• ×

01:25 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ الإنسان كما قال ربه ظلوم جهول، والله هو الغني الحميد، ولو علم هذا الظالم الجاهل : أن بلاءه من نفسه ومصابه منها، وأنها أولى بكل ذم وظلم، وأنها مأوى كل سوء، وأنَّ الإنسان لربه لكنود (1).
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : (كفور جحود لنعم الله).
وقال الحسن : (هو الذي يعد المصائب وينسى النعم).
وقال أبو عبيدة : (هو قليل الخير).
والأرض الكنود التي لا نبت بها وقيل : التي لا تنبت شيئاً من المنافع.
وقال الفضل ابن عباس : (الكنود الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان).
ولو علم هذا الظالم الجاهل : أنه هو القاعد على طريق مصالحه يقطعها عن الوصول إليه، فهو حجر في طريق الماء الذي به حياته، ويستغيث مع ذلك العطش ! العطش ! وقد وقف في طريق الماء ومنع وصوله إليه فهو حجاب قلبه، وهو الغيم المانع لإشراق شمس الهدى على القلب، فما عليه أضر منه، ولا له أعداء أبلغ في نكايته وعداوته منه.
ما تبلغ الأعداء من جاهل • • • ما يبلغ الجاهل من نفسه
فتبا له ! ظالما في صورة مظلوم، وشاكيا والجناية منه !
قد جد في الإعراض، وهو ينادي طردوني! وأبعدوني !
ولىَّ ظهره الباب، بل أغلقه على نفسه، وأضاع مفاتيحه، وكسرها ويقول :
دعاني وسد الباب دوني فهل إلى • • • دخولي سبيل بينوا لي قضيتي
يأخذ الشفيقُ بحجزته عن النار، وهو يجاذبه ثوبه ويغلبه ويقتحمها، ويستغيث ما حيلتي، وقد قدموني إلى الحفرة وقذفوني فيها ؟!
ولله كم صاح به الناصح الحذر الحذر! إياك إياك! وكم أمسك بثوبه وكم أراه مصارع المقتحمين ! وهو يأبى إلا الاقتحام !
ياويله ظهيرا للشيطان على ربه، خصما لله مع نفسه، عاجز الرأي، مضياع لفرصته، قاعد عن مصالحه، معاتب لأقدار ربه، يحتج على ربه بما لايقبله من عبده.
تحتج على ربك بقدره وتراه عذرا لنفسك! هذا مع تواتر إحسان الله إليك على مدى الأنفاس، أزاح عللك، ومكنك من التزود إلى جنته، وبعث إليك الدليل، وأعطاك مؤنة السفر، وما تتزود به، وما تحارب به قطاع الطريق عليك، فأعطاك السمع والبصر والفؤاد، وعرفك الخير والشر والنافع والضار، وأرسل إليك رسوله، وأنزل إليك كتابه ويسره للذكر والفهم والعمل، وأعانك بمدد من جنده الكرام يثبتونك ويحرسونك ويحاربون عدوك ويطردونه عنك، ويريدون منك أن لا تميل إليه ولا تصالحه وهم يكفونك مؤنته، وأنت تأبى إلا مظاهرته عليهم وموالاته دونهم، بل تظاهره وتواليه دون وليك الحق الذي هو أولى بك، قال الله تعالى : (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) (الكهف : 50)، طرد إبليس عن سمائه وأخرجه من جنته وأبعده من قربه إذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك آدم لكرامتك عليه فعاداه وأبعده، ثم واليت عدوه وملت إليه وصالحته ! وتتظلم مع ذلك وتشتكي الطرد والإبعاد وتقول :
عودوني الوصالَ والوصلُ عذبٌ • • • ورَموْني بالصدِ والصدُ صعبٌ
نعم، وكيف لا يطرد من هذه معاملته ؟ وكيف لا يبعد عنه من كان هذا وصفه ؟ وكيف يجعل من خاصته وأهل قربه من حاله معه هكذا قد أفسد ما بينه وبين الله وكدره ؟! أمره الله بشكره، لا لحاجته إليه ولكن لينال به المزيد من فضله، فجعل كفر نعمه والاستعانة بها على مساخطه من أكبر أسباب صرفها عنه، وأمره بذكره ليذكره بإحسانه، فجعل نسيانه سببا لنسيان الله له : (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة : 67) أمره بسؤاله ليعطيه فلم يسأله، بل أعطاه أجل العطايا بلا سؤال فلم يقبل ! يشكو من يرحمه إلى من لا يرحمه، ويتظلم ممن لا يظلمه، ويدع من يعاديه ويظلمه ! إن أنعم عليه بالصحة والعافية والمال والجاه، استعان بنعمه على معاصيه، وإن سلبه ذلك، ظل متسخطا على ربه وهو شاكيه ! لا يصلح له على عافية ولا على ابتلاء، العافية تلقيه إلى مساخطه، والبلاء يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته وشكايته إلى خلقه !
دعاه إلى بابه، فما وقف عليه ولا طرقه ! ثم فتحه له فما عرج عليه ولا ولجه! أرسل إليه رسوله يدعوه إلى دار كرامته فعصى الرسول، وقال : لا أبيع ناجزا بغائب ونقدا بنسيئة،ولا أترك ما أراه لشيء سمعت به ويقول :
خذ ما رأيت ودع شيئا سمعت به • • • في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
لم يزل يتمقت إليه بمعاصيه حتى أعرض عنه وأغلق الباب في وجهه ! ومع هذا فلم، يؤيسه من رحمته، بل قال متى جئتني قبلتك : إن أتيتني ليلا قبلتك، وإن أتيتني نهارا قبلتك، وإن تقربت مني شبرا تقربت منك ذراعا، وإن تقربت مني ذراعا تقربت منك باعا، وإن مشيت إلى هرولت إليك، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة، ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. ومن أعظم مني جودا وكرما ؟! عبادي يبارزونني بالعظائم، وأنا أكلؤهم على فرشهم.
إني والجنَّ والإنسَ في نبإ عظيم : أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليَّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليَّ، من أقبل إلي تلقيته من بعيد ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن أراد رضاي أردت ما يريد، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد.
أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي : إن تابوا إلي فأنا حبيبهم فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب، ومن آثرني على سواي؛ آثرته على سواه، الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة عندي بواحدة فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له.
أشكر اليسير من العمل، وأغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي، أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها.
فهذا شأن الرب، وشأن العبد، وهم يقيمون أعذار أنفسهم ويحملون ذنوبهم على أقداره :
استأثر الله بالمحامد والمجـدِ • • • وولـَّى الملامة الرَّ جلا
وما أحسن قول القائل :
تطوي المراحل عن حبيبك دائبا • • • وتظل تبكيه بدمـع ســاجم
كذبتك نفسك لسـت من أحبـابه • • • تشكو البعاد وأنت عين الظالم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/263 - 276) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  1  1591
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:25 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.