■ سلامة الداخل: أن لا تستكبر على الحق. وصفة للسكينة: كيف تبتسم في وجه الجاحدين؟
﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣-١٤]
حين أتأمل هذه الآيات، أجد فيها وصفًا دقيقًا لتعقيدات النفس البشرية؛ إذ تكشف أحد أعظم أسباب الاضطراب الوجداني: أن يعرف الإنسان الحقيقة ثم يحاول الهروب منها.
وهذا المعنى أكده المتنبي عندما جعل من ينكر الحقيقة -مع علمه بها- أجهل الناس، فقال:
وَأَجهَلُ النَّاسِ مَن يَعيا بِما عَلِمَتْ • • • نَفسُ الحَقيقَةِ مِنهُ وَهوَ يُنكِرُها
فالشاعر هنا يضعنا أمام مفارقة مذهلة: جهل ليس عن نقص معرفة، بل عن مكابرة. إنه يخبرنا أن أعلى درجات الجهل ليست في غياب العلم، بل في وجوده ثم إنكاره عنادًا.
ويوافقه الفيلسوف أرسطو بقوله: أصعب ما في الحياة أن تعرف الحقيقة ثم تتظاهر بأنك لا تعرفها؛ فهذا انقسام للروح لا يشفى.
وهذا الانقسام الذي يتحدث عنه الفيلسوف هو بعينه ما عناه القرآن بقوله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي إن الحقيقة كانت مستقرة في أعماقهم، لكنهم أنكروها ظلمًا وعلوًا.
فالمشكلة إذن في كثير من الأحيان ليست غياب الوضوح، بل مقاومة ذلك الوضوح، والالتفاف عليه بالمكابرة أو التبرير أو الجحود.
وهنا يبدأ الصراع النفسي الحقيقي؛ لأن الإنسان حين يخالف ما يستيقنه داخله، يعيش حالة انقسام مرهقة بين ما يعرفه في قرارة نفسه، وما يحاول إظهاره للناس.
وهذه الظاهرة ليست جديدة؛ فقد أشار إليها الإمام الشافعي حين تحدث عن أقوام حملوا العلم ثم جحدوا نعمته، فقال:
وَلَو أَنَّ أَهلَ العِلمِ صانوا عُلومَهُمْ • • • صانَهُمُ اللَهُ العَظيمُ بِقُدرَتِهِ
وَلَكِنَّها أَسرابُ قَومٍ تَحَمَّلوا • • • عُلومَ الأَوائِلِ ثُمَّ جاحَدوا نِعمَتَه
فالشافعي يلفت النظر إلى حقيقة مرّة: أن العلم وحده لا يكفي لهداية الإنسان ما دامت النفس متضخمة بالكِبر والعلوّ.
إن الجحود الواعي ليس نقصًا في الإدراك، بل أزمة في النفس المتضخمة التي ترى الاعتراف بالحق هزيمة، بينما الهزيمة الحقيقية هي خسارة السلام الداخلي.
فالإنسان يستطيع أن يخدع الآخرين لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع الهروب طويلًا من صوت داخله. ولهذا يبقى الجاحد في حالة استنزاف دائم؛ يبذل طاقة كبيرة في الإنكار وتزييف الواقع، بينما الحقيقة تظل أكثر ثباتًا وهدوءًا من كل محاولات طمسها.
وهذه الحالة وصفها الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى بدقة متناهية، فقال:
وَمَن يَعرِفِ الحَقَّ الَّذي قَد تَبَيَّنا • • • فَيَعدِل عَنهُ يَلقَ مِن قَلبِهِ ضيقا
فالضيق الذي يتحدث عنه زهير ليس ضيقًا عابرًا، بل هو ذلك الشعور الخانق الذي يرافق الجاحد كلما تذكّر الحقيقة التي هرب منها. إنه ثمن داخلي باهظ يدفعه من يخالف ما يعرف يقينًا.
ومن هنا نفهم المعنى العميق للمثل العربي : الحق أبلج والباطل لجلج.
فالحق يمنح صاحبه وضوحًا واتزانًا، أما الباطل فيورث القلق والاضطراب؛ لأنه يحتاج إلى جهد مستمر لحمايته وتبريره.
إن الاعتراف بالحقيقة ليس ضعفًا -كما يظن البعض- بل شجاعة نفسية عالية.
فالصدق مع الذات يبني إنسانًا متماسكًا لا يعيش ازدواجية الداخل والخارج، ولا يستهلك عمره في تبرير أخطائه أو مقاومة ما يعلمه يقينًا.
ولهذا قال رسول الله ﷺ: «فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ».
فالصدق يمنح النفس سكينة، بينما يتركها الكذب في ارتياب دائم وشك لا ينقضي.
ثم يأتي أبو العلاء المعري ليضرب أعمق نغمة في هذا المقام، حين يفرق بين من يحمل ذنبًا مقرًّا به، ومن يجحد الحق بعد علمه:
وَيَحمِلُ بَعضُ الناسِ ذَنباً مُقِرّاً • • • وَيَجهَلُ أَنَّ الجَحدَ أَعظَمُ إِثمِ
فَكَيفَ بِمَن يَعلَمُ ثُمَّ يُكابِرُ • • • أَلَيسَ ذَلِكَ أَقسى مِنَ الهَولِ المُضني
إنه سؤال بلاغي قاسٍ: كيف بمن يعلم ثم يكابر؟ أليس هذا أقسى من أهوال الموت نفسها؟!
المعري هنا يصل إلى لبّ المشكلة: الجحود مع اليقين ليس مجرد خطأ، بل هو أعظم الإثم؛ لأنه هدم للفطرة وتدمير للسلام الداخلي عن عمد وإصرار.
فإذا مررت يومًا بتجربة جحود أو نكران للجميل، فلا تجعل ذلك يهز قيمتك أو يسرق سلامك.
فكثير من صور الجحود لا تنبع من نقص في عطائك، بل من صراع داخلي لدى الطرف الآخر، أو عجز عن مواجهة الحقيقة بصدق ووضوح.
ابتسم مطمئنًا، وتمسك بسلامك الداخلي؛ فوضوح النفس نعمة عظيمة لا يعدلها شيء.
أما الإنكار المستمر، فعبء ثقيل لا ينجو منه صاحبه بسهولة؛ بل هو ذنب يجثم على صدره كصخرة لا تفارقه، وتلازمه ملازمة الروح للجسد.
وفي النهاية، تبقى السلامة النفسية قرارًا يبدأ بالصدق مع النفس، والقدرة على رؤية الحق كما هو، دون تزييف أو مكابرة.
فالاعتراف بالحقيقة فضيلة تحرر الإنسان، أما التمادي في الباطل فلا يورث إلا الحيرة والتعب الداخلي.