• ×

12:46 صباحًا , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ مشهد حكمة الله في تقديره.
● مشهد من مشاهد أهل الاستقامة :
مشهد حكمة الله في تقديره على عبده ما يبغضه سبحانه ويكرهه ويلوم ويعاقب عليه ، وأنه لو شاء لعصمه منه ولحال بينه وبينه ، وأنه سبحانه لا يعصى قسرا، وأنه لا يكون في العالم شيء إلا بمشيئته ، (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف : 54).
وهؤلاء يشهدون أن الله سبحانه لم يخلق شيئا عبثا ولا سدى ، وأن له الحكمة البالغة في كل ما قدره وقضاه من خير وشر وطاعة ومعصية ، وحكمة باهرة تعجز العقول عن الإحاطة بكنهها وتكل الألسن عن التعبير عنها.

● فمصدر قضائه وقدره لما يبغضه ويسخطه :
اسمه الحكيم الذي بهرت حكمته الألباب .. وقد قال تعالى لملائكته لما قالوا : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) فأجابهم سبحانه بقوله : (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة : 30).
فلله سبحانه في ظهور المعاصي والذنوب والجرائم وترتب آثارها عليها، من الآيات والحكم وأنواع التعرفات إلى خلقه وتنويع آياته ودلائل ربوبيته ووحدانيته وإلهيته وحكمته وعزته وتمام ملكه وكمال قدرته وإحاطة علمه، ما يشهده أولو البصائر عيانا ببصائر قلوبهم فيقولون : ربنا ! ما خلقت هذا باطلا سبحانك، إن هي إلا حكمتك الباهرة وآياتك الظاهرة.
ولله في كل تحريكة • • • وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية • • • تدل على أنه واحد
فكم من آية في الأرض بينة دالة على الله، وعلى صدق رسله، وعلى أن لقاءه حق كان سببها معاصي بني آدم وذنوبهم !
كآيته في إغراق قوم نوح وعلو الماء على رءوس الجبال حتى أغرق جميع أهل الأرض ونجى أولياءه وأهل معرفته وتوحيده. فكم في ذلك من آية وعبرة ودلالة باقية على ممر الدهور ! وكذلك إهلاك قوم عاد وثمود.
وكم له من آية في فرعون وقومه من حين بعث موسى عليه السلام إليهم بل قبل مبعثه إلى حين إغراقهم، لولا معاصيهم وكفرهم لم تظهر تلك الآيات والعجائب.
وفي التوراة أن الله تعالى قال لموسى : اذهب إلى فرعون فإني سأقسِّي قلبه وأمنعه عن الإيمان لأظهر آياتي وعجائبي بمصر.
وكذلك فعل سبحانه فأظهر من آياته وعجائبه بسبب ذنوب فرعون وقومه ما أظهر.
وكذلك إظهاره سبحانه ما أظهر من جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم عليه السلام، بسبب ذنوب قومه ومعاصيهم وإلقائهم له في النار، حتى صارت تلك الآية، حتى نال إبراهيم بها ما نال من كمال الخلة.
وكذلك ما حصل للرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من الكرامة والمنزلة والزلفى عند الله والوجاهة عنده، بسبب صبرهم على أذى قومهم وعلى محاربتهم لهم ومعاداتهم.
وكذلك اتخاذ الله تعالى الشهداء والأولياء والأصفياء من بني آدم، بسبب صبرهم على أذى بني آدم من أهل المعاصي والظلم ومجاهدتهم في الله وتحملهم لأجله من أعدائه ما هو بعينه وعلمه واستحقاقهم بذلك رفعة الدرجات، إلى غير ذلك من المصالح والحكم التي وجدت بسبب ظهور المعاصي والجرائم.

● ويكفي من هذا مثال واحد وهو :
أنه لولا المعصية من أبي البشر عليه السلام بأكله من الشجرة، لما ترتب على ذلك ما ترتب من وجود هذه المحبوبات العظام للرب تعالى، من امتحان خلقه، وتكليفهم ، وإرسال رسله، وإنزال كتبه، وإظهار آياته وعجائبه وتنويعها وتصريفها، وإكرام أوليائه وإهانة أعدائه، وظهور عدله وفضله وعزته وانتقامه وعفوه ومغفرته وصفحه وحلمه، وظهور من يعبده ويحبه ويقوم بمراضيه بين أعدائه في دار الابتلاء والامتحان. فلو قدر أن آدم لم يأكل من الشجرة ولم يخرج من الجنة هو وأولاده، لم يكن شيء من تلك ولا ظهر من القوة إلى الفعل ما كان كامنا في قلب إبليس يعلمه الله ولا تعلمه الملائكة، ولم يتميز خبيث الخلق من طيبه، ولم تتم المملكة، حيث لم يكن هناك إكرام وثواب وعقوبة وإهانة ودار سعادة وفضل ودار شقاوة وعدل.
وكم في تسليط أوليائه على أعدائه، وتسليط أعدائه على أوليائه، والجمع بينهما في دار واحدة، وابتلاء بعضهم ببعض من حكمة بالغة ونعمة سابغة !
وكم في طيها من حصول محبوب للرب، وحمد له من أهل سمواته وأرضه وخضوع له وتذلل وتبعد وخشية وافتقار إليه وانكسار بين يديه، أن لا يجعلهم من أعدائه إذ هم يشاهدونهم ويشاهدون خذلان الله لهم وإعراضه عنهم ومقته لهم وما أعد لهم من العذاب، وكل ذلك بمشيئته وإرادته وتصرفه في مملكته. فأولياؤه من خشية خذلانه خاضعون مشفقون على أشد وجل وأعظم مخافة وأنم انكسار.
فإذا رأت الملائكة إبليس وما جرى له، وضعت رؤوسها بين يدي الرب، خضوعا لعظمته، واستكانة لعزته، وخشية من إبعاده وطرده، وتذللا لهيبته وافتقارا إلى عصمته ورحمته، وعلمت بذلك منته عليهم وإحسانه إليهم وتخصيصه لهم بفضله وكرامته.
وكذلك أولياؤه المتقون، إذا شاهدوا أحوال أعدائه ومقته لهم وغضبه عليهم وخذلانه لهم، ازدادوا خضوعا وذلا وافتقارا وانكسارا وبه استعانة وإليه إنابة وعليه توكلا وفيه رغبة ومنه رهبة، وعلموا أنهم لا ملجأ لهم منه إلا إليه وأنهم لا يعيذهم من بأسه إلا هو ولا ينجيهم من سخطهم إلا مرضاته، فالفضل بيده أولا وآخرا.
وهذه قطرة من بحر حكمته المحيطة بخلقه وأمره، والبصير يطالع ببصيرته ما وراءه فيطلعه على عجائب من حكمته لا تبلغها العبارة ولا تنالها الصفة.
وأما حظ العبد في نفسه وما يخصه من شهود هذه الحكمة، فبحسب استعداده وقوة بصيرته وكمال علمه ومعرفته بالله وأسمائه وصفاته ومعرفته بحقوق العبودية والربوبية، وكل مؤمن له من ذلك شرب معلوم ومقام لا يتعداه ولا يتخطاه (1). والله الموفق والمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/487 - 491) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  1515
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:46 صباحًا الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.