• ×

11:50 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

◄ الأساليب التربوية الشرعية «1» ـ بحث علمي.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه والمهتدين .. وبعد :
فإن الهدف من هذا المقال هو بيان الأساليب التعليمية المستنبطة من تراجم الإمام البخاري على كتاب العلم في صحيح البخاري والتي توضح السبق التربوي الإبداعي من حيث المضمون والممارسة في منهج التربية الإسلامية الشرعية على نظريات التربية الحديثة والمعاصرة من جانب ومن جانب آخر لفت انتباه رجال التربية والتعليم إلى ضرورة البحث في مصادر التربية الإسلامية فهي غنية بالأساليب والقواعد التربوية الصالحة لكل زمان ومكان.
وقد بلغ عدد الأساليب التعليمية المستنبطة خمسة وعشرين أسلوباً، وسوف تجدها - عزيزي القارئ - بالملحق الثالث من هذا الموضوع المتسلسل (وللامانة العلمية مع ذكر المرجع الأصلي للموضوع، بالاضافة إلى بعض نقاط الخبرة الذاتية (من فضل ربي).

■ فهذا المقال :
يوضح الأساليب التعليمية المستقاة من تراجم الإمام البخاري على أحاديث كتاب العلم في جامعه الصحيح الموسوم بــ: "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله (وسننه وأيامه)".
ويعد الإمام البخاري من أبرز العلماء في مدرسة المحدثين، وكتابه من أصح مصادر التربية الإسلامية بعد القرآن الكريم، فقد وجد الباحث في دراسته لتراجم البخاري في كتاب العلم مادة علمية وإسهاماً علمياً تربوياً مفيدًا يدل على تنوع الأساليب التعليمية التي مارسها الرسول صلى الله عليه وسلم تربيته لأصحابه حيث ركز الإمام البخاري في تراجمه على اختيار عناوين الأبواب التي تدل على أسلوب تربوي متميز صالح للتطبيق في مجال التربية والتعليم في المناشط التربوية والتعليمية المعاصرة.
ولذا أردت لهذا المقال أن يكون إسهاماً في خدمة التربية الإسلامية وتأصيلها، والدعوة إلى الإفادة من جهود علماء المسلمين، وفتح الباب أمام الباحثين إلى تناول القضايا التربوية التي جاءت مبثوثة في مصنفات علماء الإسلام على مر العصور، وإبرازها لهدف الاسترشاد في توجيه تربيتنا وتعليمنا المعاصر .. هذا من جانب، ومن جانب آخر : استجابة لتوصيات الندوات والمؤتمرات في التربية الإسلامية والتي تدعو إلى دراسة آراء وإسهامات أعلام المربين المسلمين لتأصيل التربية والاستفادة منها حيث جاء في توصيات المؤتمر العالمي الخامس للتربية الإسلامية المنعقد في القاهرة التوصية التالية : "يوصي المؤتمر بضرورة الاهتمام بجهود وإسهامات العلماء المسلمين في كل جوانب المعرفة الإنسانية قديماً وحديثاً لبث الثقة في نفوس التلاميذ بأصالة وعمق الفكر الإسلامي والانتفاع بهذه الجهود الخيرة في المناهج والمفردات الدراسية وحماية المسلمين من المذاهب الفكرية الهدامة" (وبالنظر إلى التربية الإسلامية نلحظ قوتها ومكانتها ومعاصرتها، ولم تكن معزولة عن تطور الحضارة الإنسانية، والتقدم العلمي الكبير، بل كانت مناهج التربية الإسلامية هي عين التطور ذاته ولولاها لم يحدث أي تطور حضاري في هذا الجانب فكانت نقلة حضارية نوعية صححت المفاهيم وأقامت أسس التربية، فهي تربية شاملة مفتوحة الحدود، ممتدة الأرجاء، شاملة لكل ما في الحياة من مجالات تقدم وارتقاء).
ومن هنا يتضح لنا الأهمية البالغة للتربية الإسلامية وإسهامها في إعداد النشء إعدادًا صحيحاً يوافق الفطرة والعقل والشرع، أما وسائل تحقيق ذلك فهي الأساليب التعليمية الشاملة المتوازنة التي دعت إليها التربية الإسلامية وأكدها علماء المسلمين، والتي سوف تكشف هذه الدراسة بعضها، ويأمل الباحث الإفادة منها في وسائط العمل التربوي؛ لأي أساليب متكاملة ومشوقة أصبح الميدان التربوي بأمس الحاجة إلى التعريف بها والدعوة إلى توظيفها، والعمل بمقتضاها.

ما زالت الحاجة ماسة إلى البحث في مصادر التربية الإسلامية بغية التعرف على الأساليب التعليمية، وهذا البحث يحاول تحديد الأساليب التعليمية من خلال تراجم كتاب العلم في "صحيح البخاري" لكونها بياناً للتطبيق العملي والتربوي في منهاج التربية الإسلامية. ويمكن القول بأن أهمية هذا الموضوع ترجع إلى مايلي :
1 - إن مصنف صحيح البخاري من أبرز علماء مدرسة المحدثين بل أميرهم، وأستاذهم الذي تتلمذ على يديه الكثير من العلماء كما صنف وألف في مختلف العلوم.
2 - مكانة كتاب صحيح البخاري العلمية فهو العمدة الصحيح الموثوق به بعد كلام الله تعالى فهو أصح كتب السنة وأكثرها فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة.
3 - ربط المربين والمصلحين والدعاة بالمنهاج الإسلامي وسلف الأمة حتى تغدو الأساليب التعليمية والتربوية الإسلامية متفوقة على غيرها ومقدمة عليها باعتبارها موافقة للفطرة والنقل والعقل؛ فتنير الطريق أمامهم، في ميدان التربية والتعليم لتساعدهم على كيفية تنفيذ المعارف والحقائق بصورة إجرائية وجعلها المنطلق الذي يتوجهون من خلاله إلى إثارة اهتمام التلاميذ وتشويقهم فيما يتعلمون.
4 - إن هذا البحث محاولة في التجديد التربوي للتطبيق العملي للأساليب التعليمية وفق قواعد التربية الإسلامية حتى يصبح لدينا منهج تربوي مؤصل متكامل يحقق الأهداف التربوية ويناسب العصر الذي نعيشه في ظل المتغيرات الجديدة مع المحافظة على خصوصيتنا وأصالتنا التربوية.

● يهدف البحث إلى ما يلي :
1- تعريف الدارسين في الالات التربوية بعناية السلف الصالح بطرق التدريس وأساليبه ومهارته المتنوعة، ودعواهم إلى العناية بهذا الجانب في بحوثهم ودراساتهم؛ لاسيما طلاب الدراسات العليا من خلال المصادر الإسلامية.
2- لفت نظر المشتغلين في مجال تأصيل العلوم التربوية بضرورة الرجوع إلى مصادر التربية الإسلامية الأصيلة والإفادة منها في تأصيل علوم التربية، حيث اشتملت مؤلفات علماء المسلمين على الكثير من قضايا التربية والتعليم لمواجهة متطلبات المجتمع، لا سيما في هذا العصر الذي تنوعت فيه مصادر المعرفة والتربية والتعليم والتي تؤكد أن التربية الإسلامية مفتوحة الحدود، ممتدة الأرجاء، شاملة جهات الحياة المختلفة.
3- بيان السبق التربوي عند علماء المسلمين، ومدى اهتمامهم بطرق التربية وأساليب التدريس ومهاراته وأنشطته المختلفة، والتي توصلت إلى بعضها المدارس التربوية المعاصرة بعد عدة تجارب ومحاولات، إذ يوجد من أبناء الأمة الإسلامية من أبهرته أساليب التربية الغربية المعاصرة، ونظرياتها.
4- مما يؤكد الحاجة إلى مثل هذا البحث الرغبة في ضرورة الكشف عن إطار علمي لطرق التربية والتعليم في التربية الإسلامية من خلال دراسة القرآن الكريم وعلومه ودراسة سنة وشروحها منهما الإطار العام للتربية والتعليم، حيث يشتملان على الكثير من الرسول صلى الله عليه وسلم الأساليب التعليمية التي نحتاجها في بيئاتنا التربوية، ومناشطنا الدعوية.
5- الإسهام في بيان الأساليب التعليمية لمهنة التربية والتعليم والتي تسعى إلى العناية المؤسسات التربوية في العالم العربي والإسلامي، والاستفادة من آراء الإمام البخاري في التطبيقات العلمية لإعداد المعلمين إعدادًا سليماً وتأهيلهم تربوياً وخلقياً وسلوكياً.
6- إبراز الجوانب التربوية التي يشتمل عليها المنهاج الإسلامي مقارنة بالتربية الحديثة للكشف من أحقية تراثنا وسبقه وإبداعه، وبالتالي دعوة المربين المعاصرين إلى إعداد مثل هذه الدراسات من خلال كتب ومصادر التربية الإسلامية، والربط بين ماضي التربية وحاضرها مستفيدين من نتاج العقل، وتجارب الإنسان التربوية العامة التي تتلاءم مع قيمنا وأصالتنا مع مراعاة الضوابط الشرعية.

● استخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي من خلال تطبيق الخطوات التالية :
1- الرجوع إلى كتاب العلم في "صحيح البخاري" ودراسة تراجم البخاري على أحاديث كتاب العلم واستنباط دلالات التربوية على أساليب التعليم مستعيناً بالمصادر والكتب المعتمدة والإفادة منها في تحديد الأساليب التعليمية.
2- الرجوع إلى الكتب التربوية التي اهتمت بقضايا التربية والتعليم وأساليبها ووسائلها ومحاولة الاستفادة منها في بيان التطبيقات التربوية للأساليب التعليمية.
3- محاولة الباحث التعرف على مدى شيوع أساليب التعليم في العملية التربوية والتعامل مع المتعلمين عند العلماء السابقين من خلال تراجم البخاري وتحليل تلك التراجم من منظور التربية الإسلامية.
4- الاستفادة مما ألفه المربون المسلمون في تصور المجتمع الإسلامي واستخلاص توجيهاتهم ودراسة أقوالهم ومواقفهم بما يحقق أهداف البحث ويخدم الأساليب التربوية في وسائطنا التربوية المعاصرة.

● سوف يقتصر المقال على التالي :
■ أولاً : دراسة تراجم كتاب العلم في صحيح البخاري، واستنباط الأساليب التعليمية من خلال هذه التراجم على أبواب أحاديث كتاب العلم.
■ ثانياً : بيان الأساليب التعليمية التي ينبغي على المربين ممارستها عملياً في الميدان التربوي؛ لتشويق التلاميذ، وإيصال المعلومات إليهم، وتحقيق الأهداف التربوية والارتقاء بالعمل التربوي التعليمي في الوسائط التربوية والمناشط الدعوية المعاصرة.
في حدود علم الباحث لم تكن هناك دراسة في هذا الموضوع؛ فتراجم البخاري على كتاب العلم في "صحيحه" لم يكتب عنها من الوجهة التربوية شيء، أما موضوع أساليب التربية الإسلامية فهناك العديد من الدراسات التي تحدثت عنها بصورة عامة.
أما هذه الدراسة فأنها تختلف عن تلك الدراسات لكونها دراسة مستقلة تستهدف استنباط الأساليب التعليمية عند الإمام البخاري من خلال تراجمه لكتاب العلم في صحيحه في الميدان الذي يتناوله البحث، وهي تحليل لتراجم أبواب أحاديث كتاب العلم ذات العلاقة بالأساليب التعليمية ومحاولة لإبراز كيفية الإفادة منها في الوسائط التربوية المعاصرة.
يعتبر كتاب "صحيح البخاري" أصح الكتب بعد القرآن الكريم، وقد اشتهر قديماً وحديثاً في أكثر كتب الفقه والتفسير والحديث وغيرها من كتب المكتبة الإسلامية وعلى ألسنة الكثير من الناس بل وجمهرة العلماء باسم (صحيح البخاري).
أما اسم الكتاب الذي وسمه به مؤلفه الإمام البخاري فهو : (الجامع الصحيح المسند من وسننه وأيامه حديث رسول الله أما أصل موضوع صحيح البخاري فقد لخصها الحافظ ابن حجر رحمه الله في مقدمة الفتح بقوله : "تقرر أنه التزم فيه الصحة، وأنه لا يورد فيه إلا حديثاً صحيحاً، هذا أصل موضوعه، وهو وسننه وأيامه)، ومن المستفاد من تسميته إياه (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلناه عنه من رواية الأئمة عنه صريحاً، ثمّ رأى أن لا يخلو به من الفوائد الفقه، والنكت الحكم، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة، فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام، فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل (الوسيعة)".

● تتلخص أسباب تصنيف هذا الكتاب إلى عدة أمور من أبرزها :
وأخباره مدونة في عصر الصحابة وكبار التابعين؛ لأنهم :
1- لم تكن آثار النبي ذلك حتى لا تخلط بالقرآن الكريم، إضافة إلى قوة حفظهم واستحضارهم النصوص النبوية.
2- كثرة الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري القدر، فبدأ العلماء في حفظ السنة، إلا أنها كانت تشتمل على الصحيح والحسن بتأليف المصنفات الخاصة بأحاديث الرسول (والضعيف).
3- تحركت همة الإمام البخاري رحمه الله ورغبته في علاج هذا الأمر، وقوى من عزيمته على ذلك ما سمعه من شيخه وأستاذه إسحاق بن راهويه، كما ذكر ذلك هو بنفسه إذ يقول : كنا عند إسحاق بن راهويه فقال : لو جمعتم كتاباً مختصرًا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم البخاري : (فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح) كأني واقف بين يديه، بيدي مروحة ويذكر عنه سبب آخر، وهو قوله : (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أذب عنه، فسألت بعض المعبرين فقال : أنك تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج (الصحيح).
لقد أجمع جماهير العلماء في شتى أرجاء المعمورة على أن صحيح البخاري هو العمدة الصحيح والموثوق بعد كلام الله تعالى الذي بين دفتي المصحف، وأن علماء الأمصار قد تلقوه بالقبول، وحاز عندهم رفعة ومكانة وعناية لم تكن لكتاب غيره، بل كان له قصب السبق في هذا قال الإمام النووي رحمه الله : اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان : "البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيد من ( البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث)" وقد مكث الإمام البخاري في تصنيف جامعه وأديبه ست عشرة سنة، لأنه جمعه من ألوف (مؤلفة من الأحاديث الصحيحة).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحث علمي للدكتور علي بن إبراهيم الزهراني ـ بعنوان : (الأساليب التعليمية المستقاة من خلال تراجم الإمام البخاري) (يتبع).

 0  0  2643
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:50 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.