كي تكون التقنية صديقة

د. أكرم محمد مليباري
1442/07/09 (11:55 مساءً)
4932 مشاهدة
د. أكرم محمد مليباري.

عدد المشاركات : «27».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كي تكون التقنية صديقة.
■ تسارع الخدمات الإلكترونية في الزمن الذي نعيش فيه، يجعل الإنسان لا يدرك جميع أبعادها إلا بعد مدة من الزمن، وإذا لحق بركب أحدها واستفاد من ميزاتها ظهرت خدمة أخرى منافسة، ربما تغطي على سابقتها بجديد من المميزات والسهولة في الاستخدام، وعلى سبيل المثال : خدمتي (الفيسبوك) و (التويتر) كأداتين للتواصل بين الناس على المستوى العالمي، قدمتا دفعة ملحوظة في عالم الاتصالات الإلكترونية وسطرتا إنجازاً كبيراً في تقريب الأفراد من بعضهم، وسهلتا نقل أفكارهم وأطروحاتهم وعرضها على بعضهم البعض، في زمن قصير أشبه بلا زمن، في عصر قل التواصل فيه بين الأهل والأصدقاء في البلد الواحد !
ومن منطلق سنة الاختلاف التي أرادها الله تبارك وتعالى بين الناس، وبينها في كتابه الكريم، حيث قال جل شأنه : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود : 118)، اقتضت حكمته سبحانه وتعالى هذا الاختلاف الذي هو في واقع الأمر تكامل وائتلاف، يستفيد منه البعض من خبرات المجربين ومن لهم باع طويل في علوم ومعارف، لينقلوها للآخرين لتضيف بدورها إلى خبراتهم رصيداً إضافياً، ينير لهم درباً من دروب العلم والحضارة، ثم يتوارثها من يأتي بعدهم من أجيال، ولو جعل الله تعالى الناس كلهم سواء في التفكير والخبرات والطاقات والإمكانات، لما أمكنهم من الوصول إلى ما وصلوا إليه من حضارات وإنجازات سطرتها الأيام والدهور.
ولكن ما علاقة الاختلاف بهذا الموضوع ؟ إن الله تعالى عندما سن الاختلاف، أراد منا أن نعيه وندرك الهدف منه وهو الاستفادة من تنوع الخبرات التي يمتلكها بنو البشر، فينفع بعضهم بعضا، ويتبادلون المنافع والثقافات والخبرات، وقد سخرهم الله تعالى لبعضهم البعض، قال تقدست أسمائه : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف : 32) وسخريا أي : خدمات (ت. الثوري، ج1، ص271) وهذا الاختلاف نحن جبلنا عليه ولا يد لنا في تغييره، وقد وضعه الله تبارك وتعالى لهدف نبيل وغاية سامية.
لكن الاختلاف الذي ينتهي إلى التباين في الآراء ووجهات النظر، ويتسبب إلى نوع من العداء والبغضاء والعقم في الفكر، هو ما لا يتقبله مجتمع راق وحضاري، وهذا هو الاختلاف الذي نحن بصدده، وتم اختيار فكرة المقال لعرضه .. وحسبنا أن نذكر بهذا الاختلاف فقط، وإلا فإن الخير باق ولله الحمد في هذه الأمة، ولا يزال الكثير من أبناءها ممن يختلفون في الرأي، بينما قلوبهم يملأها المحبة والوفاء، والتسامح إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وبالعودة إلى (الفيسبوك) و (التويتر) فعلى الرغم مما تقدمه هذه التقنية العجيبة من سهولة التواصل بين الناس، وبطرح المواضيع المفيدة التي - كثير منها - تخدم المجتمع المسلم في شتى المجالات من ثقافة إسلامية، وعلوم تربوية وفقهية وإفتائية، وغيرها، يقوم عليها كوكبة من العلماء الأفاضل، وقادة تربويون ومدربون وأساتذة، في مجالات عدة، إلا أنها تعجز عن توصيل الرسالة كاملة وواضحة للمتلقين - في أغلب الأحيان - مما يسبب توسيع الهوة بين المرسل والمتلقي، ويعزز من تباعد وجهات النظر، وزيادة في الاختلاف في الآراء، والتي تتسبب في نوع من الفرقة بين المستخدمين لهذه التقنية، وبناء مواقف شخصية بها شيئ من التنافر ضد للآخرين، وربما يكون فيها نوع من المبالغة، بسبب عدم وضوح المقاصد، ووقوع أحد الأطراف في لبس وسوء فهم - عن حسن نية -.

■ يمكن إيجاز الأسباب التي تجعل هذه الخدمة التقنية سبباً في اختلاف مستخدميها في النقاط الآتية :
1- تنوع استخدامات اللغة ومدلولاتها واشتقاقاتها، والفهم لمفرداتها على أنحاء عدة، والتي يمكن أن تتسبب في تضليل القارئ وعدم تلقيه للمعلومة بشكل جلي وواضح، فينبني على ذلك فهم معين، يركم بدوره مواقف عدة تجاه الطرف الآخر.
2- خدمة (التويتر) على سبيل المثال : لا تتيح للكاتب أن يفصل فيما يريد أن يعرضه على القراء والمتلقين، حيث لا بد له أن يكتب عبارة مختصرة، ربما لا يوفق في اختيار الكلمات سهلة المعاني، والمباشرة، فيضيق ويحجر تارة، وربما يعمم ويوسع تارة أخرى فلا يتبين المقصد والمراد مما كتبه، فيتشتت ربما ذهن القارئ وتحيد الرسالة عن متلقيها.
3- لا يخفى على القارئ الكريم أن هذه الخدمة هي ليست من تصميم العرب والمسلمين، ولهذا دور كبير في عدم ملائمتها لطبيعة ثقافتهم، فعلى سبيل المثال : تفتقر اللغة الانجليزية إلى الصور البلاغية والاستخدامات المتعددة في التشبيه والتورية وغيرها، وأن كان بها النزر اليسير، إلا أنها بخلاف اللغة العربية الأصيلة التي تزخر بجماليات التصوير البلاغي العذب، ولهذا الجانب أهمية كبرى، فلا تحتاج اللغة الانجليزية مثلا إلى كبير جهد في اختيار الكلمات التي يراد استخدامها للتعبير عن موقف أو معلومة معينة، بينما يبحر الكاتب في اللغة العربية - إذا كان صاحب حس مرهف وتذوق فريد لجمال الكلمات وصورها البلاغية - في بحور الكلمات والمعاني المتعددة والمختلفة والمترادفات .. الخ.
4- بعض الصور والعبارات لا تكون واضحة المعنى للقارئ، حيث لابد له من سبر أغوار نفس الكاتب، وقراءة أفكاره وعقله، أملا في الوصول إلى قصده وبغيته من خلال عبارات مبهمة، وتصويرات خيالية، يقدمها الكاتب، قد لا يتسنى للقارئ متوسط الثقافة - ولا حتى عالي الثقافة أحياناً - فهمها وإدراك مغزاها. وربما تكون هناك أسباب أخرى لم يهتد لها كاتب المقال، إلا أنه يمكن أخذ المعنى العام مما سبق، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

■ ويضع الكاتب بعض الاقتراحات التي يأمل أن تسهم في الاستفادة من تلك التقنية بشكل أفضل وهي :
1- اختيار الكلمات الأكثر سهولة وبساطة وشيوعاً في الاستخدام، ومحاولة تحاشي الكلمات التي يصعب على القارئ فهمها، أو الكلمات التي تحمل على أكثر من وجه، ولا يتضح معناها بسهولة إلا في سياق مفصل، قد لا يستوعبه القارئ إلا من خلال نوع من التفصيل والإطناب.
2- إذا أراد الكاتب أن يستخدم كلمات بلاغية وصوراً تشبيهية، أو خيالية يمكن له ذلك،بشرط أن يعطي فرصة للقارئ للبحث عن المعاني المحتملة لما كتبه، بمعنى آخر أن يكون هناك تواصل بين الطرفين ليفيد كل طرف الآخر، فيحصل نوع من الألفة والمودة بينهما، وذلك هدف نبيل وغرض مفيد يمكن استغلاله من خلال التقنية المذكورة.
3- كذلك يقترح الكاتب أن تكون هناك قائمة لبعض الكلمات التي يمكن الاتفاق عليها بشكل رسمي وعام، من قبل جميع المستخدمين لخدمة (الفيسبوك) و (تويتر) وتتوفر بمعانيها الواضحة وجميع ترميزاتها، واشتقاقاتها وكل ما يختص بها - وهو اقتراح يمكن أن يساعد على تثقيف كل من القارئ والكاتب باللغة العربية الفصحى - ليكون هناك نوع من الارتقاء وحسن الاختيار للألفاظ والجمل.
4- بلا شك إن استخدام هذه التقنية بشكل حضاري، يمثل نوعاً من التميز والرقي في الفكر والثقافة، يمكن أن يعكس صورة إيجابية لغير المسلمين، ويمكن أن يكون دعوة لهم لاعتناق الإسلام، لما يرون له من صورة بهية مشرقة. وهذا ما تيسر تقديمه، والله من وراء القصد وهو ولي الأمر والتدبير.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :