• ×

08:50 صباحًا , الإثنين 3 صفر 1439 / 23 أكتوبر 2017

◄ وعي الأسرة وارتباطه بفعل التربية.
تعتبر الأسرة النواة الأولى للمجتمع، وفي ظل هذا التكوين الاجتماعي تنشأ علاقات متفاعلة بين الخلية الأم التي هي الأسرة والخلايا المنسجمة التركيب والتي هي المجتمع، هذا المجتمع الذي ينشأ لنفسه مؤسسات تبني التركيبة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لأفراده من هذا المنطلق، والبعد التحليلي، شرع المفكرون والتربويون والسياسيون، والاقتصاديون وكل الفعاليات التي تهتم بالشأن الاجتماعي، ساعية من خلال مشروعها المجتمعي إلى تبني المقاربات التي تدلل الصعوبات، وتختصر المسافات، سعياً لتطوير المجتمع وجعله يواكب التغييرات والتطورات التي يشهدها العالم. من الشعور المتسارع بالمسؤولية، والانتباه إلى المعيقات التي تمنع حدوث إصلاح مجتمعي حقيقي، على المشاريع التي أتت بها الوثائق الإطار والتي بلورتها مشاريع المخطط الاستعجالي تسعى إلى أهداف نبيلة عبر عنها جلالة الملك في الخطاب الأخير لعيد العرش .. كما أن الشعارات الذي حملتها وزارة التربية الوطنية حين اختارت في فترة ما كشعار لها "الأسرة والمدرسة معاً من أجل بناء الجودة".
إذا كانت الجودة في التعليم رافعة أساسية للانخراط في التنمية البشرية، فإن التفاعل بين العناصر التالية التي تعطينا فكرة واضحة كمسؤولين داخل أسرنا عن تدبر ووعي بالتعامل مع مكونات العملية التعليمية التعلمية، والقدوة التي ننالها من خلال الوقوف عن المكونات، وتتبع طرق العمل للوقوف واستشعار التعثرات، ورسم الإستراتيجيات لدعمها.

■ الأهمية التي تمتاز بها الأسرة في دورها التربوي الذي تضطلع به ضمن سلك التعليم الأولي، والذي يمكن إجماله في العناصر التالية :
1 - كون المؤسسات التربوية ومدرسة التعليم الأولي بصفة خاصة، لا زالت لم تستوعب الأدوار التي تتطلبها عملية التربية والتعليم، سواء من على المستوى الكمي، أي عدم قدرتها على تعميم خدماتها على جميع العناصر البشرية المستحقة لذلك، أو على مستوى الكيف، وفي هذه الحالة أشير إلى عجز المؤسسات التربوية المذكورة عن اتباعها لأسلوب تربوي متكامل دون طغيان جانب على الآخر (مثلاً : مشكلة غلبة الجانب المعرفي في المدرسة دون اعتماد الجانب البنائي للتعلمات الأساس)، وتأسيساً على كل ما سبق تبرز الأهمية والوزن الاجتماعي (وبالتالي التربوي) للأسرة العربية التي تكون مضطرة إلى سده بالإمكانيات المتوفرة لدينا، وهي غالباً ما تكون إمكانيات تقليدية، وهكذا يصح لنا أن نتحدث عن تعدد وظائف الأسرة اقتصادياً وتربوياً وصحياً .. إلخ.
2- إن بعض المؤسسات الاجتماعية التي من المطروح علينا - بحكم كونها وليدة العصرنة والتي عرفها المجتمع العربي بشكل فجائي - أن تساهم في تجديد بنيان الأسرة، خاصة على مستوى نوعية الأفكار السائدة داخل هذه المؤسسا ت والتي لم تؤثر في البنية التقليدية للمجتمع ، ولم تطورها حيث أنها مددت ما هو تقليدي وفي حكم المتجاوز من هذه الأفكار وضمته إلى حظيرتها، مما لم يمكنها من امتصاص معنى الأدوار الموكلة إلى الأسرة تقليديا، وهذا دليل على طغيان نفوذ الأسرة داخل هذه المؤسسات نفسها بدل حصول العكس، أي التفاعل مع المستجدات، بشكل إيجابي قد لا يغير من خصوصية هويتها، بل يعززه ويطوره.

● محاولة رصد وتقويم الأساليب التربوية السائدة داخل الأسرة العربية :
في هذه النقطة سنحاول أن نستعرض جملة من الأساليب التربوية السائدة داخل الأسرة العربية، والتي هي ذات طابع سلبي وفي الوقت نفسه، سنقدم تصورات لطرق علاجها، وبالتالي الخروج بالأوجه الإيجابية لهذه الأساليب.
قبل ذلك لأبد من الحديث عن المراحل السيكولوجية التي تتطلبها عملية التربية، واهتماماً بضرورة معرفة سماتها وخصائصها، لأبد من اعتماد المقاربة السيكونمائية لتسليط الضوء على كل مرحلة على حدة :
♦ المرحلة الجنينية :
لا شك أن الجنين في حاجة إلى رعاية خاصة من ناحية التغذية، والمراقبة الطبية، والعناية بالمحيط الاجتماعي والفيزيائي الخارجي الذي يحيط بالجنين، ولا نحتاج إلى إقامة الدليل على الغياب النسبي لهذه العناية المتعددة الجوانب داخل الأسرة العربية، قد يرجع ذلك أحياناً إلى ظروف ذاتية، متعلقة بالجهل مثلاً حتى بعض الفئات المثقفة لم يحصل لها وعي بالسلوك الإيجابي في التنشئة، كما أن وضعها ليس في منأى عن تلك التي تعاني إكراهات موضوعية واقتصادية بالخصوص، وتبقى محط تساؤلات جوهرية.

♦ مرحلة الطفولة المبكرة :
هناك منعطفات هامة في مجال التنشئة، إذا لم نتعامل معها بعناية خاصة ،فإنها ستؤدي لا محالة إلى نتائج سلبية بالنسبة للحياة النفسية للطفل، ونخص بالذكر هنا مسألة الفطام الذي غالباً ما يتم في الأسرة العربية بصورة مفاجئة بدل أن يكون تدريجياً، ومن الظواهر اللافتة كذلك، حالة التبول اللا إرادي التي كثيراً ما تواجه بالقمع والزجر المبالغ فيهما، ومن الثابت علمياً، بأن هذا النوع من المواجهة تعود بنتائج سلبية على مستوى تكوين البنيات السيكولوجية والنفسية للطفل، بل وتترك آثارا سلبية تصاحب الطفل طول حياته.
وعموماً يلاحظ بأن عملية الامتصاص التي يحتاج إليها الطفل في هذه المرحلة، غالباً ما تواجه بالقمع هي كذلك. ولا نحتاج من الناحية العلمية إلى تقديم كل الأدلة على ضرورة إشباع هذه الحاجة لدى الطفل، وإلا ترتب عن ذلك نتائج سلبية قد تلازمه حتى في المرحلة المتقدمة من عمره.
إن تسليط الضوء على مرحلة الطفولة المبكرة، هو من قبيل الخصوصية والأهمية التي تحظى بها، سواء على المستوى النمائي الذي يتطلب تغذية متوازنة وغنية، بما يكسب الطفل القوة والنمو المنسجم مع طبيعة مرحلته، هذا من الناحية البيولوجية للنمو، أما الناحية العاطفية فلها أهمية مصاحبة، حيث تستدعي المرحلة إبعاد كل ما يعكر صفاء نفسية الطفل، وتوفير إشباع عاطفي له.
فينعكس هذا الاستقرار على سلوكه وتصرفاته. غير أنه في حالة تعدد الأطفال داخل الأسر، دونما تباعد بين أطفالها، وهذا ما يحدث داخل الأوساط المغربية، نظراً لانعدام الثقافة الإنجابية، ولتفشي الأمية، وسيادة العقلية الخرافية. إلى جانب الجهل بأ بسط مبادئ التربية والتنشئة الأسرية والاجتماعية. فعادة ما نلاحظ تمييزاً بين هؤلاء الأطفال، والذي قد يمس أحياناً الصغار منهم لحساب الطفل الأكبر، أو يمس الإناث على حساب الذكور ولعل من أبرز نتائج هذا التمييز إشعار الأطفال الذين يقعون ضحيته بمركب النقص، باعتبارهم أبناء من الدرجة الثانية، وقد يقع هذا التمييز في كثير من الحالات بين الأطفال والراشدين، وخصوصاً في المناسبات التي لا تجهل أهميتها في تفتيح شخصية الطفل على المستوى الاجتماعي والفكري بالخصوص.
وسرد عام لمثل هذه السلبيات قمين في إطار انفتاح الأسرة على التعليم الأولي، ومد جسور الوعي والتقويم الشامل للسلوكات التي ينبغي على الأسرة العمل على نهجها في عملية التنشئة، وبناء الإنسان، والحقيقة أن الطفل في حاجة دائمة إلى أن يتواجد مع الراشد، لأنه من الصحيح القول بأن الطفل يقتدي بسلوك الراشد، وينظر للراشد كنموذج ينبغي الاقتداء به، ولعل السبب في كثير من أنواع الانحراف والضغط لذى الأطفال إنما هو راجع إلى غياب النماذج الراشدة داخل أسرهم، مما يضطرهم حينئذ إلى التماسها في الشارع، إلا أن ذلك لا يعني عدم إعطاء الطفل استقلاليته من حيث اللعب الذي هو نشاط ضروري بالنسبة له ومن حيث توفره على أشيائه الخاصة لإشعاره بقيمة أناه، ولإشباع قيمة أناه ولإشباع غريزة الامتلاك لديه. وكل ذلك من شأنه أيضاً أن يجعل الطفل يشعر بالمسؤولية داخل الأسرة.
هذه جوانب من السيكولوجية المعقدة للطفل في مرحلة الطفولة المبكرة وما قبل ولوج المدرسة الأولية، وسوف أخصص البحث في الفقرة الموالية على المرحلة الأولى للتمدرس، لما لها من أهمية، فما هي الخصوصيات التي تتفرد بها ؟
كما سيتبعها تحليل مستفيض يطور التصورات التي ينبغي أن تصحح لذا الآباء والأمهات حول بعض الحلول الناجعة والمصاحبة لتمدرس الطفل بمرحلة التعليم الأولي، لنصل إلى ثقافة تربوية متكاملة.
لنقم بتسليط الضوء والتركيز على المرحلة الجنينية، ومرحلة الطفولة المبكرة التي تعرف تدرجاً على مستوى النمو، الذي يجتازه الطفل، فهذه المرحلة التي تبدأ مع السنة الثانية وتمتد إلى السادسة أو الثامنة، ويسميها المختصون بمرحلة (ما قبل عملياتي) أي قبل العمليات المشخصة. هذه المرحلة التي تشهد تطوراً في النمو العقلي للطفل، وهذه الوظيفة رمزية هي "اللغة" وهذه اللغة نسق من إشارات مجتمعية بالتقابل مع الرموز التي هي فردية، وتمثل هذه الرموز (أشياء ترمز إلى غيرها، كجعل المكنسة حصاناً مثلاً) فبظهورها تجعل التفكير ممكنا. إذا فالانتقال الذي تعرفه حياة الطفل في هذه المرحلة لا يمكن أن يستبطن الأفعال التعلمية بشكل واع، نظراً لما لخصوصية مرحلته النمائية من تدرج، فالأفعال التي تمكن الطفل من بعض النتائج على مستوى الممارسة المادية، وبطبيعة لا يمكن تفسيرها لأنها مجموعة من التمثلات، والانفعالات الاجتماعية والتي ينخرط فيها الطفل وبكيفية مباشرة. وأن الأمر يتعلق بإعادة التعلم على مستوى العمل، وهو في الحقيقة مؤشر يعلن بداية هيكلة مرحلة جديدة للبنية السيكولوجية، تتميز بإعادة بناء يتطلب فارقاً زمنياً مهماً وهائلاً.
إذا فهذه المرحلة جديرة بالانتباه، والتتبع من طرف الآباء، كي يسهلوا مرحلة نمو أبنهم بشكل طبيعي، ويحاولوا إغنائها بما يوطد النمو النفسي والذهني، والاجتماعي، والحس حركي لأنها تستدعي المرافقة والمصاحبة وحسن التصرف حتى ينعم طفل التعليم الأولي بتناغم وتجاوب مع الحاجيات، والفضاءات والوسائل المسخرة، لمجالات متكاملة ومترابطة، وإذا ما تعثر منها جانب، تخلفت وتعثرت عملية التنشئة والتربية.
ولنسق بعض الظواهر السلبية التي توضح الفكرة فظاهرة الطفل المدلل، والتي كثيراً ما نصادفها في أوساط العائلات المغربية، خاصة في مستوى التعليم الأولي، قد تكون هذه الظاهرة إما عن غير وعي تربوي، أو بالعكس عن شعور مبالغ فيه، وهذا ما عبر عنه بعض رجالات التربية، "بعقدة الخوف من العقد" أي أن الأب أو الأم من فرط حرصهما على القواعد التربوية السليمة يترك لطفله كامل الحرية في التصرف وتلبية الطلبات المتكررة، إلا أن هذا سيجعل الطفل يبدي سلوكاً يفقد روح المسؤولية والتوازن خارج مجتمع الأسرة. وهناك مبدأ تربوي يقول : (إذا لبيت جميع رغبات الطفل داخل الأسرة، فإن المجتمع الخارجي لا شك سيكبح كثيراً منها) وهذه هي الطامة الكبرى بالنسبة للطفل. فحب الوالدين لأبنائهم شيء طبيعي، ومطلوب لأن "الطفل الذي لا يحب سوف لن يحب في المستقبل" وكثيراً ما نجد بعض الأوساط الأسرية تعتقد أن الإفصاح عن حبنا لطفلنا معناه الدخول معه في علاقة غير جدية، والحقيقة أنه من الضروري أن تمزج داخل الأسرة بين الجد والهزل، وأن نعلم الطفل كيف يحترم حدود الجانبين، فالصرامة شيء ضروري بالنسبة للطفل تماماً كحاجته للحب، ولذا فإن الحب بدون صرامة معناه عدم توفير السند النموذجي القوي الذي نجد الطفل في حاجة إليه، لقد قلنا سابقاً بأن الطفل تابع بطبعه، وهكذا يجب أن لا نتنازل للطفل إذا كانت رغبته غير معقولة، كما يجب ألا ندافع عنه وهو مذنب، لكن ينبغي أيضاً ألا نظلم الطفل، وألا نحرمه من تلبية رغباته المعقولة.

● احترام حب الاستطلاع عند الطفل :
نحن نعلم أن حب الاستطلاع من خصائص الطفولة وكثيراً ما نلاحظ في بعض الأوساط الأسرية، ازدراء لهذه الخاصية، وهكذا تتراوح التصرفات غير التربوية في هذا المجال بين القمع المباشر لأسئلة الطفل وبين تزويد الطفل بالأجوبة الخاطئة عن قصد. وهناك من يعتبر هذه الخاصية مجرد عبث لدى الأطفال يجب القضاء عليها لأنها تنافي الآداب الاجتماعية التي تقتضي التزام الصمت والحشمة .. إلخ، وهذا هو عين الخلط لأن الطفل الذي لا يسأل هو طفل غير طبيعي، والأسلوب التربوي السليم لمواجهة أسئلة الطفل هو الجواب عليها بكل صراحة، وبساطة واقتضاب كذلك، لأنه ليس من الضروري أن نحلل ونصنف في أجوبتنا، وفي حالة ما إذا أتعبتنا أسئلة الطفل من المستحسن أن نواجهها بأسئلة أخرى، أي تكون أجوبتها هذه المرة عبارة عن أسئلة، وفي هذا تغيير سليم لمجرى حب الاستطلاع لدى الطفل، ولا يمكن أن نفصل احترام حب استطلاع الطفل عن احترام شخصه لذلك فإن النتيجة الحتمية للمواجهة السلبية المستمرة لأسئلة الطفل هي شعوره باحتقاره الذات وإحجامه عن التساؤل، حتى يغدو متعثراً في الإندماج ضمن التجمعات والاختلاط بالأتراب والأنداد، فهذا الكف أو النكوص يعدان من الحالات الكثيرة التي قد لا تنتبه إليها الأسرة على مستوى المرحلة.
وباعتماد المقاربة التشاركية، أو بقليل من التفاهم وإتاحة الفرصة للطفل نصل إلى طفل سوي يمتلك كفايات تواصلية، وكذلك استراتيجية، تسهل عليه الاندماج في الجماعة، والتفاعل مع ظروفها، وشخوصها، وصولاً لجني وامتلاك قدرات عليا في التواصل وتسهيلاً لبلوغ كفايات معرفية أساسية.
إذا ما كتفنا الصلة بالمدرسة، أي على مستوى التعليم الأولي فإننا نشعر المتعلم أنه محط عناية وتتبع، وهذا الإحساس سيرافقه نوع من التوافق التعليمي، كما أن التواصل المستمر مع المربية، والحضور للأنشطة الفنية التي يشارك فيها المتعلم، قد يحفزه على الاستقرار النفسي، والمتعة بالحياة المدرسية وشعوره بأنه محط عناية الجميع، مع تشجيعه على المبادرة الإيجابية في كل سلوك.
للآباء سلطة على الأبناء ينبغي ألا تصل إلى مستوى الجهر بها أمام الناس، وأمام الأنداد والأتراب. وفي حالة ما اعتمد الجانب السلبي في التواصل مع الطفل فإن العقاب الذي يلتجأ إليه الآباء قد تترتب عنه عواقب وخيمة، لها آثار وخيمة على مستقبل الطفل وهذا موضوع شائك، ويترك العديد من النتائج السلبية التي يجني ثمارها الطفل لوحده طيلة حياته، ولا يمكنه التجرد منها إلا باتباع مسار علاجي، يكلفه الكثير من العناء، هذا إن استطاع أن يصل إلى هذا المسار. وحري بالمجتمع المغربي أن يبتعد وينأى بأبنائه نحو تربية ومسار وتنشئة سليمة. ولبلوغ مؤشرات التحقيق الإيجابي للتربية لأبد من اعتماد مقاربات تربوية ذات مرجعيات لا تختلف وخصوصية المجتمع، كما أنها تنهض بالبنيات الأساسية التي تطور الجوانب السوسيولوجية في تقاطعها مع كل المجالات الأخرى.
 0  0  4276
۞ إيضاح تقني : في خانة (أضف تعليق) الأحرف المتاحة أكثر من (1000) حرف // أما في خانة (الرد على زائر) في حدود (100) حرف فقط.
التعليقات ( 0 )