• ×

12:16 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

◄ في مدخل كلية الطب بجامعة أدنبره, تمثال نصفي لأحد كبار أطباء العيون الذين كانوا يعملون بالجامعة, كتب تحته :«لا تعتمد إلا على نفسك».
وقد جرت تقاليد الجامعة, أن تكون قصة صاحب هذا التمثال, موضوع المحاضرة الأولى لطلبة الكلية, والذي حدث أن هذا الطبيب دخل يومًا غرفة العمليات كي يستأصل عين مريضٍ شاب, كان قد تقرر استئصالها, وأشارت الممرضة المعاونة, إلى العين السليمة, على أنها العين المراد استئصالها, فقام الطبيب بنزعها معتمدًا على قرار الممرضة, وإذا به يفاجأ عند فحص العين بعد نزعها, بأنها العين السليمة !
أسرع الطبيب إلى مغادرة الكلية, وتوجه إلى عيادته الخاصّة, وأغلق بابها خلفه, ثمّ أخرج من درج مكتبه ورقةً كتب فيها : « لقد تسببت في فقدان بصر شاب في مقتبل العمر, لأنني اعتمدت على توجيه الممرضة, ولن يخلص ضميري من العذاب سوى الانتحار .. وعزائي أن تجعل الجامعة من قصتي درسًا لغيري من الأطباء, كي لا يعتمدوا إلاّ على أنفسهم.
نقل هذه القصة الأستاذ حسن الظاهري, وعلق عليها بسؤال كبير فحواه يتشكل ألمًا, يقول : كيف لو فكّر كل طبيبٍ بمعاقبة نفسه ؟
تفاقمت الأسئلة حد الورم بسبب الأخطاء الطبيّة, التي شبت عن الطوق, بلا عذرٍ موضوعيّ سوى فطرة الخطأ والنسيان, وهي لا تحمد في الأمور كلها أو هكذا يفترض لها.
الكثير من الأخطاء الطبيّة نزعت السعادة من حياة البشر ـ ولا أريد سرد قائمة الضحايا الآخذة في النمو والزيادة ـ الكثير منها حوّل معيشةً رخيّة مطمئنةً إلى بؤسٍ وعناءٍ ووجعٍ سرمديّ, الكثير منها فتح باب الاستهتار على مصراعيه, حيث يكون التماس العذر ضيقًا حرجًا كأنما يصّعد إلى السماء. نعم نؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره, لكن التساهل بالأرواح لابدّ أن يقابل بصرامةٍ واهتمامٍ وضبط. كلّ إنسانٍ معرضٌ لبوادر الخطأ والنسيان, لكن احتياطات الطب الواجبة, لو قامت حقّ القيام, بعزيمةٍ مصمّمةٍ, وعيونٍ يقظة منتبهة لا تغفل؛ لجبّت هذا الإسراف والتهاون في أرواح خلق الله أجمعين. الأطباء أنفسهم ـ إلاّ من رحم ربي ـ حينما يتنامى خبر الخطأ الطبيّ, يسلّمون بأمر الاعتياد الغير مقصود, متناسين عزاءً طويلاً سوف ينتصب كالحق المبين !
بالأمس القريب, كنت في مراجعةٍ لوالدي ـ شفاه الله ـ في مستشفى الملك فهد بجدة, وفي انتظار الدخول إلى الطبيب الاستشاريّ, كان بجوار مقعدي, شابٌ عربيّ هيئته تدل التعب, وعمره لا يكاد يتجاوز الثلاثين، يحمل فوق أذنيه سماعات طبيّة مركّزة. قال لي والده : أجرينا له عملية في الأمعاء, وكان أن استأصل الطبيب جزءًا أثّر على الجهاز التناسليّ, ممّا اضطره لاستخدام دواءً قويًا, أفضى إلى فقد سمعه فجأة !
يقول كامبل في كتابه (الطبّ العربيّ) : «إنّ الملك ثيودور, وهو من ملوك القوط الغربيين, أصدر أمرًا, بأنه إذا توفي مريضٌ, بسبب عمليةٍ جراحية, سلّم الطبيب ـ الذي أجراها ـ إلى أهل المتوفى, ولهم (مطلق الحريّة) في أن يفعلوا به مايشاؤون؛ إن قتلاً أو استرقاقًا مدى الحياة».

 4  0  2320
التعليقات ( 4 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1431-05-23 11:22 صباحًا إدارة منهل الثقافة التربوية :
    الأخ الفاضل الأستاذ : فوزي
    بالأمس القريب, كنت في مراجعةٍ لوالدي ـ شفاه الله ـ في مستشفى الملك فهد بجدة ..
    لا نملك إلا الدعاء بشفاء الوالد .. وأن يجمع الله له بين الأجر والعافية ..
    جل التقدير لشخصكم الكريم .
  • #2
    1431-05-23 01:37 مساءً فهد عبيد القثامي :
    الأخطاء الطبية كثيرة حدّث ولا حرج ........ ولكن هنا سؤال يطرح نفسه أخي فوزي
    * هل لو كانت هناك عقوبات صارمة هل ترى مثل هذي الأخطاء ؟!!!!!!!

    اللهم أشفي والدي سعد المطرفي وألبسه ثياب الصحة والعافية .
    وافر التحية والتقدير ،،،،،،،،
  • #3
    1431-05-30 11:35 مساءً صالح المطرفي :
    يحتار المرء فينا إذا ما أراد الكشف عن الطبيب الأمثل فتنهال عليه التوجيهات من هنا وهناك كلا حسب خبرته أو سماعه 00
    وأحيانا يصيب تشخيص ويخطيء مع الآخر ولكون حياة الإنسان لا تحتمل التجارب يكون الخطأ كارثة والدخول لعالم الطب لا ينبغي لأي إنسان بل لابد أن يكون حكرا على متميز المتميزين ومن المؤسف ما نقرأه حاليا عن اكتشاف مجموعة من الأطباء لا يحملون شهادة طبية صحيحة والضحية نحن فاللهم سلم
    وسلامة والدك يا أستاذ فوزي الأديب
  • #4
    1431-06-08 05:26 مساءً ماجد العميري :
    الاستاذ فوزي
    كعادتك تصيب الهدف فالأخطاء الطبية أصبحت تشكل هاجسا لكل مريض يرتاد المستشفى..

    شكر خاص لتلك الانامل
    ماجد عبد الله العميري

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:16 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.