• ×

09:28 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

◄ تأمل هذا المثال : هذا باب قد فتح، وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده، حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكرا فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه ولا من يؤيه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزينا، فوجد الباب مقفلا، فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه فلما رأته على تلك الحال؛ لم تملك أن رمت نفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي وتقول : يا ولدي ! أين تذهب عني ؟! ومن يؤيك سواي ؟! ألم أقل لك : لا تخالفني ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادتي الخير لك ؟! ثم أخذته ودخلت.
فتأمل قول الأم : لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة والشفقة ! وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم : (لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها) (خ 5999)، م (2754)، وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء ؟! فإذا أغضبه العبد بمعصيته، فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه، فإذا تاب إليه؛ فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به (1).

● وتأمل هذا المثال أيضا (2) :
هذا ابن كان في كنف أبيه، يغذوه بأطيب الطعام والشراب واللباس، ويربيه أحسن التربية، ويرقيه على درجات الكمال أتم ترقية، وهو القيم بمصالحه كلها، فبعثه أبوه في حاجة له، فخرج عليه في طريقه عدو، فأسره، وكتفه وشده وثاقا، ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء، فسامه سوء العذاب، وعامله بضد ما كان أبوه يعامله به، فهو يتذكر تربية والده وإحسانه إليه الفينة بعد الفينة، فتهيج من قلبه لواعج الحسرات كلما رأى حاله وتذكر ما كان فيه. فبينا هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد نحره في آخر الأمر، إذ حانت منه التفاتة إلى نحو ديار أبيه فرأى أباه منه قريبا، فسعى إليه وألقى نفسه عليه، وانطرح بين يديه يستغيث : يا أبتاه ! يا أبتاه ! يا أبتاه ! انظر إلى ولدك وما هو فيه. ودموعه تستبق على خديه، قد اعتنقه والتزمه وعدوه في طلبه، حتى وقف على رأسه، وهو ملتزم لوالده ممسك به.
فهل تقول : إن والده يسلمه مع هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبينه ؟! فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده ومن الوالدة بولدها، إذا فر عبد إليه وهرب من عدوه إليه، وألقى بنفسه طريحا ببابه يمرغ خده في ثرى أعتابه، باكيا بين يديه يقول : يا رب ! يا رب ! ارحم من لا راحم له سواك، ولا ناصر له سواك، ولا مؤوي له سواك، ولا مغيث له سواك، مسكينك وفقيرك وسائلك ومؤملك ومرجيك لا ملجأ له ولا منجا له منك إلا إليك، أنت معاذه وبك ملاذه ؟!
يـامن ألوذ بـــــه فيما أؤُمِّلـُــــــهُ • • • ومن أعـوذُ بــــه مما أحـاذِرُهُ
لا يجبرُ النَّاسُ عظما أنت كاسِرُهُ • • • ولا يهيضونَ عظما أنت جابرُهُ

● وأخيراً إليك هذا المثال النبوي :
ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ،فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ)، هذا لفظ مسلم (خ 6308)، م (2744).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/ 287-288).
(2) : المدارج (1/ 509-510).
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  1512
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:28 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.