• ×

02:33 مساءً , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ في أحيان كثيرة يصدر من أبنائنا المراهقين تصرفات تثير غضبنا وأعصابنا, متمثلة في نوع من التمرد وشيء من العصيان وخروج عن اطار الأدب، ونحن ككبار لا نستسيغ ولا نتقبل تلك التصرفات، ونعتبرها كسرا للآداب والأعراف التي تربينا عليها ونشئنا عليها وذلك صحيح .. إننا في واقع الأمر وفي جل تربيتنا لأبنائنا نعيش حالة مقارنة مستمرة لما كنا نتغذى عليه من التربية التي تلقيناها من آبائنا وأمهاتنا في صغرنا، ونستحضر ماضينا الذي اكتسبنا من خلاله سلوكياتنا ونظرتنا للحياة، لأنها هي الأسس والمراجع التي كونا بها فلسفاتنا في الحياة، والمعطيات التي توفرت لنا لتساعدنا على اختيار الطرق المناسبة في كيفية معالجة القضايا والمواقف التي نتعرض لها في هذه الحياة، وكذلك لمعرفة ما يترتب عليه في إرضاء الله تعالى.
وحرصنا على اكساب وغرس القيم التي تشربناها في تربية أبنائنا دليل على صلاح ورقي أهدافنا التي نناهز درجة الكمال - ولا يمكن أن نبلغه - وإنما نجاحنا في ذلك يكون نسبي.

■ ولكن لا بد من أن نضع أمامنا بعض المسلمات التي تكشف لنا اعتبارات قد تجلي لنا بعض الحقائق، ومنها :
علينا أولاً ألا نغفل جانباً مهما وهو التغيرات الفسيولوجية والنفسية والبدنية بشكل عام، والتي تطرأ على أبنائنا بمناهزتهم مرحلة المراهقة، والتي كثير من الدراسات المتخصصة ما يثبت أنها تشكل نوعاً من المربكات والتغيرات المفاجأة لهم في حياتهم عموماً، والتي من أحد نتائجها، أن تدفعهم إلى ارتكاب بعض الحماقات، والتصرفات غير اللائقة، كثيراً ما تكون من غير رغبة منهم لفعلها، وبعدم مراعاتنا لثمة مسألة، قد لا يساعد كثيراً في تجاوبنا لتربيتهم بشكل إيجابي.
مقارنتنا الدائمة لما اكتسبناه نحن من تربية حسنة وعادات نبيلة، ولما نريد من تنشئة أبنائنا عليه بنفس النهج قد لا تكون في كل الحالات طريقة مجدية وصحيحة في التربية، إذ أننا لم نعاصر في صغرنا انفتاحاً على العالم بالشكل والمقدار الذي يواجهه أبناؤنا اليوم والذي يشكل اكتساحاً هائلاً لحياتهم ذو أبعاد ثقافية ونفسية واقتصادية وسياسية واجتماعية، ويمكن اعتبارها حزمة من مجموعة ثقافات وفهوم لسيت كلها متوافقة مع ثقافتنا الاسلامية، ولهذا الجانب أهمية كبرى، إذ تتشكل شخصيات أبنائنا وتتبلور من خلال تعاملنا نحن أولاً معهم وتربيتنا لهم، ثم المدرسة والمعلمون والبيئة التي نعيش فيها وكذلك وسائل الإعلام بكل أنواعها، ولما كانت وسائل الاعلام في السابق مقتصرة على ما يعرض على شاشات التلفزة المحلية من مواد قليلة، وبعض الصحف والمجلات التي كثيراً ما ينتقى من موادها، لا تكاد تشكل تأثيرا كالذي تشكله الآن الفضائيات وأجهزة الهواتف الذكية والتي لا يصح قصر دورها على نقل معلومات فحسب، بل كثقافات متنوعة لها تأثير في جوانب تربوية عدة للأبناء ليس بالبسيط، وإغفال هذه الحقائق في التربية قد لا يكون من الحكمة في شيء، ولا ننسى أن الغالبية العظمى منا قد تلقى التربية بكثير من الشدة وما يمكن أن نطلق عليه قمعاً - ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة قد لا يكون من المناسب ذكرها في هذا المقال - حيث لم يتسن لنا في أغلب الأوقات والظروف من أن نبدي اعتراضاً أو رأياً مختلفاً لما كان يفرضه علينا آباؤنا وأمهاتنا، والناظر في هذه القضية والذي عاصر شيئاً من الماضي وما قد آل إليه الأمر في الزمن الحاضر، قد يعي ما أقول !

■ قد لا يختلف معي القارئ الكريم :
أن كثيراً من جيل الشباب الجديد يمتلك جرأة ونوعاً من الحرية في الاعتراض على ما لا يعجبه من آراء ومقولات يسمعها من الطرف الآخر، بما فيها من تعلم آداب وعادات اجتماعية ورثناها، بل وربما بعض العقائد الدينية، وهو شيء يثير دهشتنا، ويجنح بنا في كثير من الأحيان إلى الاستياء من ردود الأفعال تلك، ويظهر ذلك على السطح على شكل نفور ومشادات بيننا وبينهم، إن عصر العولمة الذي نعيشه قد اختزل كثيراً من الأوقات والجهود في تكوين وبلورة شخصيات الكثير من الشباب وحتى بعض الكبار - ولكن ليس في معظم الأحيان على ما نأمل ونبغي - وهيأ أردية للناس ليلبسوها ولكن ليس على مقاساتهم ولكن على مقاسات الحضارة الغربية وطرزها ! مما سبب نوعاً من التفكك الاجتماعي، وانشغال الناس بتلبية شهوات الحياة المختلفة، وأدى إلى عزوف الكثير من أبناء هذه الأمة، عن التواصل والتآلف مع بعضهم البعض.
وقد يكون من الموضوعية أن نعي أن كل إنسان هو في الحقيقة كيان مستقل بذاته، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هناك شخص هو نسخة متطابقة من شخص آخر ! ونفهم من ذلك هو أننا لسنا نسخاً متكررة من آبائنا فحسب، بل إننا كثيراً ما نجد أنفسنا مختلفين بشكل ملحوظ عما كان عليه آباؤنا وأجدادنا، ويجد الكثير منا بعض التصرفات التي كانت تصدر من الآباء مما لا تروقه ولا تعجبه ! فكيف يريد ذلك في أبنائه !!
ولنا أن نتخيل مجتمعاً أفراده متطابقون ويشكلون نسخاً متكررة أشبه بما يكون إمعات لا رأي مختلف لديهم، مما قد لا يساعد على تقدم المجتمع ورقيه قيد أنملة، ولكن المهم في هذا الجانب هو محاولة بناء النموذج الخير والمعطاء، والذي يتصف بالكثير من الايجابية وعلى درجة جيدة من التدين وحب الخير وتقبل النقد، والعمل على الارتقاء بالجانب الروحي والنفسي.
وهناك أكثر من طريقة لكسب قلوب أبنائنا، وإقناعهم للتحلي بالفضائل وجميل الأخلاق، ولكن قد اخترت هنا للتحدث عن الحوار الهادئ، الذي يسوده الود والاحترام بين الطرفين بقدر الامكان .. إن أبنائنا يحتاجون كثيراً من الحب والتقدير، وكثيراً ما نسمع عن التربية بالحب، وعن مدى فاعليتها مع الأبناء، في كسب ودهم ومحبتهم، مما يساعد كثيراً في تعديل بعض السلوكات غير المرغوبة، وإبدالها بأخلاقيات حسنة، وجدير بنا أن نبادر بقراءة الكتب التي تفيدنا في كيفية التعامل مع المراهقين وكسب محبتهم، أو حضور بعض الدورات المتخصصة لذلك، حيث لا أحد أولى من الأبوين في زرع الثقة والصداقة والمحبة في قلوب أبنائهم.
إن تيارات العولمة تعصف بنا وبأبنائنا في كل مجالات الحياة وميادينها، وقد لا يكون من الموضوعية والانصاف أن نغلق أبوابنا ونوافذ منازلنا كما قال أحد الآباء : (سأمنع أبني الشاب من جميع أدوات التقنية الحديثة لأحافظ على تربيته على نحو من الالتزام والمحافظة !) فقال الآخر : (إذا منعته منها فسوف يحصل عليها كلها وأكثر منها !) وهذا صحيح، حيث إن الحرمان في هذا الجانب بتلك الطريقة، قد لا يكون هو العلاج الأنجع، بل قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، إن أبنائنا كثيراً ما يحتاجون إلى من يستمع لما يقولون، مهما كان فجاً وخارج دائرة اهتماماتنا، ونحن بانشغالنا المستمر عنهم قد لا نوفر لهم تلك الفرصة، مما يضطرهم للبوح به لآخرين قد لا يكونون موضع ثقة، وكم سمعنا عن شباب ارتموا في احضان المخدرات، وارتكسوا في وحول الإجرام والرذائل بسبب اهمال الأبوين وغفلتهم عنهم.
لطالما التقنية قد غزت الحياة، ونحن أحد مكونات هذه الحياة ومن ضمن منظومة الخلق فيها، بل وأكرم الخلق بما فضلنا الله تعالى به على سائر خلقه من العقل والوعي، فاختيار التقنية الحديثة لأن تكون نعمة من نعم الله تعالى علينا أولاً، ومن ثم محاولة الإفادة منها قدر المستطاع، فلا يمنع أن يجلس الأبوان أو أحدهما مع الأبناء ويتصفحون المواقع المفيدة في الشبكة العنكبوتية، ويتناقشون فيما يرونه من المواضيع الهادفة، ويمكن أن يطلب أحد الأبوين من الأبناء أن يستخرج معلومة أو أكثر من الإنترنت، ثم يقرأها عليهم لتعم الفائدة على الجميع .. ولا يمنع أن تطلب الأم مثلاً من ابنتها أن تأتي بوصفة لطبخة من الطبخات من أحد المواقع المتخصصة على الشبكة العنكبوتية وهكذا.
هناك العديد من الطرق والأفكار التي يمكن استغلالها لجعل الكثير من مزايا التقنية تعمل لرفع مستوى الثقافة، وتنمية الوعي وتطوير الذات، وربما لا يقف كعائق أمام تحقيق ذلك سوى التكاسل وعدم المبادرة.

■ أخيراً :
فقد أثبت الكثير من التجارب، أن منح الحرية للأبناء بشيء من التقنين، كثيراً ما يساعدهم على إرساء المبادئ والقيم في حياتهم بشكل طبيعي وأكثر فاعلية، ويعزز لديهم الشعور بالمسئولية وينمي لديهم الضمير والوازع الديني، والله ولي الأمر والتدبير.

 0  0  2470
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:33 مساءً السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.