• ×

07:06 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ يكاد أن يكون هناك شبه إجماع من التربويين على ضعف "المخرج التعليمي" أو "الناتج التعليمي" في المهارات اللغوية الأساسية (القراءة والكتابة والحديث والاستماع) ؛ فإذا كانت الغاية من الدراسة ـ وخاصة في المرحلة الأولى ـ أن يتحدث "المخرج التعليمي" بلغة سليمة مفهومة وأن يفهم ما يسمع وأن يقرأ ويفهم ما هو مكتوب فهماً سليماً, فإني أظن أن النتائج في مراحل تعليمنا العام تسير خلاف هذه الغاية. إن الشكوى عارمة وعامة من هذه القضية. (1) .
وعند تأملنا للمهارات اللغوية السابقة نجد أن (القراءة) هي بابها ومحورها، وهذا يعني أن التخلف في مسألة القراءة يدخلنا إلى دهاليز الأمية الأبجدية في أبسط صورها.
أثبت بعض دراسات سابقة أن في الدماغ البشري قدرة فطرية على اكتساب اللغات يبدأ ضمور هذه المقدرة ما بين سن السادسة والسابعة. وإذا صح ما تمخضت عنه مثل هذه الدراسة فهذا يعني أن أمام (الطالب) جهد مضاعف :
1. تعلم المعرفة.
2. تعلم اللغة التي كتبت بها هذه المعرفة (2) .
وتعلم اللغة الجديدة ليس بالأمر السهل بعد أن أتخم الطالب باللهجة العامية.
وإذا ما تبلور ما سبق فإن علينا معاشر التربويين واجب سبر أغوار القضية المطروحة تنظيراً وتطبيقاً قبل أن يتسع الخرق على الراقع.

بين قراءتين :
لعل هذه اللمحة المتواضعة تسهم ولو بخجل في قضيتنا المطروحة على بساط النقد.
القراءة الصامتة : هي القراءة من خلال النظر المجرد دون صوت أو تحريك الشفتين وكأن العين وحدها هي التي تقرأ. وقد أثبت بعض الدراسات أن هذه القراءة هي قراءة الفهم والاستيعاب وإدراك المعاني والمضامين الفكرية للمادة المقروءة.
أما القراءة الجاهرة (الجهرية) : فهي القراءة التي تتم بصوت عال أو خفيض مع تحريك الشفتين. وهي قراءة تساعد على الحفظ غالباً، و خاصة إذا تم ترديدها؛ حيث يتكون من الترداد رابط عصبي إضافي.

وهذا يعني فيما يعنيه الأمور التالية :
1. القراءة (الجهرية) وسيلة للقراءة الصامتة.
2. القراءة الصامتة بحكم تعلقها بالفهم والاستيعاب فهي الهدف المنشود . على خلاف السائد.
3. كل ما يطرأ على القراءة من تطوير ؛ من حيث السرعة وغيرها مرتبط بالقراءة الصامتة.
وعلى ما سبق يمكننا أن نطرح سؤالاً مشروعاً : هل نخطئ معاشر المربين حينما نقدم القراءة (الصامتة) على (الجهرية) ؟
بمعنى آخر، هل نحن مصيبون عندما نجعل من الهدف وسيلة، فتصبح مهمتنا (معكوسة) مقلوبة ؟
لقد تعود وألف كثير منا طريقة القراءة الصامتة ابتداء، ثم تأتي القراءة الجاهرة. وعندما يقع النظر على (دفاتر) التحاضير تجد البند الأول في عرض المادة المقروءة هو : القراءة الصامتة ابتداء. وهذه المسألة عامة في مراحل التعليم الثلاث.

الإلف والتعود :
وأعود وأقول أن المسألة في أغلبها مسألة ألف وتعود؛ والعقل ـ في أحايين كثيرة ـ يبقى زمناً متطاولاً مجتراً أو مزاولاً لما ألف، مهما كان حظ هذا الإلف من الخطأ و بعده عن الحقيقة.
إن تقديم الصامتة على الجاهرة في المرحلتين الأوليين ينتابه خطأ ليس بالهين ..
فإذا قرأ الطالب القطعة قراءة صامتة ـ آخذين في الاعتبار المستوى العام للطلبة في القدرة على القراءة ـ فإن بعض المفردات التي قرأها بشكل غير صحيح سيصبح لها مفهوماً ومدلولاً في النفس غير صحيح أو مخالفاً لما عليه المفردات في الحقيقة. وإذا تغلغلت بعض المعاني في النفس فإنه ليس بالأمر الهين خروجها أو استبدالها، وبعضها يبقى على الرغم من تصحيحها.
فهذا أحد الأصدقاء الفضلاء يقول : كنت في مرحلة مبكرة أقرأ قول الله تعالي في سورة الكهف (قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا) وأخطأت في قراءة (إن) وقرأتها (إني) وارتسم المعنى التالي : قال موسى ـ عليه السلام ـ إني سألتك بعد الحادثة ولم أسألك قبلها أو أثناءها فلماذا لا تصاحبني . أو عبارة نحوها .. يقول ولم أستطع الفكاك من هذا المعنى، وبقي معي ردحاً من الزمن حتى بعد معرفتي الصواب.

تأجيل القراءة الصامتة :
وعلى ما تقدم فإنه ينبغي تأجيل القراءة الصامتة إلى ما بعد الجاهرة، مستعينين بالوسائل التقنية في ذلك. فالمقصود هو إتقان القراءة مع الفهم والاستيعاب ؛ فالقراءة (الجهرية) تمهد الطريق وتبين للطلبة المفردات نطقا ومعنى، ثم تفسح المجال للصامتة لتكمل المسيرة نحو الفهم والاستيعاب.
فلنجرب جميعاً القراءة الجاهرة المتبوعة بالصامتة، ثم الطلب باستخراج الأفكار والمفاهيم ولنرى النتيجة بعد المحاولات المتعددة.
وإذا كانت القراءة الصامتة مختصة بالفهم والاستيعاب على الأغلب، فإن القراءة (الجهرية) اختصاصها أيضاً من خلال الحفظ، كما تقدم.
ولقد قمت بتجربة ترديد الأبيات الشعرية على بعض الفصول في الصف الأول ثانوي في مدرستي، وتخليت عن هذه التجربة في بعض الفصول عمداً، فوجدت نتائج جيدة في عملية الحفظ لمن خضعوا للتجربة، بينما كانت النتيجة دون المستوى لمن كانوا خارج التجربة.

رابط عصبي إضافي :
ولعل هذا يؤكد ما ذهبنا إليه في المقدمة : من أن القراءة الجاهرة تساعد على الحفظ، وخاصة إذا تم ترديدها ؛ حيث يتكون من الترداد رابط عصبي إضافي في العقل لتثبيت المعلومة المقروءة مع صوت نطقها وطريقة ترديدها وبعد ذلك استرجاعها وتذكرها، فالعقل تتداعى فيه الذاكرة بروابط الصور والأصوات وحتى الروائح.
والنتائج ستكون أفضل بكثير إذا تم إنشاد هذه الأبيات . فالشعر العربي أغلبه من الشعر الغنائي، ولعل هذا ما يفسر لنا على وجه من الوجوه حفظ الشعر العربي في الصدور.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) للاستزادة انظر كتاب " مع التحية إلى معلم العربية " لكاتب هذه السطور .
( 2 ) انظر تجربة الدكتور : عبد الله الدنان في تعليم العربية الفصحى بالفطرة والممارسة .
( قسم الروابط الإلكترونية ) .


 0  0  2608
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:06 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.