دراسة في الفكر الإنساني : الجذور والعصور

طارق فايز العجاوي.

عدد المشاركات : «49».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
في الفكر الإنساني : الجذور والعصور ــ دراسة علمية.
◗قولنا أن البشرية لم تعرف الفلسفة بكافة معطياتها وقيمها كما ألفناها وعرفناها اليوم إلا في الحضارة الإغريقية التي تعتبر المرجع والمستند لدراسة هذا العلم الذي بهر العالم وهي بحق الحجر الأساس لكل ما وصل إليه هذا العلم. إذن كل حضارات العالم نهلت من هذا النبع (الإغريقي) وهذا العلم (الفلسفة) وبنت على أساسها كل الموروث الفلسفي العظيم، فالغرب اعتمد العقل في تحديد المشاكل ووضع الحلول لها. أقصد كافة المشاكل بقضها وقضيضها بعكس الشرق الذي وائم بين العقلي واللاعقلي، إلا أن الغرب بداء يجنى ثمار اعتماده العقل وبالا ومشاكل لا حصر لها جراء انتشار الديانات كاليهودية والنصرانية التي تحتم بالضرورة اعتماد العقلي واللاعقلي، وبالتالي برزت مشكلة في غاية الخطورة ألا وهي اصطدام الفلسفة بالدين، فنجد مثلا في الهند أن الفكر أداة عمل لا أداة معرفة وعليه فلا قيمة له تحديدا إلا في طاقته العملية. فاليوغا هي أبرز ما يمتاز به الفكر الهندي وهي بالاختيار طريقة إظهار الروح على الجسد، وفى الصين أيضا إن علم الماورائيات لا ينفك عن السياسة والأخلاق، وعندنا في الشرق اعتبار المادة والروح عنصر واحد روحاني فلا تباين بينهما، بمعنى أن المعرفة طريقها الوحيد هي طريق الحدس الباطني والفيض الصادر عن الروح الكلية وهو ما عرف عند علماء الفلسفة والمهتمين بـ (التأمل المشرقي) الفكر المصري.
الشاهد أن تاريخ الحضارة عندهم وصل من التقدم ما لم تبلغه أي حضارة من أمم العالم القديم ففي الألف الخامس قبل الميلاد وجد المصريون أساسا للتوقيت ولمساحة الأراضي وكان عندهم نظام اجتماعي متقدم سواء في مدنهم أم قراهم، وفى الألف الثاني أيضا كانت طيبة عاصمة العالم تنشر في آسيا أضواء الحضارة المصرية إلا أنه بعدما فقدت مصر سيطرتها وحكمها الآشوريون والفرس والرومان واليونان والعرب تفاعل كل هذا الخليط وهذا المكون ونتج عنه (مدرسة الإسكندرية) التي اعتبرت منارة من منارات العلم والمعرفة وعرف عنها القاصي والداني، وقد قطع المصريون شوطا كبيرا في حقل المعرفة النظرية فهم أول من نظم الآلهة وهم أول من آمن بالحياة الأخرى وأول من اثبت قضية الثواب والعقاب بعد الموت وهم أول من ربط الثواب والعقاب بسلوك الإنسان وأعماله، ولقد اعتقدوا بخلود النفس ووضعوا أسس العقيدة الثنائية التي ترجع ما في الكون إلى جوهرين أحداهما روحاني والآخر مادي، وعليه نجد أنهم أقرب للفكر الغربي من الفكر الشرقي الذي قال بالوحدة الكلية. إذن قولنا أن مصر القديمة بحضارتها هي من أقدم جذور الحضارة الإنسانية إن لم تكن اقدمها على الإطلاق.

■ الفكر السومري والبابلي والأشوري :
عملا بنظرية التأثير والتأثر كان للحضارة المصرية القديمة عميق الأثر في غيرها من الحضارات كتلك التي كانت في بلاد ما بين النهرين هذه الحضارة التي أغنت كل حضارات العالم بما فيهم اليونان والرومان في الغرب وحتى وصل أثرها إلى الشرق الأقصى، وهذه الحضارة ترقى إلى العصر الحجري، فالحضارة السومرية تعتبر الأساس والركن الهام والجوهري لمجمل الحضارات الآسيوية، والثابت قطعا أن الحضارة التي نمت وترعرعت وازدهرت على ضفتي الهندوس أيضا قبل نزوح الهنود إليهما هي بحق حضارة خليط من السومرية والدرافينية وكانت هذه البقعة من الأرض ملتقى شعوب العالم منذ أقدم العصور ولما قطنها السومريون وانشؤوا فيها حضارتهم هبت عليهم من الجزيرة العربية عواصف الأموريين وهم في الأصل شعب سام وكان دائم الترحال والتنقل ولم يثبت ويستقر إلا في بلاد ما بين النهرين حيث سيطر على سومر والبلدان المتاخمة وبرز فيه حمورابي مؤسس أول سلالة في بابل، وكان لحضارة بلاد ما بين النهرين أثر جليل وواضح في مجمل الإرث الإنساني العالمي ممكن إجماله بالتالي :
• اعتقادهم بوجود قوة تسيطر على النظام الكوني ومصير البشرية جمعاء وهو الناموس الإلهي وهذا فعلا أخذه اليونان عنهم (الكلمة المولدة) كما أخذه عنهم الهنود فكانت عندهم (المرسوم الإلهي).
• اعتمادهم نظرية الزمان القائمة على النظام الكوني من رصد النجوم وحركة الأفلاك وعبادة الشمس التي باعتقادي هي الأساس للديانات الفلسفية الشمسية وهذا نلمسه بصورة واضحة في الفكر الهندي واليوناني.

■ الفكر الإيراني :
لعل الأثر الإيراني هو أقوى ما تركته الأمم القديمة للحضارة العربية والحضارة الغربية بشكل عام فكما هو معروف لدينا أن الفرس طغوا على غرب آسيا حتى الأبيض المتوسط ولم تفلت من سيطرتهم مصر أيضا وكذلك الإمبراطورية المقدونية التي أظهرت مقاومة وحملت اليهم حضارتها بعدما سيطرت عليهم جيوش الإسكندر لم تحمل اليهم إلا بعض ما اقتبسته من تراثهم الفكري.
● المذاهب الفكرية التي نشأة في بلاد فارس :
• عبادة النار.
• عبادة بعض القوى المجردة.
• الديانة المزدكية التي نتجت من تمخض المعتقدات القديمة ذات المصادر المختلفة وهذه الديانة انتشرت في إيران بصورة كبيرة. والمزدكية معناها الإله الحكيم (مزدا) معناه الذكاء، والإله مزدا هو الإله الحكيم العاقل الذي ظهر من بين الآلهة المتعددين وهيمن عليهم كما برز آله آخر اسمه (اهورا) وهو الذي يمثل القوة العاقلة التي امتزجت بالعقل فأضحى اهورا ومزدا إلها واحدا هو اهورامزدا أو (ارمزد).
وباحتلال إيران من قبل الفرس تبنى المجوس ارمزد وجعلوا منه الإله الأول وبالمقابل أقاموا حياله إلها آخر يمثل قوى الشر الموجودة في العالم لأن ارمزد الإله العاقل الحكيم لا يمكن أن يكون إلا مبدا للخير وهكذا تبلورت منذ عهد قديم فكرة (الثنوية).

■ الزردشتية.
ظهرت تنادى بالإصلاح ولئن حافظت على فكرة الصراع القائم بين الخير والشر ونادت :
• حملت على القرابين الدموية.
• دعت إلى إحلال الطهارة الخلقية وتنقية النوايا.
• دعت إلى ما يشبه التوحيد وتمجيد اهورا مزدا
• مقاومة مبدأ الشر.
• مساعدة مبدأ الخير.
• الانتصار والتطهير الداخلي الذي يقود إلى السعادة.

■ الزرفانية.
هي فكرة موغلة في القدم وقالت بالزمان المطلق أو غير المحدود ولد تواءمين ارمزد و اهرمان مبدأي الخير والشر وهما وحدتان متساويتان في القيمة متنافرتان في الخصام والنزاع وقوتان متعادلتان لا تقوم الواحدة منهما دون الأخرى ومن ثم نرى في الزرفانية محاولة جادة لتوحيد المبدأين في مبدأ واحد وهى لا شك مستمدة من المعتقد الكلداني في السماء والزمان أساسا لنظرية الزمان (كرونوس) ومنها أخذت فكرة العوالم المتعاقبة ـ منها أخذت بعض الفرق الإسلامية ـ التي يخرج إحداها من أنقاض الآخر أي فكرة الرجعة.
• فكرة المخلص أو المهدى الذي سيعود يوما إلى العالم ليزيل الشرور ويحل العدل محل الجور وينقذ البشر.
• المانوية أخذت الكثير من الديانة اليهودية والنصرانية كما تأثرت بالغنوصية، أما مانى فهو بابلي من أصل إيراني قضى حياته يبشر بدين جديد ويحارب المجوس ويحاربونه حتى تغلبوا عليه وصلبوه ولكن فكرته باقية والمعروف أن والد مانى من المغتسلة وهى فرقة مسيحية ضالة وهذه الفرقة تدعو إلى التطهير بالعماد وتلبس الثياب البيض رمز الطهارة.
ادعى مانى انه المسيح الثاني أي (البارقليط) الذي وعد به يسوع وأنه جاء للعالم بديانة الخلاص، وقد أخذت عن الديانات الإيرانية تلك الثنوية التي تجعل في العالم مبدأين مبدأ خير ومبدأ شر ومبدأ ظلام، أما الكلمة المنورة لوغوس ابوفنتيكوس عند أرسطو فجاء مانى بدين عده قادرا على توحيد الشعوب قاطبة، أما بخصوص الرواقيون والصينيون فقد نهلوا من ذات المعين بما يتمشى مع فكرهم ومعتقدهم.

■ الفكر الهندي.
فكان لفكرهم ملامح عامة نذكر منها :
• تقسيم الهنود إلى طبقات.
• فكرة التناسخ، وهذه الملاحظ أنها أبعد بكثير عن فكرة انتقال الأرواح فقط، نعم هم يؤمنون بذلك ولكن فلسفتهم ونظرتهم أعمق من ذلك.
• قولهم بالصيرورة التي لا تقاوم.
• اليوغا التي يتم من خلالها السيطرة على النفس والروح.
• الجاينية، جينا معناه الظافر وجدت الحل بالظفر عن طريق التقشف والفكر الثاقب اللذين يجعلان من الإنسان سيد نفسه وذاته وخالق أعماله.
• البوذية، فقد أنكرت وجود النفس كجوهر وراءت أن حقيقتها ليست سوى حقيقة نسبية فهي مثل الجسد تنحل إلى عناصر تعود كلها إلى ظاهرات ذاتية.
• التصوف الهندي، المدرسة اليوغية هي أبرز المدارس الهندية في هذا المجال ويرمي تصوفها بالدرجة الأولى إلى اتصال النفس البشرية بمبادئها الروحية.

● أما مقامات التصوف الهندي كثيرة نذكر منها :
• الندم.
• المحبة والحلم.
• تطهير الجسم بالغسل والعقل بالمعرفة.
• التقشف.
• التسليم المطلق لمشيئة الله.
• تلاوة الترانيم المفروضة.
• اتخاذ الأوضاع الجسدية التي تساعد على سير النار الروحية في الجسم.

هذا حقيقة الأناء الفكري الإنساني السائد بالتقريب ودون تفصيل قد يبدو مملا حاولنا أن نتوخى أدق ما يمكن أن يوقعنا في الزلل وهدفنا الحقيقة لا شيء غيرها، فنرجو الله أن قد وفقنا في ذلك ولله الأمر من قبل ومن بعد.
أزرار التواصل الاجتماعي

ــ أحدث المواد المضافة (للقسم) :