فتنة للمتبوع مذلة للتابع

ماجد عبدالله الغامدي.
1956 مشاهدة
فتنة للمتبوع مذلة للتابع.
■ جاء في سنن الدارمي في باب من كره الشهرة والمعرفة عن محمد بن العلاء، حدثنا ابن إدريس قال: سمعت هارون بن عنترة، عن سليمان بن حنظلة قال: أتينا أُبي بن كعب لنحدِّث إليه، فلما قام قُمنا ونحن نمشي خلفه، فرَهَقنا عمر، فتبعه، فضربه عمر بالدِّرة قال: فاتقاه بذراعيه فقال: يا أمير المؤمنين، ما تصنع؟ قال: أوَ ما ترى فتنة للمتبوعِ مذلة للتابع؟
وكان أُبي بن كعب أحدَ الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجاء كذلك في نفس الباب أن الشعبي قال: "وددتُ أني نجوتُ من علمي كفافا لا لي ولا عليّ".
وروى ابن أبي شيبة في المصنف بسنده عن حبيب بن أبي ثابت قال: رأى ابنَ مسعود ناس فجعلوا يمشون خلفه فقال ألكم حاجة قالوا: لا، قال: "ارجعوا فإنها ذلة للتابع وفتنة للمتبوع".
وإذا نظرنا إلى هؤلاء وغيرهم ممن هم على حالهم وجدناهم صفوةً من بين الرجال فمنهم صحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم علماء وتابعون عرفوا بالعلم والتقوى والزهد، وفائدة الناس منهم عظيمة وأثرهم على المخالطين لا يشك فيه ذو عقل. ومع كل ذلك نُهوا أن يكونوا متبوعين كما فعل عمر رضي الله عنه بل أنهم لم يقبلوا الاتّباعَ والمشي وراءهم بل خاف منه بعضهم وكرهه كرها شديدا. وقد كان من هدي السلف منع تعظيم الرجال لهم بالمشي خلفهم. وإنَّ أحق الناس بمتابعته مع عصمته وعدم الخوف على نفسه من الفتنة هو محمد صلى الله عليه وسلم.

وإذا لم يمشِ الرجال في زماننا هذا خلف بعضهم ولم يطؤوا أعقابَ بعضهم في الطرقات كما فعل محبو السلف والصحابة، فإنهم يطؤون معرفات الحسابات في مواقع التواصل الاجتماعية ويتابعون مشاهير لا يأمنون على أنفسهم الفتنة بل إنهم في الغالب لا يقدِّمون فائدة أو نفعا لمن تابعهم ووطأ أعقابَهم، فإنْ فاتهم المغنم ففي كثير من الأحيان لم يسلموا من المأثم أقلها ضياع أوقاتهم إلى غير ذلك من فتنة المتابعة وذلتها للتابع في غير حاجة كتقليل قيمة ما يملكون في أعينهم عندما يرون ما يملكه المتبوع، بل إني قد رأيت متبوعين يسخرون ممن تابعهم ويتندرون من متابعيهم، فيا للعجب!
وإنّي لأرى فكرة المتابعة في هذه الوسائل الاجتماعية فكرة قبيحة أكثر من فكرة المتابعة عند القدماء إذ فضلا عن أنها تفرق بين الناس ولا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى؛ فإنها فوق هذا فكرة مُخادعة تساعد على غرسِ مفهومٍ غيرِ عادل إذ تجعل الكثرةَ والقوة عند المشهور دليل حق واستحقاق وهذا ليس بشرط فقد يكون الحق وحيدا وقد يكون صاحب الحق ضعيفا. ومن أحب الشهرةَ في الغالب لم ينجُ، فالشهرة فتنة فكيف بمن أحبها ومن تابع من أحبها.
ومما يؤكد قبح فكرة المتابعة في برامج التواصل الاجتماعية أيضا والذي اُبتلي بها كثير من الخلق وأنا منهم، أنها فكرة جشعة تعزز مفهوم الكسب والحصول على عددٍ من المتابعين بغض النظر عن الطريقة والوسيلة فكثير من المشاهير والباحثين عن الشهرة قد يرتكب الكثير من الأخطاء والأفعال القبيحة فقط من أجل كسبِ عددٍ من المتابعين، بل وصل الأمر ببعضهم أن يفتعلَ أحداثا وقصصا تؤثر عليه وترهقه فقط من أجل المتابعين؛ إذ كُلما كثُر عددُ مُتابعيه ولم يقوموا بإلغاء المتابعة كثرت فائدته المادية من الشركات إمّا للدعاية أو لأمور لا تخفى على مستخدمي هذه الوسائل.

وقد يكون هناك فوائد لفكرة المتابعة للمتبوعين (المشاهير) فمنهم من يقدِّمُ بضاعة تستحق البحث عنها وقد سهّلتْ متابعةُ كثيرٍ من المتميزين على الناس فاستطاعوا التواصل عن قرب بمن يهتمون بمجال تخصصهم، ولكنْ يضيع عددٌ كبير منهم في بحر مُلهياتِ هذه الوسائل وتقل الفائدةُ كُلما كثرت المتابعة، وحتى المتبوعون (المشاهير) المتميزون لا يلبثُ أكثرهم حتى يغيّرَ جِلْدَه ويصبحَ حديثه في الغالب عن أشيائه التافهة كطبخ اللحم مع الأرز أو سلق الدجاج وأكل المثلجات مع أبنائه وزوجته، ويحدث هذا إمّا لإغراءٍ يتعرض له صاحب الحساب المتميز أو سليقةً منه في اتباع القطيع.

أستثني من هذه الحسابات التي لا تكون شخصية وتكون بأسماء مجالات متخصصة كالحسابات الأدبية والعلمية مع أن بعضها للأسف ينحدر بعد فترة لإغراءات جذب المتابعين أو يقوم بالدعاية لحسابات لا تمت لمجاله بصلة من أجل الكسب المادي فينحلّ بذلك من تخصصه.

وربما يكون للحسابات الرسمية للمواقع العلمية والهيئات الاستشارية وحسابات الدولة جانب من الثبات يستحق أن يجعلها مستثناة.
وعلى كلٍ يبدو أن فكرة وسائل التواصل الاجتماعي والمُتابَعة ( Follow up ) اجتاحت الكثير منا ولا يسعُنا إلا التعايش معها ولكنّني أحببت أنْ أنقل للقارئ الكريم أن فكرة المتابعة للمشاهير ومحبي الشهرة عموما فكرة ممقوتة ومنبوذة لدى السلف الصالح ومن هم قدوة لنا، ولربما يستعيد قارئ هذه الأسطر بعض توازنه بعد أن ينتهي فيذهب إلى حساباته وينقّح منها ما استطاع.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :