مقاربة «6»

د. أكرم محمد مليباري

5216 قراءة 1433/07/01 (06:01 صباحاً)

د. أكرم محمد مليباري.
۞ عدد المشاركات : «28».
مقاربة «6».
◗الحمد لله حمد الشاكرين، وأفضل الصلاة والسلام الأتمين على خاتم النبيين محمد وعلى آله الطيبين.
الحديث عن الإنسان حديث ذو شجون، وقد تراءى لي أن أتطرق إلى بعض النقاط التي أعدها من أهم ما يختص بالإنسان المسلم المعاصر، لأنه من وجهة نظري هو أولى الناس بفهم واستيعاب التغيرات المتتالية في الزمان والمكان، التي تسعى بطريق مباشر وغير مباشر؛ في تشييئه واستعماله، في أنماط وقوالب جاهزة، كثيراً ما تسلخه من إنسانيته، وتجعله يتنكر لهويته وخصوصيته؛ بمحض إرادته، وطيب خاطر منه، بعد اقتناعه بالولوج في عالم الحضارة المادية الزائف.
وقد يتساءل القارئ : ما العيب في الحضارة وقد تعددت منافعها ومزاياها؛ التي كثيراً ما ساندت الإنسان في تسهيل الحياة وسبل العيش، بعد أن عاش حينا من الدهر؛ يكابد الحياة ومشاقها ؟ وهذا سؤال أعده مشروعاً ولكن الإجابة عليه، تحتاج إلى الكثير من التفصيل؛ قد لا يتسع مقال كهذا في الوقوف على كافة جوانبه، ولا تسمح كذلك طاقة الكاتب في سبر أغوار موضوع شائك مثله، ولكن بعض التقريب قد يضع بعض النقاط على بعض الحروف.
وهذا مرور سريع ألمح من خلاله إلى بعض ما تطرقت إليه في المقاربة السابقة مقاربة «5» عله يربط بعض ما سنتحدث عنه في هذا المقال؛ حيث تحدثنا عن تربية الإنسان وثقافته، واحترام إنسانيته بتوفير التربية اللازمة التي يحتاجها، وتعزيز ثقافته، وتوفير الرعاية والحرية الكاملة له، بما يضمن له تنمية جميع جوانبه الدينية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ في ظل ثوابت وعرى الدين، كأقل واجب وحق مشروع، يقيم من خلاله وظيفته التي أناطها الله تعالى به وهي الاستخلاف في الأرض؛ والاستفادة من خيراتها، ونحن عندما نقول : (الاستخلاف والاستفادة) من خيرات الأرض، وعمارتها؛ نعني عدم احتكارها وأسغلالها لصالح فئة محددة من البشر، دون أن يتمتع بها الآخرون، وهذا من الجوانب التي سنركز عليها في هذا المقال، و من الله تعالى الحول والطول.

■ إحلال ثقافة بأخرى.
في معرفة الحقيقة المرة من عمليات الغزو الوحشية التي تعرض لها هنود أمريكا الأصليين (الهنود الحمر) قبل ما يقارب خمسمائة عام، على يد الغزاة الإنجليز والفرنسيين والأسبانيين وكذلك الهولنديين، الذين كانت عمليات غزوهم لأمريكا؛ منبثقة من عقيدة دينية منحرفة وظالمة، مجذرة في أشد معاني الحقد والوحشية وللاإنسانية، ظهرت في أقبح أشكال العنصرية والطبقية المقيتة، التي ألبستهم شرعية ظالمة وهوجاء، لم يراعوا فيها إنسانية ولا حرمة لأصحاب الأرض الأصليين، الذين ما فتئوا آثاراً بعد عين، بعد أن ذاقوا ألوان الاغتصابات والقتل، وأشد ألون التعذيب، والتصفية الجسدية؛ بحجة أن الهنود الحمر لا يعتبرون من أصفياء الله وخلصائه؛ فيجب قتلهم وإبادتهم، بأمر من الدين على حد زعم الغزاة، الذين كانوا يرون في غزوهم الحق بامتلاك الأرض وكل ما فيها من نعم، بالإضافة إلى أصحاب الأرض الأصليين !
ولم يقتصر الأمر على إبادتهم وتصفيتهم بالكامل؛ بل ثمة مبدأ يؤمن به الغزاة؛ وهو وجوب (كسر العمود الفقري للهنود الحمر) كما يعتقد مهندس سياسة الإبادة الثقافية للشعوب المستعمرة (توماس مكولاي) آنذاك، وذلك بإحلال ثقافتهم الخاصة بهم، بثقافة الغزاة، رغما عن أنوف الهنود الحمر، الذين لم يكن لهم حول ولا طول، رغم بعض ما أبدوه من مقاومات، لكن ظلت القوى الغاشمة، قوى الغزو هي الحاضرة والمسيطرة على العباد والبلاد، والتي راح ضحيتها أكثر من 18 عشر مليون هندي أحمر، على مدار أربعمائة سنة، من تاريخ بدء الغزو.
ومن صور الإبادة التي تعرض لها الأمريكيون الأصليون؛ علاوة على الذبح والقتل والتعذيب الجسدي الوحشي؛ أن أمور تعليم وتنشئة الهنود الحمر؛ تولى كبرها الغزاة؛ فأصبحت تحت إمرتهم وتصرفهم بشكل كامل؛ حيث أجبر الغزاة أطفال الهنود الحمر على تعلم اللغة الانجليزية وبعض اللغات الأخرى الأجنبية، بشكل متعسف؛ مما ترك الأطفال يعيشون حالات من العذاب النفسي والشعور بالقهر؛ لعدم استيعاب وفهم لغات غريبة عن عالمهم وأرضهم وثقافتهم، لا سيما بعد منعهم من التحدث بلغتهم التي يفهمونها، بعد سن أنظمة عقابية متعسفة ولا إنسانية عليهم، إذا حاول هؤلاء الضعفاء التحدث بلغتهم، فأقل ما يكون هو التعذيب الجسدي الأليم الذي ينتظرهم، جراء ذلك !
ولم يكن في وسع أولئك سوى الرضوخ للجبروت الغربي، مما أدى إلى ذوبان كثير من معالم الثقافة الخاصة بالهنود الحمر - على المدى البعيد - والتماهي مع الثقافة الجديدة الدخيلة - على مرور الأيام والعصور - التي فرضت عليهم بالقوة العسكرية والعدوانية، أملا في الخلاص والنجاة من العذاب والاضطهاد.

■ ثقافتنا في مهب الريح.
لا يمكن إنكار ما للاستعمار الغربي على البلاد العربية، من تأثير ملحوظ على الثقافة والنظم، وكذلك الكثير من العادات والتقاليد، واللغة، مما كان من أصحاب الثقافة الضعيفة؛ التماهي مع الثقافة الغربية وتشرب الكثير من أنسقاها، من باب التقليد، ومن باب الإعجاب والانبهار، أو من باب القصور الكامن في الإرادة الدافعة للاعتزاز بالعادات والتقاليد؛ ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل إن الغزو الفضائي الإعلامي كان له دور أكبر وأوضح مما سبقه، فقدم على أطباق شهية، صوراً وأساليب أكثر تغريباً، وأعمق تأصيلاً، وعين الحال في ذلك؛ قد تكون أبلغ من المقال.
ولست هنا من أجل نكئ الجراح من غير تطبيب لها، حيث لا يعد ذلك إلا تضييعاً للجهد والوقت. والسؤال المطروح هنا هو : ما الذي فعلناه نحن إزاء ثقافتنا المهدرة، والتي نتنكر لها بشكل مباشر أحياناً، وغير مباشر في أحيان أخرى ؟ إن سؤالاً مثل ذلك لا يسعفه جواب مقتضب وجاهز في مقال صغير كهذا، ولكن يحتاج إلى دراسة دقيقة ومتأنية، لأنني كما أسلفت، أعد التباكي على ثقافتنا المهدرة، والتي تتميع وتتلاشى أمام أعيننا، كمن أعيته الحيل، فذهب يندب حظه ويلطم خده !
غير أنه يمكن لنا أن نتدارك أنفسنا بالنظرة الواعية والمتأنية في أوضاع أمتنا الإسلامية ثم الاعتراف بالقصور بكل شجاعة، والعيش على أرض الواقع، وبالفهم الصحيح له .. والله هو ولي الأمر والتدبير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ ثقافة التشييء والاستعمال أو التسليع؛ تأتي من مفهوم تعزيز التعامل المادي الصرف للأشياء بما في ذلك الإنسان مع إغفال أو إهمال الجانب الروحي والإنساني له، فتكون المصلحة هي القاسم المشترك في مجمل الأمر.
■ أمريكا والإبادة الثقافية ـ منير العكش.
■ وسائل التقنية الحديثة وتأثيرها على الخشوع في الصلاة، رسالة دكتوراه، د. أكرم محمد صالح مليباري.
■ قصة الأندلس من الفتح إلى السقوط، ج1، د. راغب السرجاني.

image الثقافة الفلسفية : فن المقاربة.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :