سياق العولمة وهذه النظرة ينكرها كل ممعن ومنعم للنظر وخالفوا الحقيقة أيضاً بقولهم أن المنظمات غير الحكومية نشطت فى بداية التاسيس وفق اجندة خارجية وبدعم من مؤسسات التمويل الدولية الراسمالية ومنظمات غير حكومية فى الدول الراسمالية ذات التقدم فى المجال التكنولوجى وتجاهلوا هؤلاء قصداً أم جهلاً أن المجتمع المدنى يضم العديد من المنظمات الأهلية والجماهيرية وأن جذوره وأساسه فى العالم العربى يعود إلى القرن التاسع عشر الذى شهد تاسيس الجمعيات الأهلية وأيضاً فى مطلع القرن العشرين الذى شهد نشوء النقابات العمالية وكذلك الجمعيات التعاونية وبعض التنظيمات الآخرى ومن حيث المبداء فأن المجتمع المدنى هو مجمل التنظيمات الاجتماعية التطوعية غير الارثية وغير الحكومية وهى بالتالى نسيج متداخل من العلاقات القائمة على تبادل المصالح والتراضى والتعاقد والتفاهم والحقوق .. الخ.
بقى أن نشير إلى نقطة غاية فى الاهمية ألا وهى أن مؤسسات المجتمع المدنى تختلف عن مؤسسات الدولة فى أنها لا تملك حقوقاً قانونية بهدف استخدام العنف تجاه اعضائها وعلى الرغم من أن المجتمع المدنى يعلى من شاءن الفرد ومع ذلك أنه ليس مجتمع الفردية بل على العكس هو مجتمع التضامن عبر شبكة واسعة من المؤسسات سواء كانت اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية أم حقوقية .. الخ، أما بالنسبة لوجهة نظر الطبقات الحاكمة بخصوص المجتمع المدنى فهى تعتبرها وسيلة مهمة هدفها السيطرة على المجتمع من خلال بوابة الهيمنة الايدولوجية الثقافية على اعتبار أن آلية القمع المستخدمة من قبل اجهزة الدولة لا تسعفها فى احكام قبضتها على المجتمع وأيضاً فأن المجتمع المدنى من وجهة نظر الطبقات المحكومة ساحة للصراع تستطيع من خلاله ان ترسى حقوقها فى المواطنة بما يضمن لها المشاركة الفعالة والفاعلة فى إدارة شوؤن المجتمع بهدف توسيع الهامش المتاح لها للتاثير لفض اى نزاع بصورة سلمية ولتعميق البعد الديموقراطى فى المجتمع وبناءا على ذلك فإن المجتمع المدنى لا ينشط فقط لوجود هياكل تنظيمية تستقل عن الحكومات فلا قيمة لهذه التنظيمات - تنظيمات المجتمع المدنى - فى حد ذاتها ما لم يتم تعزيزها بل يجب أن تسبقها ثقافة مواكبة تشدد على ضرورة التزام السلطات الحاكمة باحترام حق المواطنيين فى التنظيم والاجتماع والتفكير والتعبير إذن الواضح أن مؤسسات المجتمع المدنى لا يمكن أن تكون فاعلة دون اطار ثقافى يساعد فى ترسيخ قيم الممارسات الديموقراطية ومبادئها أن نضوج وترسيخ الديموقراطية لا يتم إلا فى ظل بنية ثقافية قائمة على المساواة بالاضافة إلى حرية العمل السياسى لكافة الشرائح الاجتماعية والسياسية فإن مؤسسات المجتمع المدنى باعتبارها أبرز أدوات العمل السياسى لا يمكن أن تكون فاعلة فى سياق العملية الديموقراطية دون اطار ثقافى يساعد فى ترسيخ قيم الممارسة الديموقراطية ومبادئها ففى الوطن العربى فعلاً لو استعرضنا المشهد الثقافى يشير وبوضوح إلى وجود ثلاثة أنواع من الثقافات التى تتداخل وتتشابك وهى ثقافة الخضوع وهى نابعة من طبيعة المجتمع العربى وباعتقادى نمت وترعرعت فى المؤسسات التعليمية والسياسية - البعض يضيف البعد الدينى - ومن طبيعتها فرض الطاعة والامتثال ولا يجوز للفرد هنا بالحكم الاستقلال عن الجماعة، أما الثانية فهى النمط المتمثل فى ثقافة التبعية ومنها التقليد للثقافة الغربية بمخرجيها الانجلو امريكى والفرنكوفونى وهذا كما يعلم الجميع يصلنا عبر وسائل الإعلام العربية والاجنبية، أما النمط الثالث يتمثل فى ثقافة المشاركة التى تعد بالفعل الركيزة الاساسية للعمل الاهلى وهى بالفعل تشهد تراجعاً ملحوظاً فى الوطن العربى فى ظل التعسف السياسى السلطوى - سياسة التلويح بالعصا - وسياسة الثقافة الاستتباعية للسلطة والسائد من قيم التراث التقليدية وهذه حقاً تقف حجر عثرة فى وجه ظهور مؤسسات المجتمع المدنى وتقضى على نشاطها من اصله وهذا السائد الثقافى التقليدى والمتميز بالخضوع للسلطة والتبعية للخارج كرسه الواقع الردىء الاجتماعى والاقتصادى الرائج فى الوطن العربى بدليل هيمنة قطاعات على الاقتصاد العربى لا يقومان على الماءسسة وبالتالى لا يدفعان إلى تكوين مؤسسات اهلية خاصة فى القطاع الزراعى مثلاً وعليه يؤدى ذلك إلى هيمنة الطابع الريفى البدوى بكل ما فيه من قيم وتقاليد وسلوكيات وافكار أما الثانية فهى سيادة الاقتصاد الريعى النابع من ما ياءتى من عائدات النفط والهبات والعمال والقروض والمهاجرين .. الخ، وهذا تتحكم به الدولة باذرعها المعهودة حيث تنفق منه فى حماية نفسها وتعزيز سلطتها ودعم اجهزتها التى بات يعلمها الجميع وتمول منه بعض الخدمات الاجتماعية والمشروعات العامة فى شتى الحقول المعهودة ومنه أيضاً يتم دفع الاجور للموظفين وهذا يكرس سياسة اليد العليا على كافة الصعد ويمكن ان نضيف قضية غاية فى الخطورة ألا وهى هجرة الاموال الوطنية إلى الخارج ونعلم تماماً أن ما تبقى من هذه الأموال يعرف طريقه إلى انشاء المشاريع الصغيرة قليلة المردود والتى تدر الربح السريع كل هذا فيه كل الدلالة على أن الوضع الاقتصادى العام فى أرض العرب لا يمكنه اعتماد الآليات التى تدعم المؤسسات والبنى التحتية لبناء مجتمع مدنى بصورته الحديثة وأيضاً تجعل الديموقراطية السياسية اختياراً يفرض نفسه ليس فقط بصيغ النضال لابناء الوطن بل بضغط قوة الواقع المؤسساتى المتزايد - وهذا بدأ يطفو على السطح - وأيضاً واقع الحال فى بعض الدول العربية تبعاً للنسيج الديموغرافى يشير إلى أن انسحاب الدولة قد يسبب تنامى دور رجال الأعمال والمال على حساب ما تبقى من قطاعات المجتمع وهذا بدوره يؤدى إلى رفع السيطرة من قبل الدولة عن الكثير من المؤسسات ذات الطابع المدنى كالنقابات والاتحادات المهنية والعمالية وأيضاً المنظمات الأهلية وعليه لن تنمو مؤسسات المجتمع المدنى إلا إذا رفعت الدولة القطرية المحدودة قبضتها عنها وعلى الدولة أن تعطى هذه المؤسسات الصلاحيات فى إدارة شؤونها لكى تمارس دورها بكل استقلالية وعلى اكمل وجه وهذا من شاءنه أن يرفع الوعى لدى المواطن العربى باهمية المجتمع المدنى ومؤسساته وقيمه وينمى أيضاً روح العمل التطوعى والجماعى وقبول الاختلاف ولكن بوسائل سلمية بعيداً عن أى من صور العنف وذلك من خلال بوتقة التسامح والتعاون واحترام الآخر والتنافس الحر الشريف ولكن بضابط يلزم الجميع ألا وهو الشفافية والمحاسبة الملزمة لدرب الحق والحقيقة ليس إلا هذا كله يترتب علية تاءكيد قيم المبادرة الذاتية - بناء النفس - وثقافة بناء المؤسسات ذات الطابع المدنى وهذه مقدمات تؤدى فعلاً وتشكل فى المجمل جوهر الفكر الديموقراطى المنشود والثابت والمثبت أن مؤسسات المجتمع المدنى بمعناها الحق تملك القدرة على استيعاب وفهم وبيان مثالب وعيوب ما يطرح فى ساحة الحضارة الغربية وهاذه نقطة غاية في الاهمية والخطورة حبذا لو تفهمها النظام الرسمي العربي والمعلوم أيضاً أن ما افرزته الحضارة الغربية في هذا المجال الدعوة إلى التعددية الثقافية ومشروعية أن تؤدي مختلف الثقافات بمنابعها ومشاربها المختلفة دورها الهام والريادى فى خلق ثقافة وقيم وتقاليد ذات صفة مشتركة بما يخص الحقوق الجماعية سواء للفرد او الجماعة وهذا ما يحض عليه الطور الثالث من حقوق الإنسان مثل حقه - أى حق الفرد - فى القضية وهذا يتاءتى من خلال المشاركة والسلام والاعلام والبيئة وتلك الفئة المهمشة شرط مراعاة ضرورة قيام منظمات المجتمع المدنى مع تاكيدنا أو افهام تلك الفئة أن هناك سبل أخرى وروافد لثقافة المجتمع المدنى غير المرجعية الغربية سواء كانت اوروبية أو امريكية تحديداً وهذا المفهوم يجب أن يستوعبه كل مقصود بذلك وهذه هى مهمة الاعلام من خلال بوابة ارباب الفكر العرب وهى مهمة صعبة فى البداية ولكن بالضرورة لابد من ايصالها لكى نعى جيداً اهمية مؤسسات ومنظمات المجتمع المدنى التى تطال كل المناحى وكافة الصعد ونذكر مثالاً شاهداً على قولنا ان منظمة اليونسكو ركزت من خلال عقد التنمية الثقافية على جملة من الاهداف جميعها تتمحور حول اهمية تدعيم التعاون الثقافى الدولى فى اطار ثورة الاتصالات الهائلة والتى ازالت حقا كافة الحواجز والقيود بين بنى البشر لسرعتها وسهولتها وازالت أيضاً تلك الحواجز المقيتة بين الثقافات المختلفة وطرحت بمشروعها الإنسانسى وبشفافية وبشدة الجدل والصراع العقائدى (الايدولوجى) والثقافى حول قضية العالمية والخصوصية (خصوصية الثقافة) بشرط أن لا تتجاهل الآخر على اعتبار أن الهوية وسيلة لاحتواء الآخر لا رفضه ومن الجدير ذكره أن هناك معياراً أخر يتم من خلاله قياس فاعلية المؤسسات والجمعيات الاهلية ألا وهو الكفاءة الاعلامية والاتصالية فى ايصال ونشر قيم المشاركة والتنمية الثقافية وابراز دور المبادرات الشعبية المستقلة وتنظيمها وذلك من خلال تجاهل وتجاوز دور الاعلام بصيغته التقليدية سعياً وراء صياغة اجندة اولويات وطنية ناتجة قطعاً من من الضرورات الثقافية والاقتصادية والتحديات السياسية حتى تكون قادرة على مواجهة الثقافة التى زرعت بفعل تيارى الاستشراق والاستغراب حتى تتجنب التورط فيما ترسمه الانظمة الغربية من خلال اجندتها وهذا حقاً هو الدور الفاعل والفعال لمنظمات المجتمع المدنى التى يجب أن تحمل كل قيم ومضامين التغيير عبر ايصالها كما اشرنا انفاً عبر قنوات الاتصال المختلفة والتى اهمها على الاطلاق الاعلام بصوره المعهودة (المسموع والمرئى والمقروء) والله نسال أن تقوم بهذه المهمة الخطيرة والتى بمجملها تشكل الهدف الاسمى لتلك المنظمات والهيئات والمؤسسات ذات الطابع المدنى ونظرا لحداثة مصطلح المجتمع المدنى فكثر اؤلئك الذين يجهلون ماهيته وشروطه واهدافه يضاف الى ذلك قلة الفئة المختصة التى تتولى بيان وتبيان ما هو المجتمع المدنى هذا عداك عن عدم توفر سياقات ثقافية وفكرية وعدم توفر بيئة مناسبة سواءً أكانت اجتماعية أم سياسية حتى يغدو مقبولاً لدى المواطن العربى زكما هو معلوم لدى ارباب الفكر والسياسة والثقافة فان المجتمع المدنى عبارة عن مؤسسات غير حكومية - رسمية - وغير ارثية سمتها العمل الطوعى المحض مستقلة تماماً عن الجهاز الحكومى وهو بالفعل قطاعاً ثالثاً يقع ما بين القطاع الحكومى والقطاع الخاص أما مفهومه فهو ذا طبيعة مدنية تميز الدولة عن المجتمع وأيضاً من مسوولياته تنظيم الفاعلين الاجتماعيين - دعاة المجتمع المدنى - من خلال مسارب وقنوات مؤسسية ذات صبغة اهلية هدفها حض الفرد وتمكينه من المشاركة فى العمل العام وتزرع بين هؤلاء اليات ومنضومات تشاركية تضامنية اما مؤسسات المجتمع المدنى فيجب أن تتميز بالديناميكية والمرونة والتعددية والمبادرات الخاصة سواء للافراد أم الجماعات يضاف إلى ذلك يجب أن يكون ذو طبيعة استقلالية لا يمارس عليه الاملاء بشتى صنوفه - مادى ام معنوى - وهذا يتطلب استقلال افراده من أى ميل أو هوى أو محاباة أو تمييز .. الخ.
أما مجمع اهدافه فهى التقدم باقتراحات لقوانين ولوائح إلى الجهات المختصة بالتشريع أو الحكومات نفسها وأيضاً بناء القدرة لدى الفرد وذلك بواسطة التدريب وتنمية المهارة حتى يكون اسهامهم فعال وذو جدوى فى اطار هذه المؤسسات وايضا القيام بدعم المشاريع والخطط بهدف التنمية الشاملة والمستدامة بحيث تصبح الشريك الفاعل والفعال للجهاز الحكومى وهذا يسهم فى كشف مواطن الخلل ورصد الخروقات والانتهاكات التى يرتكبها الجهاز الحكومى وبذلك تكون الشريك فى مراقبة حسن الاداء الحكومى ومن مهامه أيضاً دعم وتشجيع الجهود التطوعية البحتة سواء على صعيد الافراد أم الجماعات وهذا بدوره يعزز التكافل والتعاون والتضامن ويساند اى فعالية للمجتمع وهو فعلاً أساس العمل الطوعى فى ظل المجتمع المدنى عبر هيئاته ومؤسساته أما بالنسبة لقواعد ومرتكزات مؤسسات وهيئات ومنظمات المجتمع المدنى يمكن اجمالها بالتالى - الأساس القانونى / وهى القواعد الناظمة للعلاقة بين هيئات ومنظمات مؤسسات المجتمع المدنى مع الدولة - الاساس الثقافى / هى الطروحات والتصورات والافكار بمجموعها التى يعتقد ويؤمن بها الافراد والجماعات وهى محددات وضوابط لسلوكهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم وبالتالى هى الاساس الذى يشكل بمجموعه الاطار الثقافى والمعرفى للمجتمع المدنى - الاساس الاقتصادى / وهى بمجملها تهدف إلى تحقيق درجة من التطور بشقيه الاجتماعى والاقتصادى بغرض اشباع حاجات الافراد بمناءى عن مؤسسات الدولة - الاساس السياسى / وهى قطعاً ما يقر على الصعيد السياسى لتحقيق التعددية وأيضاً ضمان حقهم فى تشكيل الهيئات والمؤسسات والمنظمات ذات الطابع المدنى أما خصوص طبيعة المجتمع المدنى فهو كما اشرنا انفاً كانت اوروبا موطنه الاصلى ولم يطبق مرة واحدة على اعتبار أن انجازه تم على دفعات أى مر بمراحل البناء ولم ينجزه عالم واحد بعينه ولم يكن فعلياً فى بلد واحد من بلدان اوروبا بل تطور حتى ظهر على شكله الحالى وهذا اخذ وقتاً وردحاً من الزمن وفى غير المكان ذاته - فى اكثر من مكان - وخاصة فى القرنين السابع عشر والثامن عشر وما تلاهما ونذكر ممن اسهموا فى انجازه علماء وفلاسفة ومفكرين كثر واهمهم ممن عرفوا بفقهاء - الحق الطبيعى - ولا بد من الاشارة إلى جملة من العلماء والمفكرين والفلاسفة ساهموا فى انجازه نذكر منهم جان جاك روسو ومنتيسكيو وغروشيوس وهوبز وسبينوزا وجون لوك والقائمة تطول وهم كما نعلم من دول مختلفة منها بريطانيا وسويسرا وهولندا وفرنسا .. الخ، وكل من هؤلاء جاء باضافة حتى بالفعل تم تكوين ما عرف بالمجتمع المدنى من اسس بصورتها البدائية ونشبت بينهم خلافات لتحديد المفهوم والماهية بخصوص مجتمعهم المنشود إلا أنهم اجمعوا على مسائل كونت الأساس لهذا المجتمع وهى مسالة المواطنة والملكية منطلقين من حالة المجتمع والقول بمبادىء السيادة والتعاقد الاجتماعى وهناك علماء ساهموا فى بناء فكرة المجتمع المدنى فى زمن متقدم نذكر منهم انجلز وهيجل وغرامشى .. الخ، ودعاة اجتماعيون منهم سان سيمون واوغست كونت وفيبر وتوكفيل وعلماء اقتصاد نذكر منهم روزا لوكسمبورغ وادم سميث وكينز وعليه يمكن زج موضوع المجتمع المدنى فى بوتقة ما يعرف بعلم الاجتماع السياسى وله ارتباط وثيق بعلوم اخرى نذكر منها علم الحقوق وعلم السياسة وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم الإدارة وما يدلل على ذلك هو الحديث عن دور الدولة وعلاقتها بالمجتمع وخصوصية هذه العلاقة أما على الصعيد العربى فقد تم تداوله فى العقود الثلاثة الماضية من القرن العشرين حيث بداء لنا على استحياء وحذر ثم اتسعت رقعته حتى وصلت بلاد المغرب العربى وتلاها بلاد المشرق العربى وهذا سببه تخوف الحكومات من هذا النظام الوافد على اعتبار أنه سيؤثر على مهامها واختصاصاتها ونفوذها وما زال حتى الأن فى موضع اتهام ولذلك وجد التيار المناصر له وهذا التيار يعتبره ايجابياً ونافعاً أما التيار الآخر يعتبره سلبياً مريباً وهو موضع شك أما قضية بقائه فى أنحاء العالم العربى فهى بحاجة قطعا الى مخزون وتراكم ثقافى ومعرفى حتى يتم توطينه وهذا بالفعل يحتم علينا دراسة الواقع العربى بكافة الصعد واهمها الواقع الاجتماعى ودراسة القوى الفاعلة المفعلة ولا بد أيضاً من دراسة علاقة الدولة بالمجتمع خاصة البعد التاريخى - الذى يكفل نقاط الالتقاء - ومعرفة أيضاً المفهوم وسياقه سواء فى البعد الدولى أو البعد المحلى بعد كل ذلك لا بد لنا من التعريج على مزايا المجتمع المدنى بداية يقوم المجتمع المدنى خارج الدولة ونقطة ارتكازه اقتصاد السوق ثم تطور حتى توسع بحقوق المواطنة خارج الدولة وهناك ثلاثية اعتمدها الفكر الليبرالى - وهى الدولة والمواطن والسوق - هذه كافة متلازمة والثابت ان المواطن والسوق حيز عام وليس الدولة وكما هو معروف كل ما هو ليس حيزاً عاماً هو حيز خاص واليقين أنه لا يمكن تصور دولة دون مجتمع والعكس صحيح مع فارق أن الدولة مسؤؤلة عن وضع جملة النظم والقوانين التى تكفل النظام والاستقرار التى بالمحصلة تحمى المواطن وتصون حقوقه فمن مزايا المجتمع المدنى أنه مجتمع متعدد وتعددى وهو بالتالى متنوع مختلف بل والصراع أحياناً وعلى الرغم من قيامه على تضامنات جزئية ولعل ذلك أحد مصادر نمو السياسة ومبرر وجودها وحكما الاختلاف والتعدد هو مصدر حركة واغناء وتطوير وعكسه هو السكون والثبات وعدم التطور البعض حصر تعريف المجتمع المدنى على التنظيمات والتجمعات المتنوعة للفاعاليات والانشطة المهنية - كالنقابات والمؤسسات الثقافية والجمعيات المهنية .. الخ - ولكن البعض يوسع التعريف ليصل إلى الاحزاب السياسية وتنظيماتها فى حين أن بعضاً آخر يعتبر هذه الاحزاب تستهدف الوصول إلى السلطة وعليه فأن الاحزاب ممكن أن تكون الحاكمة ولهذا يقول بعدم زجها ضمن اطار المجتمع المدنى على اعتبار أن وظيفة المجتمع المدنى رصدية رقابية اجتماعية اقتراحية وليست الوصول للسلطة والرأى الرابع يقول بالتوفيق بين قبول ورفض الاحزاب فهو يستبعدها من دائرة المجتمع المدنى فيما إذا وصلت إلى السلطة ويقبلها حين تكون خارج السلطة وفى هذا عودة لما تحدث عنه فلاسفة القرنين الثامن والتاسع عشر بخصوص التمييز بين المجتمع المدنى والمجتمع السياسى ولعل السبب فى هذا التمييز يعود إلى أن المجتمع السياسى يسعى بشتى الوسائل للهيمنة على المجتمع المدنى سواء للافراد أو الجماعات محاولاً التاثير فى واقعه ومستقبله سواءً أكانت سلطات حاكمة أم احزاب معارضة لذلك فان غالبية دعاة المجتمع المدنى لا يعتبرون المفهوم يشمل الاحزاب السياسية لأنهم معنيون بالاهالى فى حين أن الاحزاب معنية بالسلطة لذلك يمكن اعتبار المجتمع المدنى قد مر باربع مراحل نذكرها :
♦ المرحلة الأولى : مرحلة التاءسيس والانطلاق وهى خلال القرنين الثامن والتاسع عشر.
♦ المرحلة الثانية : يمكن وصفها بمرحلة الذبول وتشمل نهايات القرن التاسع عشر والقرن العشرين حتى الثلث الأخير منه مع مرحلة وسيطة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
♦ المرحلة الثالثة : وهى تشمل اواسط القرن العشرين وهذه مرحلة الانتعاش والعودة الجديدة خاصة باتساع وتعمق المفهوم وهنا لعبت منظمة الامم المتحدة على صعيد تشجيع مؤسسات المجتمع المدنى منذ تاسيسها عام 1945 فى مؤتمر سان فرانسسكو.
♦ المرحلة الرابعة : هى التى بداءت قبيل نهايات الحرب الباردة والصراع الايدولوجى وخصوصاً فى فترة الوفاق الدولى فى أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات والمعروف فى هذه الفترة انتهت ما عرف بالقطبية الثنائية حيث كان المعسكران يغليان فى اهمية الامن القومى على حساب المجتمع المدنى بشقى العالم سواء كان الغربى أم الشرقى اضافة إلى البلدان النامية ألا أنه فى مطلع الثمانينيات برز خطاب المجتمع المدنى وتحديداً فى دول امريكا اللاتينية وفى اوروبا الشرقية تالياً حيث تطورت بعض المؤسسات تطوراً كبيراً.

■ المجتمع المدنى ما له وما عليه على الصعيد العربى.
الواضح أن وظيفة المجتمع المدنى هى فرض الهيمنه عن طريق الثقافة بداية ثم العقائدية - الايدولوجيا - ثانياً إلا أن السيطرة والاكراه هى وظيفة المجتمع السياسى وكما اشرنا انفاً فإن المجتمع المدنى هو المؤسسات التىتتيح للافراد الحصول على المنافع بشتى صورها بعيداً عن تدخل الحكومة الراى عندى أن الحاضن الأول لفكرة المجتمع المدنى ما يعرف بعلم الفلسفة السياسية على اعتبار أنها علاقة قائمة بين المجتمع بمختلف اطيافه والسياسة بمختلف مسمياتها لأنها ناتجة قطعاً من صراع بين ما يطلق عليه الحق الطبيعى وفكرة العقد الاجتماعى - اشارة لا بد منها على اعتبار أن صاحب نظرية العقد الاجتماعى هو جان جاك روسو وهو الذى نادى بالتحلل من الهيمنة الدينية على المجتمع وبالضد مع نظرية الحق الالهى فهو اقرب الىفكرة اتفاق فى اطار المجتمع وبين افراده لتاسيس السلطة بمعيار دنيوى مدنى أى أرضى وليس الهياً لمحة كان لابد منها ونحن بصدد رصد الموقف ضمن الاطار العربى من فكرة المجتمع المدنى وهنا لابد من الاشارة إلى الموقف الرسمى العربى منها التىلا تزال تدير تفاعلات المجتمع بعقلية احادية لا تحتمل التعددية الديموقراطية مرتكزه إلى القوة السياسية لصناعة القرار على كل الأحوال أن التزايد المستمر فى عدد مؤسسات المجتمع المدنى لا يعنى أنه بوضع صحى مريح فهى تعانى فى مجملها من القيود والعوامل الناجمة عن كبوات التحول الديموقراطى فى الوطن العربى ولكن تتفاوت اوضاع هذه الهيئات من بلد عربى لاخر وذلك حسب النمط السياسى السائد فى هذه البلد أو تلك فهناك دول فيها تعددية سياسية وحزبية مقيدة مثل مصر ولبنان والجزائر .. الخ، وهناك اتجاه واضح لنمو مؤسسات المجتمع المدنى أكثر من تلك النظم السياسية المحافظة حيث يلاحظ انخفاض عدد ونوعية المؤسسات ذات الطابع المدنى فى حين تنشط عندهم الجمعيات ذات الطابع الدينى وهناك دول لا تسمح بتاسيس جمعيات أو هيئات أو منظمات اهلية ولكن تسمح بتاسيس لجان شعبية تمثل امتداداً للسلطة مثل ليبيا - ونسال الله أن يبدل الأحوال والفرج قريب - ودول تؤسس اتحادات نوعية تهيمن عليها الدولة كالعراق سابقاً واقع الحال يقول أن تاثير مؤسسات المجتمع المدنى فى الوطن العربى أن وجدت فهو ضئيل ومحدود وهو غير قادر على فرض إرادته أو رغباته على قرارات الدولة وحقيقة لا يوجد مؤسسات أو هيئات أو منظمات مجتمع مدنى فى البلدان العربية مستقلة عن الدولة وقادرة على التاثير فيها والنظام الرسمى العربى يقبل بفكرة وجود منظمات غير حكومية اهلية مستقلة عن الدولة فى بعض الاقطار العربية مثل لبنان والبحرين والكويت .. الخ، فى الوقت ذاته هناك اقطار عربية ولا بد من الاشارة أن مناقشة مفهوم المجتمع المدنى لا بد أن يستهدف السعى لاخراج المصطلح من الانحيازات المسبقة بين التائيد والرضى واليقينية حد التقديس عند البعض وبين التنديد والسخط والاتهام عند البعض الآخر وربطه بالمعطى التاريخى الاجتماعى المتحرك لكى يمثل الطاقة الكامنة لدى فئات اجتماعية ومهنية واسعة للاسهام فى صنع المستقبل السياسى والمشاركة فى رسم السياسات من خلال نقد الخطاب بين المعارضة والسلطة أحياناً عبر منحى ثالث يمثل خياراً مجتمعياً لتفعيل المشاركة وضمان الحقوق الإنسانية وضمان الحريات العامة والخاصة على كل الأحوال أن الأصوات العربية التى نددت فى اطروحة المجتمع المدنى الجديدة لم يكن منطلقها من ذات الرؤيا وذات الاطار فمنهم من اعتبره مستورد ودخيل وبنفس الوقت مشبوه وهذه نظرة الجماعات المحافظة والتقليدية بينما يرى البعض الآخر من زاوية اقترابها من الصراع مع القوى المهيمنة على الصعيد الدولى وهناك اتجاه ثالث قام بالنقد للمجتمع المدنى من مضمونه أحياناً وهو وأن يرى فيه ضرورة لا غنى عنها ولا يمكن احداث التحول والاصلاح الديموقراطى من دونها الأمر الذى يستوجب اعطاءها الشرعية لممارسة مهامها والقيام بكافة الاعمال ضمن الاطار الذى رسمته ومع ذلك هذا الاتجاه ينتقد بعض ممارساتها وتوجهاتها وتشبث بعض قياداتها بمواقعهم فضلاً عن بعض اساليبها البيوقراطية وتلك الأساليب التى تغاير الديموقراطية وعليه فإن المجتمع المدنى العربى ما زال فى طور النشوء وفى بعض البلدان جنيناً وهناك اقطار قد انتزع منها قسراً وهناك الكثير من التداخلات طرات عليه وقد وجهت له اتهامات بصيغ معدة مسبقة وهناك اقطار محافظة فيها احتجاجات فى طريقها إلى التبلور وهذه لقيت رواجاً دولياً حتى وأن كان له علاقة باجندة بعض القوى العظمى الخاصة لكن الأمر ينم عن ارهاصات بداءت تتاءسس وتترك تاءثيراتها ولكن بقيت محدودة على مسار نقد الدولة والممارسات الحكومية ومطالبتها بالاصلاح الدستورى والقانونى والاجتماعى وحق المشاركة وتاسيس الجمعيات والنقابات والاحزاب والمطالبة بحقوق الاقليات وحقوق المراءة .. الخ.
وأنا أرى أن كل ذلك قد تم فى اطار أممي ومن الصعب عزل البلدان العربية عنه الأمر الذى استدعى قبول الحكومات العربية فيه قسراً وذلك استجابة لبعض متطلبات التطور الدولى على كل الأحوال معاكسة السائد ضمن الاطار العالمى أم غير مرغوب وغير محمود العواقب والرياح ممكن أن تكون عاتية لا تبقى ولا تذر وعندها لن يقف فى وجهها أى سلطة حتى لو ادعى النظام الرسمى العربى أن ذلك يعتبر شأناً داخلياً لا يجوز التدخل به فهى اصلاحات على الصعيد الدولى لا بد من الاستجابة لها وإلا فنحن نسبح عكس التيار وعواقبه علينا ستكون وخيمة وغير محمودة العواقب وعلى الحكومات أن تدرك اهمية وحيوية المجتمع المدنى باعتباره الرافد لأى اصلاح أو تغيير ومن خلاله يتم تعزيز الديموقراطية وأيضاً تحقيق غاية قصوى ألا وهى ضمان السلم الاجتماعى وهو مدخل لكل ما يحمل العالم المعاصر عالم الحداثة والتقدم فمحاربة المجتمع المدنى بمؤسساته هو هروب من المستقبل الذى بالحكم سيفتح الباب على مصرعيه لمؤسسات وهيئات المجتمع المدنى ومنظماته أن النظام الرسمى العربى يجب أن يؤمن بعمل مؤسسات المجتمع المدنى ويجب عليه تجاوز العقلية الاحادية وعلية أن يقبل التعددية وعليه أيضاً تجاوز احتكار السلطة واحترام القوى السياسية بشتى اطيافها وعليه أيضاً قبول المشاركة من هذه القوى فى اتخاذ وصناعة القرار لأن التحكم فى القرار يجعلنا فى هذا العصر نسبح ضد التيار فعملية التغيير حاصلة لا محالة والبوادر يراها الجميع على الأرض فعهد التنظير قد ولى وانقضى عهده ولله الأم من قبل ومن بعد.

 0  0  2044
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:04 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.