د. فاطمة صالح باهميم.
إجمالي المشاركات : ﴿30﴾.
1447/12/22 (03:10 صباحاً).

منهج النبوة في إكرام الشيبة : تأملات إرشادية.


■ ​الرواية :
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: لما دخل رسول الله ﷺ مكة ودخل المسجد، أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هَلاَّ تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آلْتِي آتِيهِ فِيهِ؟". فقال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه. فأجلسه بين يديه، ثم مسح على صدره، ثم قال له: "أسلم"، فأسلم.

● أعدت قراءة هذا الموقف عدة مرات وفي كل مرة أجد لوحة جديدة تزهو بألوان مضيئة ومنهج تربوي في التعامل مع كبار السن؛ فخرجت بمنهج تربوي وإرشادي نفسي:
​١. الاستحقاق الوجودي:
حين قال النبي ﷺ: "لأتيناه"، هو لم يعطِ أبا قحافة "حقاً" فقط، بل أعطاه "قيمة وجودية". وهنا ندرك أن احترام وتقدير الكبير ليس صدقة بل هو استحقاق نابع من تاريخه وجهده وعطائه.

​٢. الذكاء العاطفي القيادي:
النبي ﷺ وهو في قمة مجده العسكري والسياسي (يوم فتح مكة)، يعلمنا "الذكاء العاطفي القيادي"؛ كيف يتواضع القائد ليرفع الآخرين ويحفظ كرامتهم.

​٣. البر الواعي:
يمثل أبو بكر الصديق قمة البر الواعي عندما أخذ والده لنور الإسلام. فأعظم البر أن يعلم الأبناء والديهم الدين، ويزودوهم من مناهل القرآن والسنة والقصص الملهمة، ويحرصوا على نجاتهم وسعادتهم الأبدية.

​٤. الاحتواء النفسي:
عندما مسح النبي ﷺ على صدر الشيخ، استخدم لغة الجسد المطمئنة التي تزيل التوتر والقلق من اللحظة؛ وهو تجسيد حي لذكاء الاحتواء النفسي وتقدير الحالة الشعورية للكبير.

​٥. المرآة المستقبلية:
هذا الموقف صورة تأملية ليرى كل شاب وشابة أنفسهم شيوخاً؛ فكيف يحبون أن يعاملهم الآخرون أو أبناؤهم؟ إنها مرآة شخصية ليروا ذواتهم المستقبلية من خلال تعاملهم مع كبار السن اليوم.

● ​الخلاصة:
لقد لخص هذا الموقف الخالد منظومة متكاملة من القيم: توقير الكبير، والذكاء العاطفي في جودة التواصل، والبر الواعي، والعمل على التغيير والتجديد دون وضع حاجز العمر، وتخيل الذات بعد عدة سنوات. إنها دعوة لأن نحول هذه المشاعر إلى واقع معاش، ليبقى الكبير في مجتمعنا عزيزاً، مكرماً، ومقدراً كما أراد له المنهج النبوي.