• ×

01:36 مساءً , الثلاثاء 8 شعبان 1439 / 24 أبريل 2018

◄ القيادات الإداريّة والتدوير الوظيفي.
إنّ التدوير الوظيفي الذي نرمي إليه هو تحريك الموظّف من وظيفته الحاليّة إلى وظيفة أخرى أفقيّاً أو رأسيّاً، وقد اعتبره خبراء الإدارة والقيادة واحداً من أهم المبادئ في تطوير الأعمال وتحديث الإدارات ودفع المؤسسات قدماً نحو تحقيق أهدافها العليا وتطوير واقعها وقدراتها، وقد أشرنا في مقالنا السابق (ولماذا لا يدرِّسون) إلى التدوير الوظيفي بشكلٍ عام، ولكنّنا سنقتصر في مقال اليوم تحديداً على الفئة القياديّة كرئيس قسم أو مدير إدارة ومديري العموم والمساعدين وكل مسئول يتولّى رئاسة عدد من الموظّفين الذين يعملون تحت إدارته، وإزاء ذلك نحن نتساءل : ما المعيار الذي تمّ من خلاله ترشيح هؤلاء القياديّين ؟ وهل يتمُّ تكليفهم لفترة معيّنة ؟ وما هي أقصى مدّة يقضيها أي مسئول ؟ وما كيفيّة التدوير الوظيفي لدينا والمعمول به في عموم إداراتنا ؟ وما الآثار المترتِّبة على بقاء هؤلاء القياديّين لسنوات طويلة في إداراتهم ؟ وغيرها من التساؤلات التي تدور رحاها في ذهن كثير منّا وسنقوم ـ إن شاء الله ـ ببحثها ومناقشتها كما يجري على ساحة العمل.
إنّ الناظر بعين الحياد والمتأمِّل بمنظار الواقعيّة، وهو يردِّد ويقول : (عش رجباً ترى عجباً) لحال إداراتنا اليوم ومنذ زمن يجدها ترزح تحت وطأة التكلُّس الإداري وتغلغل المحسوبيّات ونفوذها فأضحت تحت قبضة أصحابها وسيطرتهم مستغلّين بذلك سلطة القرار وسلاح الصلاحيّات النظاميّة الذي يخضع لمزاجيّة متخذي القرار وابتسارها كيفما شاءوا وفقاً لمصالحهم.
إنّنا نفاجأ دائماً بترشيح قياديّين في مواقع إداريّة متعدِّدة في معظم الجهات والأجهزة الحكوميّة المختلفة دون أن يخضعوا لمعايير تقييم دقيقة أو مقاييس ذات ضوابط ومواصفات معيّنة ومعلنة طبقاً لطبيعة المهمّة أو الوظيفة المتاحة، ولكنّها تتمّ في ضوء معرفة المسئولين وخلفيّاتهم وعلاقاتهم بمن يعملون معهم أو من هم أدوات تسخّر طوعاً لخدمتهم وتلبيةً لكفّة منافعهم الذاتيّة التي تسيِّر السفينة في عباب بحر العمل بما يحقِّق بقائهم ونجاحهم، وغالباً تقتصر على من تحت إداراتهم من معارفهم وذويهم وزمرتهم، وإن كانت هناك بعض الإجراءات النظاميّة للترشيح إلا أنّها تتمّ غالباً في ضوء توصيات ومرئيّات صاحب القرار وانطباعاته الشخصيّة عن المستهدفين المطلوب ترشيحهم الأمر الذي يَحْرِمُ أفراداً ربّما أكثر جدارةً وكفاءة ولديهم الخبرة العمليّة والقدرة العلميّة والإداريّة والقياديّة التي تؤهّلهم لسد الشواغر المتاحة باقتدار؛ فلا يجدون تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص بعدالةٍ وإنصافٍ رغم جهدهم المتميّز وحماسهم وتفانيهم في عملهم وما قدّموه من إسهاماتٍ إبداعيّةٍ لمؤسّساتهم التي ينتمون إليها، وقد يُسْتَبْعَدوا تماماً بحججٍ واهيةٍ وتقييماتٍ ظالمةٍ، وقد توضع أمامهم العراقيل والموانع المحبطة لإزاحتهم من الترشيح؛ إمّا خوفاً من منافستهم ومزاحمتهم عند وصولهم لتلك المناصب القياديّة أو قد يتصدّون لفسادهم الإداري وسوء قراراتهم أو أنّهم يخالفونهم في آرائهم ولا يقبلون بأخطائهم وتجاوزاتهم الفادحة فيعدّون مصدر قلقٍ وإزعاجٍ لهم؛ ممّا يؤدي إلى إقصاء هذه الكفاءات المبدعة وإحباطهم من تحقيق آمالهم وطموحاتهم وعدم الاستفادة من طاقاتهم الفكريّة ومؤهلاتهم العلميّة ونتاجهم الذي يصبُّ في تنمية وتطوير المؤسسات الإداريّة على اختلاف مجالاتها وتخصُّصاتها.
إنّ هؤلاء المسئولين المترهّلين والمعمّرين لسنواتٍ طويلةٍ المتربّعين على كراسيهم الوثيرة والمتشبِّثين بها حتى تحوّلت كأنّها أملاكاً خاصة لهم؛ فلا تخضع صلاحيّتهم لفترة زمنيّة محدّدة؛ فبعضهم قد تجاوزهم الزمن ولا زال فكرهم جامداً ثابتاً بلا تغيير أو تحسين، وإنتاجهم أصبح متخلِّفاً عن اللحاق بركب التقدُّم؛ فهم يلوون عنق الأنظمة وفقاً لأهوائهم وظنّاً منهم أنّهم يمتلكون كافّة الأدوار والصلاحيّات التي يرون أنّها تخوّلهم للتحكُّم في مفاصل العمل؛ فهم يقاومون التجديد، ويفشّلون خطط التحديث، وينتهجون التعقيد الإداري في تعاملاتهم، ويتّبعون سبيل البيروقراطية في قراراتهم، ويقفون حجر عثرة لكل النجاحات الخلاقة، ويكوِّنون (شللهم) الموالين لهم من التنفيذيين ذوي المصالح المؤيّدين لسياساتهم الذين يدورون في فلكهم؛ فخلق جوّاً من التوتُّر بين الموظّفين، وتعطيل مصالح المجتمع، نتج عنه هدراً في الأموال العامّة، وتشتيتاً للجهود؛ واستنزافاً للموارد، وتفشّياً لمظاهر المحسوبيّات، وتقويضاً للطاقات المبدعة، ومجالاً خصباً للفساد الإداري والمالي، وضياعاً للأمانة؛ فأضحى مستوى الأداء رتيباً بطيئاً لا يرقى لتطلُّعات ولاة الأمر، ولا يحقِّق أهداف التنمية الوطنيّة.
إنّ الملاحظ في التدوير السائد في مجتمعاتنا هو نقل نفس الأسماء وذات الأشخاص من المسئولين من موقعٍ إلى موقعٍ آخر، ويتمُّ تحريكهم كقطع لعبة الشطرنج حيث توزّع بينهم المراكز كما لو كانت حكراً عليهم وإقطاعيّةً لا ينازعهم فيها أحد؛ إمّا بداع إزاحة بعضاً منهم أو تحقيق مصلحة شخصيّة على حساب المصلحة العليا للعمل، وبالأخص الذين لم يغيّروا أو يضيفوا شيئاً إيجابيّاً في إداراتهم؛ فماذا ننتظر منهم أن يقدِّموا في القطاعات الجديدة ما دامت العقليّات واحدة وقد توقّفت عن التجديد أو وصلت إلى نهايتها ففاقد الشيء لا يعطيه،وقد يتمّ إضافة دماء جديدة ضمن نطاقٍ ودائرةٍ محدودةٍ بدعوى التجديد، وذلك ذرّاً للرماد في العيون.
وحول أولئك القادة المسئولين فإنّنا لا نتّهمهم جميعاً إطلاقاً بالفشل الإداري؛ فقد وجدنا أفراداً أوفياء تبوءوا مواقع قياديّة لعدّة سنوات مضت، ولكنّهم قدّموا عصارة فكرهم، وبذلوا جلّ وقتهم وجهدهم بكل إخلاص، وخدموا وطنهم ومجتمعهم؛ فكانوا شعاراً للخير ورمزاً للعطاء وذكرهم راسخٌ لا ينسى.

لذا، كان لزاماً لمن بيده الأمر النظر في حال بقاء وثبات مسئولين عمّروا لعقودٍ طويلة عفى عليهم الزمن وأكل الدهر عليهم وشرب بعدما شاخت وتوقّفت أعمالهم، وذلك بحثاً في إيجاد الحلول ومعالجة الوضع القائم في شتى مرافقنا الحكوميّة رغبةً في الإصلاح الإداري وإحداث نقلة نوعيّة تنهض بالبلاد كي ينتشلها من مستنقعات التخلّف ومراتع الفساد إلى عالم متجدِّدٍ متحضِّرٍ، ولعلّنا نقدِّم بعضاً من المقترحات التي نرجو أن تكون خطوة فاعلةً ومؤشراً نافعاً :
1ـ سنّ معايير تقييم دقيقة، ووضع ضوابط وشروط معروفة ومعلنة لترشيح وتعيين الموظّفين في المراكز والمناصب القياديّة في مختلف الجهات والمؤسّسات الحكوميّة، ويكون مدّة العمل بها أربع سنوات قابلة للتجديد ويستمر التمديد إلى ثمان أو عشر سنوات كحدٍّ أقصى لذوي الإنجازات المبدعة.
2ـ وضع خطة تدوير واضحة لكل ثلاث أو أربع سنوات يتمُّ فيها استقطاب ذوي القدرات المنتجة والمبادرات المتميّزة والطاقات المبدعة والكفاءات المؤهّلة علميّاً ومن لديهم رؤى ورسائل وأهداف وتوجّهات وخطط عمليّة ترقى بمستوى الأداء، والتركيز على فئة الشباب لضخ دماء جديدة في عروق وشرايين مختلف الأعمال القياديّة في الأجهزة والدوائر الحكوميّة.
3ـ إيجاد دليل تنظيمي يشتمل على توصيف واضح ومحدّد لمهام وصلاحيّات جميع فئات الوظائف القياديّة على اختلاف مستوياتها ومجالاتها.
4ـ تعزيز التنمية المهنيّة للقادة المسئولين من خلال مشاركتهم وحضورهم في اللقاءات والمؤتمرات والندوات، وإلحاقهم بالدورات والبرامج التدريبيّة المرتبطة بمجال العمل بصفة مستمرة في الإدارة وفرق العمل ومهارات القيادة وفن التعامل وغيرها.
5ـ منح مزايا معنويّة وماديّة من علاوات وبدلات خاصّة أو مكافآت مقطوعة سنويّة للقياديّين وفقاً لطبيعة مهامّهم ومجالاتهم الوظيفيّة ومستوياتهم سواءً كانت أفقيّاً أو رأسيّاً، وترقية المتميّزين منهم إلى مناصب عليا، وذلك تشجيعاً لهم على بذل المزيد من العطاء ودافعاً للإنجاز وحافزاً للمنافسة بينهم ودعماً لتنمية ونهضة مرافق ومفاصل جميع مجالات الأجهزة الحكوميّة.

■ وفي ختام مقالنا :
نوجِّه كلمة لكل موظّف تبوّأ عملاً قياديّاً تقدّم له ورضي به وارتقى مركب المسؤوليّة عليه أن يتّق الله ويتحمّل مسؤوليّة الإدارة وتبعاتها بلا تضجّرٍ أو تذمّرٍ مادام قد سعى لها رغبةً وطواعيةً منه، فهي تكليفاً وليست تشريفاً له وأمانةً في عنقه، وألا يعتقد أنّ مراق القيادة وكراسيها هي هباتٍ نصبت له يمتلكها على حسابه؛ بل هي ودائع ستسند لغيره في يومٍ ما؛ فَلْيَجعلوا همّهم خدمة مجتمعهم وأداء الأمانة والقيام بالواجب الوطني المكلّفين به وتحقيق مبدأ العدالة والمساواة بين المرؤوسين والمستفيدين، وأن يكونوا على قدر المسؤوليّة وعند ثقة ولاة أمرهم وحسن ظنّهم لينالوا رضا الخالق ومحبّة الناس حينها تُسَطَّر أسمائهم بمدادٍ من ذهبٍ وأحرفٍ من نورٍ ونقشاً باقياً في ذاكرة الوطن.
هذا والله من وراء القصد
 0  0  3688
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:36 مساءً الثلاثاء 8 شعبان 1439 / 24 أبريل 2018.