• ×

05:24 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ قال تعالى : (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (العنكبوت 001 - 003).
وَروى الإمام أحمد في مسنده عَنْ سَعْدٍ بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ فَقَالَ : (الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ رَقِيقَ الدِّينِ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ ذَاكَ وَإِنْ كَانَ صُلْبَ الدِّينِ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ ذَاكَ قَالَ فَمَا تَزَالُ الْبَلَايَا بِالرَّجُلِ حَتَّى يَمْشِيَ فِي الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ).

منذ زمنٍ وأنا أقدم رجلاً وأخر أخرى في فتح ملف إمام أهل السنة أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى، لا لشيء إلا لمعرفتي بنفسي من قلة بضاعتي وضعفي وتقصيري في إعطاء هذا الموضوع حقه من الكلام هذا جانب.
وجانب آخر، هو أنني كلما تأملت في قصة هذا الإمام وقلبت كتب التاريخ تحتار من أي جانب من جوانب هذا الرجل تتحدث، فهل تتحدث عن صفاته وأخلاقه وتعامله مع الناس، أم تتحدث عن علمه وتعليمه وبذل كل حياته في سبيل الله، أم تتحدث عن دعوته وجهاده، وقيامه في وجوه المبتدعة، أم تتحدث عن تلك المدرسة الفقهية التي أسسها، وأرسى قواعدها ووضع أصولها ومناهجها، فجاء الأصحاب من بعده فأخذوا عنه ونشروه في أقطار المعمورة، حتى صار مذهبه من المذاهب المعتبرة التي تتبناها دول، فضلاً عن أفراد أو مجتمعات، أم نتحدث عن تلك المحنة، محنة خلق القرآن، والتي دخلها الإمام وخرج منها أنقى وأصفى من الذهب، أم نتحدث عن أولئك العلماء الذين وقفوا في وجه الإمام أحمد، حسداً وبغضاً حتى ألبوا عليه الولاة، فماذا كانت نهاية كل واحد منهم بعينه، فكم في نهايتهم عبر لأولئك العلماء الذين يقفون في أوجه علماء حسداً وكراهة والله المستعان إلى غيرها من الجوانب الكثيرة في حياة هذا الإمام.
فهذه الخطبة فاتحة أولى أوراق ذلك الملف والذي أسأل الله جل وتعالى الإعانة على إكماله وإعطائه حقه، وتتبعه إن شاء الله خطبةٌ أو خطبتينِ بحسب ما ييسر المولى جل وعلا.
وأود في هذه الجمعة أن أقف معكم مع سيرة علم من أعلام المسلمين من الذين حفظ الله عز وجل على يديه هذا الدين، وهو إمام أهل السنة أبو عبدالله أحمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي، ولد الإمام أحمد رحمه الله تعالى في ربيع الأول على المشهور سنة أربعٍ وستينَ ومائة في بغداد، وتوفي أبوه وهو ابن ثلاثِ سنين فكفلته أمه وقامت على تربيته، صفية بنت ميمونة بن عبدالملك الشيباني.
نشأ الإمام ببغداد، وتربى فيها تربيته الأولى، وقد كانت بغداد إذ ذاك تموج بالناس الذين اختلفت مشاربهم، وتخالفت مآربهم، وزخرت بأنواع العلوم معارفهم ففيها القراء، والمحدثون، وعلماء اللغة، وغيرهم، فقد كانت حاضرة العالم الإسلامي حتى إذا حفظ القرآن وعلم اللغة، اتجه إلى الديوان ليتمرن على التحرير والكتابة شب الإمام أحمد على هذا واستمر في طلب العلم بعزم صادق، وأمه تشجعه على ذلك وترشده ولما بلغ سن السادسة عشرة من عمره اتجه إلى كتابة الحديث وكان أول من تلقى عنه علم الحديث القاضي أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة واستمر الإمام أحمد في بغداد يأخذ عن شيوخ الحديث حتى رحل إلى البصرة ثم الحجاز ثم اليمن في طلب العلم .. وقال عنه الشافعي رحمه الله خرجت من بغداد ما خلفت بها أحداً أورع ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل، ولم يزل على ذلك مكباً على الحديث والإفتاء وما فيه نفع المسلمين، والتف حوله أصحابه يأخذون عنه الحديث والفقه وغيرهما، وألف المسند في مدة ستين سنة تقريباً.
وروى البيهقي أن رجلاً جاء إلى الإمام أحمد فقال : إنَّ أمي زمنةٌ مقعدةٌ منذ عشرينَ سنةٍ، وقد بعثتني إليكَ لتدعوا لها، فكأنه غضب من ذلك وقال : نحن أحوج أن تدعو هي لنا من أن ندعو لها ثم دعا الله عز وجل لها، فرجع الرجل إلى أمه فدق الباب فخرجت إليه على رجليها وقالت : قد وهبني الله العافية.
لقد كانت حياة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى حياة زهد وقناعة، وكان على منهج السلف الصالح فلم يقبل هدايا الخلفاء، وكان يأكل من عمل يده، وإذا وجد خصاصة كان يؤجر نفسه للحمل في الطريق - وهو إمام المسلمين يومئذ -.
وكان مع هذه الزهادة وخصاصة العيش، جواد النفس، وكان يقول : (يؤكل الطعام بثلاث، مع الإخوان بالسرور، ومع الفقراء بالإيثار، ومع أبناء الدنيا بالمروءة)، ومن أقواله أيضاً (لو أن الدنيا، تقل حتى تكون في مقدار لقمة، ثم أخذها امرؤ مسلم، فوضعها في فم أخيه المسلم، ما كان مسرفاً).
وكان كثير العفو عمن يسيء إليه أغلظ له رجلٌ الكلام، وتركه مغاضباً، ثم عاد إليه نادماً، وقال له معتذراً : يا أبا عبدالله إن الذي كان مني على غير تعمد، فأنا أحب أن تجعلني في حل فقال الإمام أحمد : (مازالت قدماي من مكانها حتى جعلتك في حل).
وقد وضع الله له القبول في قلوب العباد، وطار ذكره في الآفاق، ودعا له المسلمون وتقربوا بحبه إلى الله، وهو يخاف على نفسه من الاستدراج، وكان مع هذا التواضع مهيباً وقوراً، وكان الناس مدفوعين إلى إجلاله، يقول أحد معاصريه : دخلت على إسحاق بن إبراهيم، نائب بغداد، وفلان وفلان من السلاطين، فما رأيت أهيب من أحمد بن حنبل لقد كان الإمام أحمد رجلاً طوالاً رقيقاً أسمر اللون كثير التواضع رحمه الله.
أما فتنة القول بخلق القرآن، تلك الفتنة التي ابتليت بها الأمة في عصر الإمام أحمد في زمن الخليفة المأمون فقد حفظ الله عز وجل دينه من دخول العقائد الفاسدة عليه، على يد هذا الإمام الجليل.
ظهرت بعض الفرق الضالة زمن الإمام أحمد، وبدأوا في نشر عقائدهم الفاسدة بين الناس، ومن بين هذه الفرق (المعتزلة)، الذين يعتقدون بخلق القرآن، وهو قولهم بأن القرآن مخلوق، ومن قال بهذا يا عباد الله، فإنما قال بقول كفري، لأن القرآن كلام الله عز وجل ولا يجوز أن نعتقد بأنه مخلوق، ولكن المعتزلة استطاعوا أن يصلوا إلى الخليفة، فأقنعوا المأمون بهذه العقيدة، حتى اعتقدها وألزم الناس بها، فتصدى لهذا التيار الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وابتلى في هذه المحنة، ولاقى ما لاقى من العذاب صابراً محتسباً، مدافعاً عن عقيدة أهل السنة والجماعة.
فلما تولى المأمون الخلافة وكان يميل إلى المعتزلة ويقربهم، وكان أستاذه أبو الهذيل العلاف من زعماء المعتزلة، وكذلك قاضيه، أحمد بن أبي دؤاد، وبعد أن اعتنق المأمون هذه العقيدة الفاسدة وهي القول بخلق القرآن، تردد هل يلزم الناس بها أو لا يلزم، لأنه بقى عدد من العلماء والمشايخ على عقيدة أهل السنة والجماعة، وخاف من الفتنة، فأشار عليه ابن أبي دؤاد وجلساء السوء بإظهار القول بخلق القرآن، وإلزام الناس به، خصوصاً العلماء والقضاة والمفتين، وعندها كتب المأمون إلى واليه على بغداد إسحاق بن إبراهيم أن يجمع من بحضرته من القضاة والعلماء، ويلزمهم بالقول بخلق القرآن ومن أبى حبسه أو عزله أو قتله، وقد حُبس وعذب وقتل في هذه المحنة خلائق لا يحصون، وصارت هذه المحنة هي الشغل الشاغل للدولةِ والناس، خاصتهم وعامتهم، وأصبحت حديث مجالسهم، وأنديتهم وحاضرتهم وباديتهم، في العراق وغيره، كل هذا بسبب ما أدخله المأمون على الناس من هذه العقيدة الفاسدة، والله حسيبه، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أظن أن الله تعالى يغفل عن المأمون على ما أدخل على المسلمين.
وثبت في بادئ الأمر في بغداد، أربعة من العلماء، الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، واثنان آخران ما لبثا أن تراجعا وقالا مثل ما قال الناس، وبقي الإمام أحمد ومحمد بن نوح.
ثم بعد ذلك أمر المأمون أن يحمل له الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فأُرسلا مقيدين على بعير واحد، فأما محمد بن نوح فمات في أثناء الطريق قبل أن يصل إلى طرسوس، حيث مقر الخليفة المأمون، وبقي الإمام أحمد بن حنبل فدعا الله عز وجل في أثناء الطريق أن لا يريه المأمون، وأن لا يجتمع به، فاستجاب الله عز وجل دعاء الإمام أحمد، فمات المأمون قبل أن يصل إليه الإمام أحمد.
ويروى في كتب التاريخ أنه قبل وصول الإمام أحمد إلى طرسوس، جاءه خادمٌ من قبل المأمون في الطريق وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول : يعز عليَّ يا أبا عبدالله أن المأمون قد سلَّ سيفاً لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لم تجبه إلى القولِ بخلق القرآن ليقتلنك فجثا الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال : سيدي غرَّ حِلمكَ هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوقٍ فاكفنا مؤنته فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل فأعيد الإمام أحمد إلى السجن مرة أخرى ثم تولى الخلافة بعد المأمون المعتصم، وكان المأمون قد أوصاه بتقريب ابن أبي دؤاد، والاستمرار بالقول بخلق القرآن، وأخذ الناس بذلك، وكان الإمام أحمد في السجن، فاستحضره المعتصم من السجن، وعقد له مجلساً مع ابن أبي دؤاد وغيره من علماء المعتزلة، وجلسوا يناقشونه في خلق القرآن، والإمام أحمد يستدل عليهم بالنصوص الواردة، ويقول لهم : أعطوني دليلاً من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وانفض المجلس ذلك اليوم دون شيء، وأمر المعتصم برده إلى السجن، وفي اليوم التالي أُحضر من السجن وعُقد المجلس، وكان موقفه رائعاً جليلاً كموقفه في الأمس، ورغم المحاولات والمناقشات، صمم الإمام أحمد على كلامه، وفشل القوم كفشلهم بالأمس، وانفض الاجتماع ورُد الإمام أحمد إلى السجن، وفي اليوم الثالث أعيد انعقاد المجلس، وأُحضر الإمام أحمد من السجن، وأعيدت المناقشة، وكان المعتصم عند عقد مجلس المناظرة، قد بسط بمجلسه بساطاً، ونصب كرسياً جلس عليه، وازدحم الناس إذ ذاك كازدحامهم أيام الأعياد وكان مما دار بينهم أن قال للإمام أحمد ما تقول في القرآن فقال كلام الله غير مخلوق قال الله تعالى : (وإن أحد من المشؤكين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) (التوبة : 6) قال هل عندك حجة غير هذا ؟ قال نعم، قول الله تعالى : (الرحمن علم القرآن) ولم يقل : خلق القرآن وقال تعالى : (يس والقرآن الحكيم) ولم يقل والقرآن المخلوق.
فقال المعتصم : أعيدوه للحبس وتفرقوا، فلما كان من الغد، جلس المعتصم مجلسه ذلك وقال : هاتوا أحمد بن حنبل فاجتمع الناس، وسمعت لهم ضجة ببغداد، فلما جيء به وقف بين يديه، والسيوف قد جردت، والرماح قد ركزت، والأتراس قد نصبت، والسياط قد طرحت، فسأله المعتصم، عما تقول بالقرآن، قال أقول غير مخلوق، واستدل بقوله تعالى : ولكن حق القول مني قال فإن يكن القول من الله تعالى، فإن القرآن كلام الله، وأحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة، فناظروه بحضرته ثلاثة أيام، وهو يناظرهم ويظهر عليهم بالحجج القاطعة ويقول أعطوني دليلاً من كتاب الله أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المعتصم قَهَرَنا أحمد، وتحدث الوشاة عنده من علماء المعتزلة أنه قد غلب خليفتين فأخذته العزة بالإثم فشتمه وهدده بالقتل فقال الإمام أحمد : يا أمير المؤمنين : إن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول : (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ) فبم تستحل دمي وأنا لم آت شيئاً من هذا يا أمير المؤمنين ؟! تذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل، كوقوفي بين يديك، فلما رأى المعتصم ثبوت الإمام أحمد وتصميمه لان، وقال له : يا أحمد أجبني إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي وممن يطأ بساطي فقال الإمام : يأتوني بآيةٍ من كتاب الله أو سنة عن رسول الله حتى أجيبهم فخشى ابن أبي دؤاد من رأفته عليه ، فقال : أقتله يا أمير المؤمنين ودمه في عنقي، إن تركته قِيل إنك تركت مذهب المأمون، أو أن يقال : غلب خليفتين فهاجه ذلك ثم أعيد إلى السجن مرة أخرى وأُخرج في رمضان وهو صائم وجعلوا والعياذ بالله يضربونه وأتى المعتصم بجلادين كلما ضرب أحدهم الإمام أحمد سوطين تأخر وتقدم الآخر، والمعتصم يحرضهم على التشديد في الضرب، وهو يقول شدوا عليه قطع الله أيديكم، ثم نزل المعتصم من كرسيه وجاء للإمام أحمد، وهو يقول له قل بما قلت لك بأن القرآن مخلوق فيقول الإمام أحمد : أعطوني دليلاً من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به.
بعد ذلك جردوه من ثيابه رحمه الله تعالى، ولم يبق عليه إلا إزاره، وصاروا يضربونه حتى يغمى عليه، فيفيق، ثم يعاد عليه الكرة يقول الإمام أحمد : فذهب عقلي عند ذلك، فلم أفق إلا وقد أفرج عني، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر فصليت فقالوا صليت والدم يسيل منك، فقلت قد صلى عمر رضي الله عنه وجرحه يثعب دماً، ثم نُقل بعد ذلك إلى بيته، وهو لا يقدر على السير من شدة ما نزل به رحمه الله تعالى فلما مكث مدة من الزمن في بيته وبرئت جراحه، وقوى جسمه، خرج إلى المسجد، وصار يدرس الناس، ويملي عليهم الحديث ولم يُمنع من ذلك حتى توفي المعتصم، رحم الله الإمام أحمد، وأجزل له مثوبته، وجزاه الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
توفي المعتصم، واستُخْلِف من بعده الواثق، فاتصل به علماء المعتزلة، ابن أبي دؤاد وغيره، وحرضوه على أن يحمل الناس على القول بخلق القرآن، وفعلاً أعاد المحنة مرة أخرى والعياذ بالله، إلا أنه لم يتعرض للإمام أحمد، لكنه كتب إليه ألا تساكنني في بلد، فاختفى الإمام أحمد رحمه الله تعالى مدة خلافة الواثق، وهي خمس سنوات تقريباً، وفي آخر خلافة الواثق منّ الله عليه بالهداية فرجع عن القول بخلق القرآن، وسبب هداية الواثق، أن من جملة ما يجاء بالناس مقيدين بالأغلال، فيدخلون عليه، ويجبرهم على القول بخلق القرآن، فإن قالوا وإلا قتلهم، والعياذ بالله.
فجيء ذلك اليوم برجل من أهل الشام مقيد بالأغلال، فعندما دخل عليه سلم، وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال : لا سلمك الله، ولا عليك سلام الله، فقال له الرجل : بئس ما أدبك به مؤدبك يا أمير المؤمنين ويشير إلى ابن أبي دؤاد لأنه هو شيخه، وكان عنده حاضراً، وقال الرجل : إن الله تعالى يقول : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها وأنت ما حييتني بمثلها ولا بأحسن منها، فتعجب الخليفة، وقال له دعك من هذا.
وأمر ابن أبي دؤاد أن يناظر الرجل، فقال له ابن أبي دؤاد : ما تقول في القرآن، قال الرجل، ما أنصفتني أنا المقيّد بالحديد والأغلال أنا الذي أبدأ بالسؤال، فقال الخليفة : دعه يسأل فسأل، فقال الرجل، ما تقول أنت في القرآن يا ابن أبي دؤاد، قال إنني أقول إن القرآن مخلوق، فقال له الرجل : مقالتك هذه التي حملت الناس والخلفاء عليها، هل قالها رسول الله وأبي بكر وعمر أم لم يقولوها ؟ فقال ابن أبي دؤاد، ما قالوها، فقال له هل كانوا جاهلين بذلك أم عالمين ؟ قال : كانوا جاهلين بها، فقال الرجل : شيء يجهله رسول الله وأبو بكر وعمر، ويعلمه ابن أبي دؤاد، ما شاء الله، ما شاء الله، فقال : ابن أبي دؤاد : أقلني قال : المسألة بحالها : هل كانوا جاهلين بذلك أم عالمين ؟ قال : لا بل كانوا عالمين.
فقال الرجل : هل وسعهم أن يسكتوا أم أنهم حملوا الناس على ما حملتهم عليه ؟ فقال : لا بل سكتوا فقال : شيء وسع الرسول وأبا بكر وعمر ما وسعك أنت ؟ فسكت ابن أبي دؤاد، فقال الواثق، اصرفوا الرجل، ولم يأمر بقتله، فاختلى بنفسه الواثق وصار يفكر ويردد قول الرجل شيء يجهله رسول الله وأبو بكر وعمر، ويعلمه ابن أبي دؤاد، ما شاء الله، ما شاء الله شيء وسع رسول الله صلى الله عليهوسلم وأبا بكر وعمر ما وسعك أنت، ثم خرج وأمر بإطلاق سراح الرجل، ورجع عن القول بخلق القرآن.
وبعدما توفي الواثق، جعل الله بعده خليفة صالحاً وهو المتوكل، ومن يوم أن تولى المتوكل الخلافة أعلن السنة، وكتب إلى العلماء في الآفاق بأن يوقف الناس من الخوض في هذه المسألة، وأصدر إعلاناً عاماً في كافة أنحاء الدولة، نهى فيه عن القول بخلق القرآن، فعم الفرح في كل مكان، وحصل على يديه خير كثير وزالت بذلك هذه المحنة، وانتصر الحق على الباطل، ولهذا لما قيل للإمام أحمد أيام المحنة : يا أبا عبدالله، انتصر الباطل على الحق، قال والله ما انتصر الباطل على الحق، انتصار الباطل على الحق، أن تهوى القلوب الباطل وتدع الحق، وأما أن يفرض فرضاً، فليس ذلك بانتصاره.
وهكذا تنتهي هذه القصة التي لا تزال حجة ببطولة الإمام أحمد، وقوة العقيدة، وعجائب الإيمان، وقد كان من ثبات ابن حنبل، وشجاعته وإخلاصه، أن انطفأت عقيدة خلق القرآن، وانطفأت معها حركة الاعتزال، حتى بقيت مدفونة في كتب الملل والنحل، وانتصر الإمام أحمد، بإيمانه وشجاعته، وكان انتصاره دليلاً على انتصار الإخلاص والعزم على القوة، وانهزمت أمام هذا الرجل الأباطيل، وخرج أحمد بن حنبل من هذه المحنة، خروج السيف من الجلاء، والبدر من الظلماء، وقد سد ثلمة عظيمة، كادت تحدث في الإسلام، وشبهوا يوم المحنة بيوم الردة، وقرنوا ذكر أحمد بن حنبل بذكر أبي بكر الصديق، قال علي بن المديني : (إن الله أعز هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة).
ومضت السنين، حتى جاءت سنة إحدى وأربعين ومائتين، وهي السنة التي توفي فيها الإمام أحمد بن حنبل وله من العمر سبعٌ وسبعينَ سنة رحمه الله.
قال المروزي : مرض أبو عبدالله، ليلة الأربعاء، لليلتين خلتا من ربيع الأول، ومرض تسعة أيام، وصار الناس يدخلون عليه أفواجاً، يسلمون عليه، وتسامع الناس وكثروا، وسمع السلطان بكثرة الناس، فوكل ببابه وباب الشوارع المؤدية إلى بيته، من الحرس، ثم أغلق باب الشوارع، حتى تعطل بعض الباعة وحيل بينهم وبين البيع والشراء، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه، ربما دخل من بعض الدور، وربما تسلق، من شدة الزحام فرحم الله إمام أهل السنة رحمة واسعة.
ألا وصلوا ـ عباد الله ـ على رسول الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً) (الأحزاب : 56).

 0  0  2785
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:24 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.