• ×

01:14 صباحًا , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ دخلت علي في العيادة عجوز في الستينات بصحبة ابنها الثلاثيني لاحظت حرصه الزائد عليها حتى فهو يمسك يدها ويصلح لها عباءتها ويمد لها الأكل والماء، بعد سؤالي عن المشكلة الصحية وطلب الفحوصات سألته عن حالتها العقلية لأن تصرفاتها لم تكن موزونة ولا ردودها على أسئلتي.
فقال : إنها متخلفة عقلياً منذ الولادة. تملكني الفضول فسألته : فمن يرعاها ؟ قال : أنا. قلت : والنعم ولكن من يهتم بنظافة ملابسها وبدنها، قال : أنا ادخلها الحمام واحضر ملابسها وانتظرها إلى أن تنتهي واصفف ملابسها في الدولاب واضع المتسخ في الغسيل واشتري لها الناقص من الملابس، قلت : ولم لا تحضر لها خادمة ! قال : لأن أمي مسكينة مثل الطفل لا تشتكي وأخاف أن تؤذيها الشغالة.
اندهشت من كلامه ومقدار بره وقلت : وهل أنت متزوج ؟ قال : نعم الحمد لله ولدي أطفال، قلت : إذن زوجتك ترعى أمك ؟ قال : هي ما تقصر وهي تطهو الطعام وتقدمه لها وقد أحضرت لزوجتي خادمة حتى تعينها ولكن أنا احرص أن أكل معها حتى أطمئن عشان السكر !
زاد إعجابي ومسكت دمعتي، واختلست نظرة إلى أظافرها فرأيتها قصيرة ونظيفة. قلت : أظافرها ؟ قال : قلت لك يا دكتورة هي مسكينة طبعاً أنا.
نظرت الأم له وقالت : متى تشتري لي بطاطس ؟ قال : ابشري الحين اوديك البقاله ! طارت الأم من الفرح وقامت تناقز الحين الحين.
التفت الابن وقال : والله إني أفرح لفرحتها أكثر من فرحة عيالي الصغار. سويت نفسي اكتب في الملف حتى ما يبين أني متأثرة ! وسألت ما عندها غيرك ؟ قال : أنا وحيدها لأن الوالد طلقها بعد شهر. قلت : أجل رباك أبوك قال : لا جدتي كانت ترعاني وترعاها وتوفت الله يرحمها وعمري عشر سنوات. قلت : هل رعتك أمك في مرضك أو تذكر أنها اهتمت فيك ؟ أو فرحت لفرحك أو حزنت لحزنك ؟ قال : دكتورة أمي مسكينة طول عمري من عمري عشر سنين وأنا شايل همها وأخاف عليها وأرعاها.
كتبت الوصفة وشرحت له الدواء.
مسك يد أمه وقال : يله الحين البقالة، قالت : لا نروح مكة. استغربت قلت لها : ليه تبين مكة ؟ قالت : بركب الطيارة ! قلت له : هي ما عليها حرج لو لم تعتمر ليه توديها وتضيق على نفسك ؟ قال : يمكن الفرحة اللي تفرحها لا وديتها أكثر أجر عند رب العالمين من عمرتي بدونها.
خرجوا من العيادة وأقفلت بابي وقلت للممرضة : أحتاج للراحة، بكيت من كل قلبي وقلت في نفسي هذا وهي لم تكن له أماً. فقط حملت وولدت لم تربي لم تسهر الليالي لم تمرض لم تدرس لم تتألم لألمه لم تبكي لبكائه لم يجافيها النوم خوفاً عليه. لم ولم ولم. ومع كل ذلك كل هذا البر !
تذكرت أمي وقارنت حالي بحاله فكرت بأبنائي هل سأجد ربع هذا البر ؟
مسحت دموعي وأكملت عيادتي وفي القلب غصة.
قال تعالى في سورة الإسراء : (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).

 1  0  1533
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1431-04-23 11:14 مساءً وحيد الزيادي :
    تمنيت أن لم أقرأ القصة فقد ازددت استحقارا لبري بوالدتي ان كان هناك بر أصلا
    وعلى العموم جزاك الله كل خير ومثل هذه القصص تحيي القلوب المتحجرة

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:14 صباحًا الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.