• ×

03:11 مساءً , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

◄ مشهد التوحيد.
● مشهد من مشاهد أهل الاستقامة : وهو أن يشهد :
انفراد الرب تبارك وتعالى بالخلق والحكم.
وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه.
وأن الخلق مقهورون تحت قبضته.
وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه : إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، فالقلوب بيده وهو مقلبها ومصرفها كيف شاء وكيف أراد.
وأنه هو الذي آتى نفوس المؤمنين تقواها، وهو الذي هداها وزكاها، وألهم نفوس الفجار فجورها وأشقاها، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته.
هذا فضله وعطاؤه، وما فضل الكريم بممنون، وهذا عدله وقضاؤه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
قال ابن عباس : الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده، ومن آمن بالقدر صدق إيمانه توحيده.
وفي هذه المشهد يتحقق للعبد مقام : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة : 5) : علما وحالا، فيثبت قدم العبد في توحيد الربوبية.
ثم يرقى منه صاعدا إلى توحيد الإلهية. فإنه إذا تيقن أن الضر والنفع والعطاء والمنع والهدى والضلال والسعادة والشقاء كل ذلك بيد الله لا بيد غيره، وأنه الذي يقلب القلوب ويصرفها كيف يشاء، وأنه لا موفق إلا من وفقه وأعانه، ولا مخذول إلا من خذله وأهانه وتخلى عنه.
وأن أصح القلوب وأسلمها وأقومها وأرقها وأصفاها وأشدها وألينها من اتخذه وحده إلها ومعبودا، فكان أحب إليه من كل ما سواه وأخوف عنده من كل ما سواه، وأرجى له من كل ما سواه، فتتقدم محبته في قلبه جميع المحاب، فتنساق المحاب تبعا لها كما ينساق الجيش تبعا للسلطان، ويتقدم خوفه في قلبه جميع المخوفات، فتنساق المخاوف كلها تبعا لخوفه، ويتقدم رجاؤه في قلبه جميع الرجاء، فينساق كل رجاء تبعا لرجائه.
فهذا علامة توحيد الإلهية في هذا القلب. والباب الذي دخل إليه منه توحيد الربوبية، أي باب توحيد الإلهية هو توحيد الربوبية. فإن أول ما يتعلق القلب يتعلق بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية، كما يدعو الله سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر، ويحتج عليهم به ويقررهم به ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية.
وفي هذا المشهد يتحقق له مقام : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) قال الله تعالى : (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (الزخرف : 87)، أي : فأين يصرفون عن شهادة أن لا إله إلا الله وعن عبادته وحده، وهم يشهدون أنه لا رب غيره ولا خالق سواه ؟!
وكذلك قوله : (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (المؤمنون : 84 - 85)، فتعلمون أنه إذا كان هو وحده مالك الأرض ومن فيها وخالقهم وربهم ومليكهم، فهو وحده إلههم ومعبودهم، فكما لا رب لهم غيره فهكذا لا إله لهم سواه : (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ • قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (المؤمنون : 86 - 88).
يحتج عليهم بأن من فعل لهم هذا وحده فهو الإله لهم وحده، فإن كان معه رب فعل هذا فينبغي أن تعبدوه، وإن لم يكن معه رب فعل هذا فكيف تجعلون معه إلها آخر ؟!

● والمقصود :
أن العبد يحصل له هذا المشهد، من مطالعة الجنايات والذنوب وجريانها عليه وعلى الخليقة بتقدير العزيز الحكيم، وأنه لا عاصم من غضبه وأسباب سخطه إلا هو، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمعونته، ولا وصول إلى مرضاته إلا بتوفيقه، فموارد الأمور كلها منه، ومصادرها إليه، وأزمة التوفيق جميعها بيديه، فلا مستعان للعباد إلا به، ولا متكل إلا عليه، كما قال شعيب خطيب الأنبياء (َقالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود : 88) (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/487 - 491) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  2023
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:11 مساءً الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.