جدلية التأرجح والتردد : وقفات تأملية في نص "حين يختبئ الضوء" للأستاذة فاطمة الجباري.


■ إنها خاطرة قصصية بديعة، حوت كل المحاسن، وحازت كل الفضائل، خاطرة مكثفة متفردة فيها من ألوان البلاغة وفنون الجمال ما يجعل القارئ أسيرا لديها، نص تأملي ذو بُعد إنساني عريض.
أما الكاتبة فهي الأستاذة فاطمة حسن الجباري، وقد برز في نصها مخزونها الثقافي الذي امتاحت منه، وبدت بيئتها الأدبية التي نشأت فيها، كما تجلى تأثرها بعملها في مجال التربية والتعليم.


● الخاطرة بعنوان" حين يختبئ الضوء".
تبدو المفارقة هنا مدهشة، وفي الوقت نفسه جاذبة للمتلقي، فالضوء الذي يُبرز الأشياء المختبئة وينقلها من الاختباء للظهور هو نفسه الذي يختبئ.
صاغت الكاتبة عنوان خاطرتها في جملة، اشتملت على ظرف زمان وفعل مضارع وفاعله، والتركيز كان على الزمان بدلالة البدء بالظرف "حين" والجملة الفعلية تفيد الحدوث والتجدد بمعنى أن هذا الاختباء متكرر ومستمر.
اشتمل العنوان على حدث وزمن، وهنا يبدو التناص جليًّا – ولو شكلا- بين عنوان هذه الخاطرة وعنوان كتابها: ""عندما تضّل الطريق" فقد تكون كلاهما من الأركان نفسها: ظرف زمان وجملة فعلية.

تسيطر فكرة التأمل على النص؛ فالتأمل عبادة دينية، تعمق الإيمان وترسخه، وتشحذ الفكر وتحفزه، جاء التأمل منثورا بين ثنايا الخاطرة القصصية منذ بدئها إلى نهايتها، فالكاتبة تحدثت بضمير المتكلم مبرزة أن التأمل انصب على تلك السماء التي وصفتها وصفا عجيبا يصلح أن ينطبق على بعض صفات البشر، وخصائص الإنسان، فهي تتأمل السماء، وتراقب الضوء الذي يخفت ويختبئ، وتتابع السحب التي تحجب الضوء، والغيم الذي يخفي الشمس.

يبرز التأرجح بين طرفين، ويتضح التردد بين احتمالين في النص، فقد تحدثت عنه في عدة جمل ومقاطع، ومن ذلك ضمنا ومعنى:
"يتقدم خطوة… ويتراجع خطوتين"
وصراحة:
"أن هذا التردد ليس وهمًا"
وتبدأ الخاطرة مشيرة لهذا التأرجح، حين تقول عن وجه السماء:
"لا هو صافٍ فيطمئن القلب، ولا مكتئب فيبكيه".

ويبدو لنا المغزى الضمني للخاطرة الذي تريد الكاتبة أن توصله هو أنه مهما تكالبت المثبطات فإن الحقيقة تبقى شاخصة، حتى لو ضعفت أو خفتت، لكنها لن تختفي تماما، فلا أحد قادر على طمسها:
ابتسمتُ دون أن أشعر،
لأنني أدركت حينها،
أن الأشياء التي تختبئ… لا تختفي،
وأن الضوء… حتى حين يُهزم،
يترك دليلًا صغيرًا على أنه كان هنا.

ثم تبين أهمية الأثر الذي ينبغي أن يخلف الإنسان كما قال الشاعر:
وَكُن رَجُلاً إِن أَتَوا بَعدَهُ • • • يَقولونَ مَرَّ وَهَذا الأَثَر
فالأثر مهم حتى لو كان باهتا؛ إذ تقول الكاتبة:
وأن الضوء… حتى حين يُهزم،
يترك دليلًا صغيرًا على أنه كان هنا.

من المعلوم -نقديا- أن فائدة الحقول الدلالية أنها تخلق شعورا لدى القارئ بترابط النص وتعزيز تماسكه، وكذلك تؤدي إلى توضيح المعنى الدقيق، كما تعمل على أن تسهّل فهم بنية النص على القارئ.
فقد أدركت الأستاذة فاطمة ذلك؛ لذا حشدت عددا من الحقول الدلالية في شتى النواحي، ومنها:
الحقول الدلالية للطبيعة: السماء، السحب، الشمس، المطر ...
للاتجاهات: الأعلى، الأسفل
وكذلك الألوان: رمادي، أبيض ...
وغيرها للزمان والمكان...

حفل النص بالصور الجمالية التي جاءت عفوية غير متكلفة، ومن ذلك الاستعارات كما في قولها:
تداخلت السحب في صمت
و
كانت الطرق تمضي

والتشبيهات كما في:
بعضها أبيض، خفيف، يشبه الأمنيات حين تولد،
وبعضها أثقل… رماديٌّ يميل إلى العتمة، كأنه يحمل ذاكرة شيءٍ لم يُغفر بعد.

كما وظفت الكاتبة التضاد الذي يوضح المعنى ويبينه كما في:
يذهبون ويعودون / خفيف وأثقل / يتقدم، يتراجع...
واستخدمت الترادف الذي يؤكد المعنى كما بين:
تختبئ، تختفي / السحب، الغيم...

وعمدت الكاتبة إلى أنسنة الطبيعة؛ حيث خاطبتها، وامتزجت بها، وأسقطت عليها من نفسيتها، كما في قولها:
"تشبه السحب الأمنيات حين تولد..."

ويبرز الإسقاط النفسي جليا في هذا المقطع:
"وقفتُ عند النافذة، أحدّق طويلًا،
لم أكن أبحث عن الشمس…
كنت أبحث عن تفسيرٍ داخلي لما يحدث هناك في الأعلى،
لأن شيئًا في داخلي… كان يشبهه تمامًا".

استخدمت الكاتبة فنا بلاغيا رائعا، وهو تراسل الحواس، ومعناه أن يجعل الكاتب حاسة تفعل فعل أخرى، أي تبادل الوظائف بين الحواس، فالعين تشم والأذن ترى والأنف تسمع... ، وهدف تراسل الحواس إثارة الدهشة وتوسيع الخيال، وتعميق الشعور، قالت الأستاذة فاطمة:
"طبقات من بياضٍ مُرهق"

صاغت الكاتبة خاطرتها بضمير المتكلم، وهو اختيار موفق وملائم لمضمون الخاطرة، ومتجانس مع محتواها؛ لأنها تعبر عن نفسها وتوصلها بالطبيعة، وتحكي عن ذاتها:
أحدق ، وقفت، أشعر، داخلي...

توظيف الاستفهام في خاطرة قصصية غرضها التأمل يعد موفقا جدا من الكاتبة؛ إذ أكثرت من الاستفهامات التي تخرج في غالبها لأغراض بلاغية مثل التعجب والاندهاش، كما في قولها:
ماذا لو لم ينفرج هذا الغيم؟
ماذا لو اعتاد الضوء أن يبقى خلفه طويلًا؟
هل سننسى شكله…
أم سنخترع له معنى جديدًا.

وهنا تساؤلات تتركها الكاتبة مفتوحة، لا تجيب عنها، ولا ترشد لمفاتيح قد تقرّب القارئ من الإجابة، لكنها كأنها تحذر من أن محاولة الاختفاء قد تجعل المختفي يعتاد، فيتحول اختفاؤه المؤقت إلى اختباء دائم.

وبلغت الكاتبة من تبلور فكرتها وتمكّنها منها أن صاغت عددا من العبارات في قالب الحكمة بسمتها المكثف والمركز، ومن ذلك:
“أحيانًا… لا نحتاج أن نفترق،
يكفي أن لا نكتمل.”
مقولة عميقة تجسد خبرة كبيرة في الحياة.

أما من حيث اللغة، فلغة النص سليمة خالية من الهنات، وتميزت برقة الألفاظ ودقتها، وجزالة التراكيب؛ مما مكّنها من صياغة صور شعرية فائقة الجمال.