• ×

05:29 مساءً , الخميس 29 محرم 1439 / 19 أكتوبر 2017

◄ المجلس الرابع والثلاثون : الفرق بين تكفير السيئات ومغفرة الذنوب (كتاب : رياض التائبين).
■ الفرق بين تكفير السيئات ومغفرة الذنوب.
جاء في كتاب الله تعالى ذكرهما مقترنين وذكر كلا منهما منفردا : فالمقترنان كقوله تعالى حاكيا عن عباده المؤمنين : (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ) (آل عمران : 193).
والمنفرد كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) (محمد : 2).
وقوله في المغفرة : (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ) (محمد : 15).
وكقوله : (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (آل عمران : 147).
فها هنا أربعة أمور : ذنوب، وسيئات، ومغفرة، وتكفير.
فالذنوب : المراد بها الكبائر .
والسيئات : الصغائر .. وهي ما تعمل فيه الكفارة من الخطأ وما جرى مجراه، ولهذا جعل لها التكفير، ومنه أخذت الكفارة، والدليل على أن السيئات هي الصغائر والتكفير لها : قوله تعالى : (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً) (النساء : 31).
وفي صحيح مسلم (233) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان : مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).
ولفظ : المغفرة أكمل من لفظ : التكفير، ولهذا كان مع الكبائر، والتكفير مع الصغائر، فإن لفظ : المغفرة يتضمن الوقاية والحفظ، ولفظ : التكفير يتضمن الستر والإزالة، وعند الإفراد : يدخل كل منهما في الآخر كما تقدم فقوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) (محمد : 2)، يتناول صغائرها وكبائرها ومحوها ووقاية شرها.
بل التكفير المفرد يتناول أسوأ الأعمال، كما قال تعالى : (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الزمر : 35).
وإذا فهم هذا، فهم السر في الوعد على المصائب والهموم والغموم والنصب والوصب بالتكفير دون المغفرة، كقوله : في الحديث الصحيح : (ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا أذى ـ حتى الشوكة يشاكها ـ إلا كفر الله بها من خطاياه) (خ (5641)، م (2573)، فإن المصائب لا تستقل بمغفرة الذنوب، ولا تغفر الذنوب جميعها إلا بالتوبة أو بحسنات تتضاءل وتتلاشى فيها الذنوب، فهي كالبحر لا يتغير بالجِيَف، وإذا بلغ الماء قلتين، لم يحمل الخبث.
فلأهل الذنوب ثلاثة أنهار عظام يتطهرون بها في الدنيا، فإن لم تف بطهرهم طهروا في نهر الجحيم يوم القيامة :
نهر التوبة النصوح.
ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها.
ونهر المصائب العظيمة المكفرة.
فإذا أراد الله بعبد خيرا أدخله أحد هذه الأنهار الثلاثة، فورد القيامة طيبا طاهرا، فلم يحتج إلى التطهير الرابع، وهو تطهيره في نار الجحيم يوم القيامة (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/ 386) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).
 0  1  4473
۞ إيضاح تقني : في خانة (أضف تعليق) الأحرف المتاحة أكثر من (1000) حرف // أما في خانة (الرد على زائر) في حدود (100) حرف فقط.
التعليقات ( 0 )