• ×

06:04 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

◄ مشهد زيادة الإيمان.
■ لعل سامعه يبادر إلى إنكاره ويقول : كيف يشهد زيادة الإيمان من الذنوب والمعاصي ؟! ولا سيما من ذنوب العبد ومعاصيه ؟! وهل ذلك إلا منقص للإيمان، فإنه بإجماع السلف يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
فاعلم أن الله تعالى قال : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون) (النحل : 97)، وقال تعالى : (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب) (الزمر : 10)، وقال تعالى : (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) (هود : 3) وقال تعالى : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه : 124).
وفسرت المعيشة الضنك : بعذاب القبر، والصحيح : أنها في الدنيا وفي البرزخ، فإن من أعرض عن ذكره الذي أنزله فله من ضيق الصدر ونكد العيش وكثرة الخوف وشدة الحرص والتعب على الدنيا والتحسر على فواتها قبل حصولها وبعد حصولها والآلام التي في خلال ذلك ما لا يشعر به القلب لسكرته وانغماسه في السكر، فهو لا يصحو ساعة إلا أحس وشعر بهذا الألم فبادر إلى إزالته بسكر ثان، فهو هكذا مدة حياته، وأي عيشة أضيق من هذه لوكان للقلب شعور ؟!
فقلوب أهل البدع والمعرضين عن القرآن وأهل الغفلة عن الله وأهل المعاصي في جحيم قبل الجحيم الأكبر، وقلوب الأبرار في نعيم قبل النعيم الأكبر : (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم ٍ {13} وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم) (الانفطار : 13 - 14).
وقد جعل الله سبحانه للحسنات والطاعات آثارا محبوبة لذيذة طيبة، لذتها فوق لذة المعصية بأضعاف مضاعفة لا نسبة لها إليها وجعل للسيئات والمعاصي آلاما وآثاراً مكروهة وحزازات تُربي على لذة تناولها بأضعاف مضاعفة .
قال ابن عباس : "إن للحسنة نوراً في القلب وضياء في الوجه وقوة في البدن وزيادة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق" وهذا يعرفه صاحب البصيرة ويشهده من نفسه ومن غيره .
فما حصل للعبد حال مكروهة قط إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر قال تعالى : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير) (الشورى : 30)، وقال لخيار خلقه وأصحاب نبيه : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران : 165)، وقال : (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً) (النساء : 79)، والمراد بالحسنة والسيئة هنا : النعم والمصائب التي تصيب العبد من الله، ولهذا قال : (مَّاأَصَابَكَ) ولم يقل : ما أصبت، فكل نقص وبلاء وشر في الدنيا والآخرة، فسببه الذنوب ومخالفة أوامر الرب، فليس في العالم شر قط إلا الذنوب وموجباتها. وآثار الحسنات والسيئات في القلوب والأبدان والأموال : أمر مشهود في العالم، لا ينكره ذو عقل سليم، بل يعرفه المؤمن والكافر والبر والفاجر.
وشهود العبد هذا في نفسه وفي غيره وتأمله ومطالعته : مما يقوي إيمانه بما جاءت به الرسل وبالثواب والعقاب، فإن هذا عدل مشهود محسوس في هذا العالم ومثوبات وعقوبات عاجلة دالة على ما هو أعظم منها لمن كانت له بصيرة.
كما قال بعض الناس : إذا صدر مني ذنب ولم أبادره ولم أتداركه بالتوبة ، انتظرت أثره السيء فإذا أصابني أو فوقه أو دونه كما حسبت، يكون دأبي الإكثار من : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
ويكون ذلك من شواهد الإيمان وأدلته، فإن الصادق متى أخبرك أنك إذا فعلت كذا وكذا، ترتب عليه من المكروه كذا وكذا، فجعلت كلما فعلت شيئا من ذلك، حصل لك ما قال من المكروه، لم تزدد إلا علما بصدقه وبصيرة فيه.
وليس هذا لكل أحد، بل أكثر الناس ترين الذنوب على قلبه، فلا يشهد شيئا من ذلك ولا يشعر به ألبتة .. وإنما يكون هذا لقلب فيه نور الإيمان، وأهوية الذنوب والمعاصي تعصف فيه، فهو يشاهد هذا وهذا، ويرى حال مصباح إيمانه مع قوة تلك الأهوية والرياح فيرى نفسه كراكب البحر عند هيجان الرياح وتقلب السفينة وتكفئها، ولا سيما إذا انكسرت به وبقي على لوح تلعب به الرياح.
فهكذا المؤمن يشاهد نفسه عند ارتكاب الذنوب إذا أريد به الخير، وإن أريد به غير ذلك فقلبه في واد آخر.
ومتى انفتح هذا الباب للعبد، انتفع بمطالعة تاريخ العالم وأحوال الأمم ومجريات الخلق، بل انتفع بمجريات أهل زمانه وما يشاهده من أحوال الناس، وفهم حينئذ معنى قوله تعالى : (أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الرعد : 33)، وقوله : (هِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران : 18).
فكل ما تراه في الوجود من شر وألم وعقوبة وجدب ونقص في نفسك وفي غيرك، فهو من قيام الرب تعالى بالقسط وهو عدل الله وقسطه، وإن أجراه على يد ظالم، فالمسلط له أعدل العادلين، كما قال تعالى لمن أفسد في الأرض : (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً) (الإسراء : 5).
فالذنوب مثل السموم مضرة بالذات، فإن تداركها من سقي بالأدوية المقاومة لها، وإلا قهرت القوة الإيمانية وكان الهلاك، كما قال بعض السلف : المعاصي بريد الكفر، كما أن الحمى بريد الموت.
فشهود العبد نقص حاله إذا عصى ربه وتغير القلوب عليه وجفولها منه وانسداد الأبواب في وجهه وتوعر المسالك عليه وهوانه على أهل بيته وأولاده وزوجته وإخوانه، وتطلبه ذلك حتى يعلم من أين أتى، ووقوعه على السبب الموجب لذلك، مما يقوي إيمانه.
فإن أقلع وباشر الأسباب التي تفضي به إلى ضد هذه الحال رأى العز بعد الذل والغنى بعد الفقر والسرور بعد الحزن والأمن بعد الخوف والقوة في قلبه بعد ضعفه ووهنه، ازداد إيمانا بعد إيمانه. فتقوى شواهد الإيمان في قلبه وبراهينه وأدلته في حال معصيته وطاعته. فهذا من الذين قال الله فيهم : (يُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الزمر : 35)، وصاحب هذا المشهد متى تبصر فيه وأعطاه حقه : صار من أطباء القلوب العالمين بدائها ودوائها، فنفعه الله في نفسه ونفع به من شاء من خلقه، (1) والله أعلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/502 - 506) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  1588
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:04 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.