• ×

05:09 مساءً , الثلاثاء 5 شوال 1439 / 19 يونيو 2018

◄ ولقد كرمنا بني آدم (مسلماً أو كتابياً أو كافراً).
■ قصة الدرع المسروقة.
تتحدث القصة عن اسم الله الرقيب وفيها نزل جبريل بالوحي، لكن كم من القضايا الآن في المحاكم لن ينزل جبريل فيها بالوحي ؟
حدثت هذه القصة بعد الهجرة بسنتين أو ثلاثة ونزل فيها قرآن الكريم : (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (النساء : 105).
ونحن نعلم أن النبي مكث في مكة مضطهد لمده 13 سنه يبحث عن مكان يؤويه إلى أن وجد أهل المدينة يرحبون به. ولكن من يسكن المدينة الآن ؟
كانوا إما من الأوس أو من الخزرج وهم أعداء وكانت بينهم حروب مستمرة، والمفروض بعد ذلك أن يصلح النبي بينهم حتى تهدأ الأمور في المدينة، فيها كفار لم يسلموا بعد، وكما فيها يهود، وفيها منافقين.
يعنى الله يكون في عونك يا رسول الله الوضع متكهرب هناك ولا ينقص أية فتنه صغيره تشعل الموقف.
المهم كل ذلك مقدمة لقصتنا.
الصحابة وخاصة (المهاجرون اللاجئون من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة) كانوا فقراء جداً وربطوا على بطونهم أحجار من شده الجوع بمعنى أن لو امتلك احدهم درعاً يكون غنى جداً.

■ الواقعة التي حدثت هي :
كان يوجد صحابي اسمه قتاده بن النعمان. وهو من الأوس كان أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم درعاً من غنائم إحدى الغزوات وكان فرحان به جداً وبعد يومين سرق الدرع ومن المتهم فيه واحد من الخزرج اسمه طعمه وراه قتاده وهو يسرق الدرع، فذهب للرسول صلى الله عليه وسلم وابلغه فاغتم الرسول وحزن. لما علم أن السارق مسلم. وهو من الخزرج لأن التوقيت غير مناسب الآن أن يكون المسروق من الأوس والسارق من الخزرج وخاف "طعمة" أن يحتفظ بالدرع في بيته فيعرف الناس أنه سرق الدرع. وكان "طعمة" فيما يبدو مشهوراً بأنه لص، فذهب إلى يهودي وأودع عنده الدرع، وكان الدرع في جراب دقيق. وحينما خرج به "طعمة" وحمله صار الدقيق ينثر من خرق في الجراب وتَكوَنّ من الدقيق أثراً في الأرض إلى بيت اليهودي وكان اسمه "زيد بن السمين" وعندما تتبعوا أثر الدقيق وجدوه إلى بيت طعمة، ولكنه حلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها وقالوا : "لقد سرق ابن السمين".
وهنا قال ابن السمين : "أنا لم أسرق الدرع ولكن أودعه عندي" طعمة بن أبيرق.
وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه أن يصعد المنبر ويبرئ طعمه وفعلاً يبرئ الرسول طعمة ويعتب على قتاده اتهامه لطعمة. وينتهى الموقف وتهدأ المدينة ويناموا والحمد لله أن المتهم يهودي وليس خزرجي، ولكن قبل الفجر ينزل جبريل من السماء بعدالة السماء ويقول يا رسول الله اليهودي برئ وطعمه هو السارق.
ثم أن قتادة فعلاً رأى طعمة وهو يسرق الدرع ولما علم طعمة فكر كيف يتخلص من الدرع واحضر ثلاثة من عائلته واخبرهم بما حدث وأن العار سوف يكون للعائلة عند الرسول صلى الله عليه وسلم لو علم أن طعمة هو السارق.
وذهب الثلاثة للرسول صلى الله عليه وسلم وصدقهم صلى الله عليه وسلم ودافع عن طعمة على المنبر. ولكن الرقيب موجود فانزل جبريل إلى الرسول قبل الفجر واخبره بما حدث من طعمة وأن اليهودي برئ.

■ والسؤال هنا فلماذا التبرأة قبل الفجر ؟
من أجل أن تعلن البراءة في صلاة الفجر واصل تأخير العدل ظلم. يا قضاة المسلمين القضايا عندكم ممكن تمكث أكثر من خمس سنوات ولم يبت فيها. لا تؤخروا قضاياكم وينزل جبريل عليه السلام بالآيات 105 و 106 و 107 من النساء ويصعد الرسول صلى الله عليه وسلم على المنبر واعلن أن زيد برئ والسارق هو طعمة العدل فوق كل شيء قال تعالى : (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (النساء : 105).

■ كلمة لكل خائن للعدل :
أقول لكل خائن للعدل في بلاد الله وملكه وسلطانه : قول الله تبارك وتعالى : (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً) (النساء : 107)، لكل خائن للعدل يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله وهو معهم أقول له الظلم ظلمات يوم القيامة، يقول تعالى : (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا).
إلى كل خائن للعدل رد الحقوق إلى أصحابها ثم تب فباب التوبة مفتوح.
الرقيب سبحانه وتعالى : قصتنا (الدرع المسروقة) تتحدث عن اسم الله الرقيب وفيها نزل جبريل بالوحي، لكن كم من القضايا الآن في المحاكم لن ينزل جبريل فيها بالوحي ؟
وهنا أنت وضميرك فالله يراك (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) (النساء : 108)، فإن كنت خادعاً لزوجتك. وإن تبسمت في وجه من تكره. فكن على ثقة بأن سرك وعلانيتك مكشوفان أمام الله تعالى الرقيب، سأعلمك دعاء تقوله قبل أن تنام كل ليلة، قل : الله شاهدي، الله ناظري، الله رقيب علي.
هذا الدعاء سيقوم بإيقاظ جهاز الإنذار بداخلك إن كان جهازك وضميرك تعطلاً. يا من ظلمتم الناس وأخذتم حقوقهم، يا من غششتم في البضائع، يا من أدخلتم آخرين السجن ظلماً، يا من زورتم، يا من ظلمتم زوجاتكم. العدل يبدأ من البيوت. الجميل في الأمر أن هذه القصة جاءت في سورة النساء بعد سورتي البقرة وآل عمران، والفكرة أن سورة البقرة تتكلم عن مسؤولية المسلمين عن الأرض، وسورة آل عمران تتحدث عن نموذج لعائلة كانت مسؤولة عن الأرض (مريم وزكريا ويحيى) وسورة النساء تتحدث عن الضوابط التي من شأنها الحفاظ على أن نكون مسؤولين عن الأرض ولهذا فسورة النساء تتحدث عن كل أنواع العدل، مع الأيتام ومع المستضعفين، وسميت بسورة النساء؛ لأننا إن عدلنا مع زوجاتنا نستطيع أن نعدل مع الباقين على الأرض، كأن رمز العدل مع النساء وأن علينا البدء ببيوتنا.

■ أهداف قصة اليوم :
1- العدل ابدأ بنفسك وبأهلك.
2- اسم الله الرقيب.
3- التوبة ورد الحقوق إلى أصحابها.
4- تحقيق العدل في أنفسنا وبيوتنا يؤدي إلى رؤيته في بلادنا.
وسبحانه وتعالى يعطي هذه القضية لواقعة حدثت معاصرة لرسول الله. والوقائع التي حدثت معاصرة لرسول الله بمثابة استدرار السماء للأحكام، فالقضية تحدث وينزل فيها الحكم، ولو جاءت الأحكام مبوبة وسقطت ونزلت مرة واحدة، فقد تحدث الحادثة ويكون لدى المؤمنين الحكم ويحاولون البحث عنه في الكتاب.
لكن إذا ما جاء الحكم ساعة وقوع الحادثة فهو ينصب عليها، ويكون الأمر أدعى للإذعان له؛ لأنه ثبت وأُيِّد ووثِّق بواقعة تطبيقية.
إياك أن تقول : إن هذا مسلم ولا يصح أن نلصق به الجريمة التي ارتكبها حتى لا تكون سُبة عليه، وإياك أن تخشى ارتفاع رأس اليهودي؛ لأن هناك لصاً قد ظهر من بين المسلمين. ومن الشرف للإسلام أن يعاقب أي إنسان ارتكب خطأ لأنه مادام قد انتسب للإسلام فعليه أن يصون هذا الانتساب.
وعقاب المسلم على خطأ هو شهادة للإسلام على أنه لم يأت ليجامل مسلماً. وعلى كل مسلم أن يعرف أنه دخل الإسلامَ بحق الإسلام.
لقد نظر بعض السطحيين إلى قوله الحق : (وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) قائلين : إن كان هناك لص أو خائن أو مستغل لقوته فاتركه ولا تنظر إليه ولا تلتفت حتى لا يسبب لك تعباً.
ولهؤلاء نقول : لا، فسبحانه وتعالى يقول : (وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) و "اللام" التي في أول "الخائنين" هي للملكية أي أن الحق يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقف موقفاً لصالح الخائن، بل عليه أن يخاصم لمصلحة الحق.
ولذلك يقولون : إذا عرفت في رجل سيئة انكشفت وصارت واضحة. فلتعلم أن لها أخوات؛ فالله لا يمكن أن يفضح أول سيئة؛ لأنه سبحانه يحب أن يستر عباده، لذلك يستر العبد مرة وثانية، ثم يستمر العبد في السيئة فيفضحها الله : (إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً)، والإثم أفظع المعاصي.
والقوم الذين ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستشفعوا عنده لابن أبيرق لكي يحكم له الرسول ضد اليهودي، لماذا صنعوا ذلك ؟
لأنهم استفظعوا أن يفضح أمر مسلم ويبرأ يهودي، استحيوا أن يحدث هذا، وعالج القرآن هذه القضية وذلك ليأتي بالحيثية التي دعتهم إلى أن يفعلوا هذا ويقضي على مثل هذا الفعل من أساسه، فقال : (يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ)، إنهم يطلبون البراءة أمام الناس في أن "طعمة" لم يفعل السرقة، ولكن هل يملك الناس ما يملكه الله عنهم ؟
إنه سبحانه أحق بذلك من الناس.
فإذا كنتم تريدون التعمية في قضاء الأرض فلن تعموا على قضاء السماء.
وهذه القضية يجب أن تحكم حركة المؤمن، فإذا ما فكر إنسان منسوب إلى الإسلام أن يفعل شيئاً يغضب الله فعليه أن يفكر : أنا لو فعلت ذلك لفضحت نفسي أو فضحت ولدي أو فضحت أسرتي أو فضحت المسلمين، وعلى الإنسان المسلم ألا يخشى الناس إن فعل أخ له شيئاً يشين المسلمين، بل عليه أن يأخذ على يديه ويردُه عن فعله.
ونقول لمن يستتر عن الناس : أنت استخفيت من الناس، ولم تستخف من الله؛ لذلك فأنت غير مأمون على ولاية.
قال تعالى : (يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ)
و "يبيت" أي أنه يفعل أمره في الليل؛ لأن الناس كانت تلجأ إلى بيوتهم في الليل،
ومعنى "يبيت" أن يصنع مكيدة في البيت ليلا، وكل تدبير بخفاء اسمه "تبييت" حتى ولو كان في وضح النهار، ولا يبيت إنسان في خفاء إلا رغبة منه في أن ينفض عنه عيون الرائين.
فنقول له : أنت تنفض العيون التي مثلك، لكن العيون الأزلية وهي عيون الحق فلن تقدر عليها.
■ قائمة : الروابط الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية.
 0  0  1271
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:09 مساءً الثلاثاء 5 شوال 1439 / 19 يونيو 2018.